قبيل يوم من إعلان الرئيس الأمريكي الذي كان متوقعاً حول “مذابح الأرمن”، هاتف جو بايدن نظيره التركي رجب طيب أردوغان، بينما جرت اتصالات هاتفية مكثفة بين الجانبين على مستوى وزراء الخارجية وكبار المستشارين، في سلسلة اتصالات كان هدفها امتصاص الغضب التركي ومنع انزلاق العلاقات بين البلدين إلى مرحلة خطيرة لا يرغب الجانبان بالوصول إليها في هذه الوقت على أقل تقدير.
وعلى الرغم من استدعاء تركيا للسفير الأمريكي في أنقرة، وسيل التصريحات الغاضبة التي هاجمت الإدارة الأمريكية وحذرت من خطورة الخطوة على مستقبل العلاقات بين البلدين، إلا أنه من غير المتوقع أن تشهد العلاقات على المدى القريب مزيداً من التصعيد أو تلجأ أنقرة لردود راديكالية تتعلق بتقليص العلاقات الدبلوماسية أو التعاون العسكري أو الاقتصادي.
ويتوقع أن تعود الاتصالات واللقاءات بين البلدين على المستوى القريب من خلال التركيز على ملفات الاتفاق وتجنب ملفات الخلاف أو السعي إلى حلها، إلا أن ذلك لا يعني على الإطلاق أن هذه الخطوة ستكون سبباً للتأسيس لمزيد من الخلافات وتوسيع حالة تراجع الثقة التي ستظهر على شكل تراجع في مستوى “التحالف الاستراتيجي” القائم بين البلدين سواء على الصعيد الثنائي أو في إطار حلف شمال الأطلسي، لتظهر تبعات هذه الخطوة على المديين المتوسط والبعيد وليس على المستوى القريب.
ومقابل بعض الخطوات كالتي جرت، مثل التصريحات الغاضبة واستدعاء السفير، وما قد تشهده الأيام المقبلة من خطاب حاد لأردوغان والمسؤولين الأتراك ضد بايدن والإدارة الأمريكية وتوجيه اتهامات لها بدعم الإرهاب ومعاداة تركيا، يتوقع أن تتفهم الإدارة الأمريكية الغضب التركي وتعمل على تقديم بعض الامتيازات لتجنب الدخول في جولة تصعيد جديدة.
ويبدو جلياً أن الجانبين وعلى الرغم من الخلافات الكبيرة بينهما إلا أنهما يتجنبان أي خطوة قد تقود العلاقات إلى حافة الهاوية وتحولها إلى خطوات راديكالية من قبيل طرد السفراء أو التضييق على التواجد الأمريكي في القواعد العسكرية التركية، أو رد واشنطن بفرض عقوبات اقتصادية كبيرة وغيرها من الخطوات التي يمكن أن تنقل الخلاف إلى ملعب آخر، وتدفع باتجاه مراجعات جوهرية للعلاقات بين البلدين.
لكن احتواء التصعيد لا يعني أن العلاقات بين البلدين ستكون في أحسن أحوالها، فملف اعتراف بايدن بـ”إبادة الأرمن” سيضاف إلى لائحة طويلة من ملفات الخلافات الطويلة بين البلدين، والتي تتوزع بين دعم الوحدات الكردية في سوريا، واستضافة فتح الله غولن وقيادات تنظيمه على الأراضي الأمريكية، وإخراج تركيا من برنامج طائرات “إف 35” والعقوبات الأمريكية رداً على شراء تركيا منظومة “إس 400” الروسية، والانتقادات الحقوقية واتهامات التدخل بالشؤون الداخلية وغيرها من الملفات.
هذه الحزمة الكبيرة من الخلافات والتي أضيف إليها ملف ثقيل جديد -إبادة الأرمن- سوف تدفع تدريجياً وبشكل أكبر نحو المراجعات التركية الجوهرية المتعلقة بمبدأ “التحالف الاستراتيجي” التاريخي بين البلدين، وتفتح الباب أمام تساؤلات عميقة في أنقرة حول ما إذا كانت واشنطن بالفعل “حليفا إستراتيجيا” وما إذا كان يتوجب على أنقرة مواصلة طريقها في المعسكر الغربي بنفس الوتيرة الحالية، وغيرها الكثير من التساؤلات الكبيرة التي تدفع المواقف الأمريكية التي توصف في تركيا بـ”العدائية” نحو الإجابة عليها بشكل أسرع.
هذه الإجابات ربما تفتح الباب أمام تعزيز توجه أنقرة نحو توزيع وتنويع تحالفاتها، وهو ما يعني بطبيعة الحال تعزيز العلاقات مع روسيا في مجالات أكثر، وخاصة في مجال الصناعات الدفاعية، وربما الحصول على مقاتلات روسية حديثة لتعويض خسارة طائرات “إف 35” إلى جانب تعزيز العلاقات مع روسيا وخاصة في الجانب الاقتصادي وهو ما برز بالفعل في السنوات الأخيرة، بالإضافة إلى محاولة تعزيز العلاقات التركية الغربية ليس كسلّة واحدة، وإنما من خلال تعزيز العلاقات الثنائية مع دول بعينها، وغيرها الكثير من الإجراءات.
كل ذلك سوف يثبت خلال السنوات المقبلة إن قرار بايدن لم يكن عابراً، وأن الرد التركي الذي بدى مقيداً برغبتها في إنجاح مساعيها لإعادة رسم سياستها الخارجية والانفتاح على تقليل خلافاتها لتجاوز الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، ستظهر نتائجه على المدى المتوسط، وسيدفع نحو ابتعاد تركي أكبر عن الولايات المتحدة، مقابل تقارب أكبر مع دول جديدة لا سيما روسيا والصين.
كيف سيكون الرد التركي؟
مصدر من دائرة الاتصال في الرئاسة التركية كشف للجزيرة عن رد تركي محتمل على الخطوات الأميركية يشمل إغلاق قاعدة إنجرليك، ومقاطعة البضائع الأميركية، وفتح ملف تعويضات في المحاكم الدولية عن دور أميركي في محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016.
وكشف المصدر للجزيرة نت عن جملة خطوات أعدتها أنقرة للرد على الخطوات الأميركية، “منها إغلاق قاعدة إنجرليك وكذلك فتح قنصلية تركية في مدينة شوشة التي استعادتها أذربيجان من أرمينيا في الحرب الأخيرة، بالإضافة إلى مقاطعة البضائع الأميركية، وأخيرا فتح ملف تعويضات في المحاكم الدولية لدور أميركي في انقلاب 15 يوليو/تموز الفاشل”.
كما لفت المصدر إلى أن “اعتراف بايدن بما أسماه الإبادة الجماعية قد يعرقل المصالحة مع أرمينيا، بعد حرب ناغورني قره باغ”.
من جهته، أكد القيادي في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم، رسول طوسون، إبلاغ البنتاغون أنقرة إخراجها من مشروع طائرات إف-35، مبينا أن رد بلاده يتمثل بتوكيل محامين للحصول على المبلغ المدفوع ولاستعادته من أميركا.
وقال طوسون للجزيرة نت “إخراج تركيا من المشروع لا يضرها، بل ينفعها ويحفزها لإنتاج أحدث المنتجات الدفاعية، فهناك حقيقة هي أنه كلما فرضت الدول المصدرة عقوبات على تركيا، سارعت إلى إنتاجها، لذلك ستعمل من واقع خبرتها في الصناعات الدفاعية إلى إنتاج طائرات مقاتلة متطورة”
وسبق أن اعترف الكونغرس الأميركي رسميا بالمجازر على أنها إبادة جماعية في ديسمبر/كانون الأول 2019 في تصويت رمزي.
ومؤخرا، بعث أكثر من 100 عضو في الكونغرس، على رأسهم آدم شيف الرئيس الديمقراطي للجنة الاستخبارات في مجلس النواب، رسالة إلى بايدن، يحضونه فيها على الوفاء بتعهده بالاعتراف بالإبادة خلال حملته الانتخابية.
وبهذه الخطوة يكون بايدن أول رئيس أميركي يصف المجازر بأنها إبادة، ورغم عدم وجود عواقب قانونية لهذا التصنيف، فإنه يغضب أنقرة التي تصر على عدم وجود إبادة، وتقول إن الطرفين ارتكبا فظائع خلال الحرب.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات