إيران والغرب وإسرائيل .. إستراتيجية الترويج لخطر السنة

تسعى إيران لترويج مصطلح «السنة فوبيا», مستغلةً فكرة انتشار التنظيمات الإسلامية “المتطرفة”، لمحاولة خلق انطباع يهدف إلى  دق ناقوس الخطر من ظاهرة (الإسلام فوبيا) في الغرب, ومحاولة التأصيل لهذه الظاهرة, والقول بأن لها أصولا ومرتكزات ثابتة, وذلك من خلال سرد الأسباب التاريخية والمعاصرة، والتشكيك في الأسس والمرتكزات التي يقوم عليها الإسلام السني، ومحاولة إثارة نقطة مهمة وهي أن هناك اختلافات وبونا شاسعا بين الإسلام السني ” المنحرف” حسب توصيفهم والإسلام ” الشيعي ” التنويري الصحيح حسب إدعائهم.

ولم يقف الأمر عند ذلك، بل تعدت لمحاولة الترويج لأن إيران الثورة والدولة  تحمل رسالة  تصحيحية  لبعث الإسلام الصحيح من خلال السعي لاحتلال البلاد الإسلامية، ونشر التشيع، وإخراج شعوب هذه الدول من الظلمات إلى النور,  وذلك بقتل السنة كلهم أو بعضهم!

حاولت إيران الترويج إلى أنها الدولة التي تحمل مشعل الإسلام الصحيح والمعتدل؛ وبث فكرة جوهرية مفادها أهمية تكاتف الغرب مع دولة ولي الفقيه للخروج بإستراتيجية موحدة لمواجهة ظاهرة (السنة فوبيا) والدول التي تمثلها؛ على اعتبار أنها مركز انطلاق أفكار التطرف التي تبث العنف والدمار والإرهاب في العالم.
 وبناء على الإستراتيجية السابقة باتت إيران تجهد ليل نهار في محاولة ترويج مصطلح «السنة فوبيا» ليكون بديلاً عن ” الاسلام فوبيا”، وجعله من  المصطلحات الحديثة الأكثر تداولاً في الفضاء المعرفي المعني بعلاقة الإسلام بالغرب. وقد تم نحت المصطلح الذي استعير في جزء منه من علم التعصب المذهبي للتعبير عن ظاهرة الرهاب أو الخوف المرضي من الإسلام السني, وهي في الواقع ظاهرة قديمة جديدة:

قديمة قدم الدين الإسلامي نفسه، وإن كانت قد تصاعدت حدتها في عالم اليوم، وبخاصة في دول الغرب بعد التفجيرات الشهيرة التي شهدتها الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، التي أسندت إلى تنظيم القاعدة ذات المنبت السني, وربما كان من الممكن القول إن تلك الظاهرة تضرب بجذورها عميقاً في تاريخ قديم حافل بمسلسل طويل من العلاقات المضطربة بين السنة والشيعة، واستقر في الذهنية الإيرانية تعبيراً عن  فكرة الثأر وقدسية الانتقام، انطلاقا من الفكرة القائلة: “كل يوم عاشوراء، وكل أرض كربلاء، ولكل زمان ظالم يزيد”، وانسجاماً كذلك مع سياسة البحث عن العدو، والخطر الداهم المحدق الذي يتهدد كل ما هو شيعي، وربما أيضاً انطلاقاً من الاقتران المتكرر للتنافس واثبات الخصوصية والتفرد بالتشيع، الذي يوحي وكأن هناك صراعا  حتميا بين الشيعة والسنة، وهو أشبه بنظرية “صراع الحضارات” مع تحويرها لفكرة صراع المذاهب، وهي أشبه  كذلك بنظرية “نهاية التاريخ” مع تحويرها لتصبح حاسمة مع نهاية التسنن لصالح الضربة القاضية التي سيوجهها الشيعة له، بعد حسم التاريخ لصالح الإمبراطورية الشيعية الموعودة لتي سيقوم إمام الزمان بإنشائها.
 وفق هذه الرؤية, فإن مجال الصراع  بين الإسلام السني والإسلام الشيعي كما ترسمه إيران، وكما قد يتبادر للذهن، تمتد لتطال  محاولة إيران السيطرة على رقعة العالم الإسلامي؛ إذ أن ظاهرة الخوف المرضي من الإسلام” السني” نشأت في الأصل بين أوساط الغرب عامة واليهود بخاصة، وثمة من المؤشرات ما يؤكد استمرار حضورها على الساحتين الإقليمية والعالمية، الأمر الذي يخدم معه طهران وسياساتها لمد مجالها الحيوي، وسياساتها التدخلية؛ لا سيما من خلال مداخل الأزمات الإقليمية، بعد أن تقاطعت رؤيتها مع الغرب وإسرائيل لمواجهة مشروع الإسلام السني، بعد محاولة تصنيفه بين الإسلام التركي، والإسلام الوهابي.. ورسم خطوط التوافق والاختلاف معه .
ولظاهرة “السنة فوبيا” أسباب متعددة توظفها إيران لمحاولة التسويق  لهذه الفكرة :
أولاً ـ فعلى الصعيد الداخلي يزدحم التاريخ بالكثير من وقائع الصراع بين السنة والشيعة؛ تجسدت مع دخول الإسلام إلى بلاد فارس, وقد يمكن القول إن الفتوحات الإسلامية التي بدأت منذ عهد الرسول ( صلى الله عليه وسلم)، وتوسعت حدودها وآفاقها على امتداد قرون طويلة لاحقة، وشكلت بما ارتبط بها أو تمخض عنها من دحر جحافل الفرس، أولى وأبرز الخبرات المؤلمة التي تعرضت لها الحضارة الفارسية في علاقتها بالعالم الإسلامي، تلك الخبرات التي غرست بذور العداء للإسلام السني.
ويزخر التاريخ بسلسلة لا تكاد تنتهي من الخبرات غير السارة التي اتخذت طابعاً دموياً في كثير من الحالات، التي كرست النظرة العدائية، من جانب الإيرانيين الشيعة ـ الوريث الشرعي للإمبراطورية الفارسية ـ حيال الإسلام وأهله, إذ لم تتوقف تلك الخبرات المؤلمة عند حدود معركة القادسية، بل تعدتها إلى سلسلة طويلة من مواقف المجابهة العنيفة، في العديد من المعارك بين العرب والفرس، وهو ما يشترك فيه الإيرانيون مع الغرب الذي كان وما زال يرى أن الإسلام  “السني” يمثل تحديا خطيراً للحضارة الغربية؛ فمعركة القادسية يقابلها فتح الأندلس سنة 91 هـ، ومعركة بلاط الشهداء (بواتيه) سنة 114هـ، التي لولا هزيمة المسلمين فيها لدخل الإسلام إلى باريس، وفتح القسطنطينية على يد العثمانيين سنة 857 هـ .. و يمكن أن يضاف إلى ذلك قائمة لا تكاد تنتهي من وقائع الصراع الدامي بين الإسلام السني والغرب, ويبدو أن التفاعل المباشر بين الفرس والإسلام السني من جهة, والإسلام السني والغرب استمر ويستمر، سواء في سياق الحروب الصليبية، أو حروب الدولة الصفوية وما تبعها من مؤامرات على الدولة الإسلامية، والذي خلق لدى الغرب والفرس صورة سوداء في أذهانهم تجاه الإسلام السني وأتباعه، بوصفه ديناً دموياً وارهابياً .
ثانياً ـ ظاهرة التجهيل بالإسلام السني
تشترك إيران والغرب في سياسة التجهيل بالإسلام ” السني”، بوصفه يشكل خطراً غامضاً يحسن الاحتراس منه وتجنبه؛ وهذا ما قد يفسر خوف الكثيرين من الإيرانيين الشيعة والشعوب الغربية معاً من الإسلام وميلهم إلى معاداته والنفور منه، وهذا الأمر تأكد من خلال استهداف التنظيمات وحتى الجمعيات السنية ومحاولة تجفيف منابعها ومواردها تحت بند مكافحة الإرهاب على عكس التنظيمات الشيعية، والواقع إن هناك جهلاً صارخاً بحقيقة الإسلام، وبخاصة في إيران والعالم الغربي، الذي يستقي معلوماته عن الإسلام من مصادر تفتقر في كثير من الحالات إلى الموضوعية والنزاهة والتجرد والحياد، أو يعتمد على إستراتيجية تشويه الحقائق، أو الإحاطة الكافية بحقيقة الإسلام وجوهره؛ فالمناهج المدرسية وحتى الجامعية في إيران والعالم الغربي، ما تزال مثقلة بكم هائل من المعلومات المغلوطة والمضللة عن الإسلام، التي تعود في جذورها إلى نتاجات المدرسة الاستشراقية، المصطبغة بروح الحروب الصليبية، والتي تقوم على  التعصب والتحيز وتزييف الوقائع وليّ أعناق الحقائق لإثبات مزاعم وافتراضات ليس لها أساس من الصحة، وتذهب بدورها إلى صانعي السياسة في الغرب؛ بينما يذهب الكثير من إنتاجهم إلى الرأي العام عن طريق أجهزة متطورة للإعلام والدعاية ليؤكد صوراً نمطية أو يشوهها.
ويشكل الجهل بالإسلام وحمل تصورات مغلوطة عنه، مع ما يترتب عن ذلك من الحيلولة دون تشكل أرضية ملائمة لفهمه والتواصل الإيجابي معه، أحد معالم الحياة عند العالم الغربي وإيران بشكل عام، مع الاعتراف بأهمية إعطاء تقسيمات واضحة للشعوب التي تقطن إيران وانتماءاتها.

ثالثاً ـ محاولة إيران الترويج والخلط بين الإسلام السني وواقع الدول الإسلامية المأزوم سياسياً، واقتصادياً وأمنياً؛ في فلسطين وسوريا واليمن، والعراق؛ ,تبدو الدول الإسلامية عاجزة عن فعل الكثير من أجل إيقاف تلك الصراعات أو الانتصار فيها أو تسويتها، واعتبار هذه الأزمات الإقليمية مصدراً لنشر العنف والإرهاب للغرب والعالم، وحتى إلى إيران نفسها ،  وإلقاء مسؤولية ما يجري لزعيمتي العالم السني؛ السعودية وتركيا، المسؤولين- حسب الرؤية الإيرانية والغربية – عن إنشاء ودعم المنظمات والمليشيات الإرهابية ” السنية ” ، بغرض تصفية الحسابات معها، والتحريض عليها .

إذاً هي فوبيا أو عولمة الخطر السني الذي يسعى الغرب وإسرائيل وإيران للتسويق له بحيث يصبح الخطر رقم واحد الذي يهدد الاستقرار والأمن العالمي، فماذا نحن فاعلون أيها الحكام العرب؟

…………………….

رئيس وحدة الدراسات الإيرانية – مركز أمية للبحوث والدراسات الإستراتيجية

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …