رغم إعلان الحكومة المصرية انخفاض البطالة إلى 6.2٪، كشف بالبيانات أن أكثر من 65٪ من المشتغلين يعملون في الاقتصاد غير الرسمي، وأن 83٪ من العاطلين من حملة المؤهلات العليا، مع بطالة نسائية تتجاوز 37٪.
خلال الأشهر الأخيرة، كرر رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في أكثر من مناسبة رسمية، سواء خلال اجتماعات مجلس الوزراء أو المؤتمرات الصحفية الأسبوعية، أن معدل البطالة في مصر يواصل الانخفاض، معتبرًا أن ما تحقق هو “أحد أهم مؤشرات نجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي”.
وفي أحدث التصريحات قال مدبولي خلال اجتماع مع الملحقين العسكريين أن معدل البطالة انخفض إلى 6.2٪، مسجلًا رقمًا قياسيًا في تاريخ البلاد.
رئيس الوزراء أكد أن المعدلات الحالية تُعد الأدنى منذ عقود، مشيرًا إلى أن التوسع في المشروعات القومية، وبرامج التشغيل، والاستثمارات الحكومية والخاصة، أسهمت في استيعاب أعداد متزايدة من الداخلين الجدد إلى سوق العمل، رغم التحديات الإقليمية والضغوط الاقتصادية العالمية، كذلك شدد على أن الدولة “لا تكتفي بخفض البطالة رقميًا”، بل تستهدف خلق فرص عمل “مستدامة” وتحسين كفاءة سوق العمل على المدى الطويل.
وبحسب تقرير موقع “زاوية 3″، يرى مراقبون وخبراء اقتصاديون أن تصريحات الحكومة، رغم استنادها إلى بيانات رسمية، لا تقدم صورة متكاملة عن واقع سوق العمل في مصر. موضحين أن الانخفاض في معدل البطالة لا يعني بالضرورة تحسن أوضاع التشغيل، خاصة في ظل اتساع الاقتصاد غير الرسمي، وارتفاع معدلات العمل الهش، وتراجع جودة الوظائف المتاحة.
مؤكدين أن جزءًا من تراجع البطالة يعود إلى خروج أعداد من المواطنين من قوة العمل أصلًا، سواء بسبب الإحباط من البحث عن وظيفة، أو الاتجاه إلى العمل غير الرسمي أو المؤقت، وهو ما لا يظهر في المؤشرات الرسمية.
بالإضافة إلى ذلك يرى الخبراء أن قراءة أرقام البطالة بمعزل عن الأجور، والاستقرار الوظيفي، والحماية الاجتماعية، تُفرغ هذه الأرقام من مضمونها الاقتصادي والاجتماعي.
كذلك يفرق خبراء سوق العمل بين معدل البطالة ومعدل التشغيل، وهما مؤشّران يُخلط بينهما كثيرًا في الخطاب الرسمي. فمعدل البطالة يقيس نسبة العاطلين الباحثين عن عمل داخل قوة العمل فقط، بينما يقيس معدل التشغيل نسبة من يعملون فعليًا من إجمالي السكان في سن العمل.
وبحسب هذا التعريف، يمكن لمعدل البطالة أن ينخفض حتى في حال تراجع فرص العمل، إذا خرج عدد كبير من الأفراد من قوة العمل أو اتجهوا إلى أنشطة غير رسمية. فيما يؤكد اقتصاديون أن التركيز على البطالة وحدها يُخفي واقعًا أكثر تعقيدًا يتمثل في ضعف معدلات التشغيل الحقيقي، وانخفاض مشاركة النساء والشباب في سوق العمل، وهو ما يمثل أحد أبرز التحديات الهيكلية للاقتصاد المصري.
تعقيبًا يقول وائل جمال، – مدير وحدة العدالة الاجتماعية والاقتصادية في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية-، إن أي تراجع في معدل البطالة يُفترض نظريًا أن يُعد مؤشرًا إيجابيًا، لكنه يشدد على أن قراءة هذا الرقم بمعزل عن طريقة احتسابه وسياقه الاقتصادي لا تعكس صورة كاملة لواقع سوق العمل ويوضح أن المشكلة الأساسية في مصر لا تتعلق فقط بنسبة البطالة المُعلنة، وإنما بانخفاض معدل التشغيل نفسه مقارنة بحجم قوة العمل.
ويشير جمال إلى أن معدل التشغيل في مصر يُعد من المعدلات المنخفضة جدًا، إذ لا تتجاوز نسبة المشتغلين من إجمالي القادرين والراغبين في العمل نحو 40% وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وهو رقم يعكس خروج قطاع واسع من القادرين على العمل من سوق العمل بالكامل، وليس تحسنًا حقيقيًا في فرص التشغيل.
نسب الفقر في ارتفاع
ويضيف موقع “زاوية 3″، أنه رغم الحديث انخفاض معدل البطالة رسميًا، فإن نسب الفقر في مصر لا تزال مرتفعة مقارنة بهذا الانخفاض. وتشير بيانات رسمية ودراسات مستقلة إلى أن ما يقرب من ثلث السكان يعيشون تحت خط الفقر أو قريبين منه، بينما تضررت شرائح أوسع من التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة خلال السنوات الأخيرة.
ويؤكد اقتصاديون أن انخفاض البطالة لا ينعكس بالضرورة على تراجع الفقر، خاصة عندما تكون غالبية الوظائف المتاحة منخفضة الأجر أو غير مستقرة. وبذلك، يصبح الفقر مؤشرًا أكثر تعبيرًا عن أوضاع سوق العمل الحقيقية من معدل البطالة المجرد.
تُظهر تقديرات البنك الدولي لمعدل الفقر عند خط الفقر الوطني في مصر خلال السنوات الأخيرة أن النسبة ظلت تدور حول مستوى يقارب ثلث السكان، مع تذبذبات محدودة مرتبطة بتغيّر الأوضاع الاقتصادية.
تشير البيانات المتاحة إلى أن الفقر انخفض إلى 29.7% في 2019/2020، لكنه عاد للارتفاع لاحقًا ليصل إلى نحو 32.5% في 2022، في ظل موجات التضخم وتراجع القوة الشرائية للأسر. ورغم غياب نشر منتظم لمؤشرات الفقر عن كل سنة على حدة، فإن الاتجاه العام يعكس استمرار الضغوط المعيشية على شرائح واسعة من المصريين، بينما تُظهر تقديرات أخرى باستخدام خطوط الفقر الدولية الأعلى أن نسبة من يعيشون تحت خط الفقر قد تكون أكبر بكثير من الأرقام الوطنية الرسمية.
يواجه قطاع واسع من العمال في مصر تحديات متراكمة، أبرزها انخفاض الأجور الحقيقية مقارنة بمعدلات التضخم، وغياب التأمينات الاجتماعية والصحية، خاصة في القطاع غير الرسمي. ورغم إقرار زيادات متتالية في الحد الأدنى للأجور، فإن هذه الزيادات لا تشمل جميع العاملين، ولا تُطبق بصرامة في القطاع الخاص. كذلك يعمل ملايين المصريين دون عقود عمل، أو في وظائف مؤقتة، ما يحرمهم من أي مظلة حماية اجتماعية.
وبحسب أحدث إصدار من النشرة الربع سنوية لبحث القوى العاملة صادر في فبراير 2025، تراجعت مستويات المشتركين في التأمينات الاجتماعية، والتأمين الصحي، والعاملين بعقد قانوني، وفي عمل دائم، الذي يقيس عليهم “الإحصاء” مستويات جودة العمل، مقارنةً بعام 2014.
بلغ إجمالي المشتركون في التأمينات الاجتماعية 39.5% من إجمالي المشتغلين في ديسمبر 2024، فيما كانوا 59.2%، في عام 2014، وانخفضت نسبة المشتركون في التأمينات الصحية من 50.5% في 2014، إلى 35.6%. وانخفضت نسبة العاملون بعقد دائم من 68.3% في 2014 إلى 66.9% في ديسمبر 2024، والعاملون بعقد قانوني من 57.4%، إلى 37.1%.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات