حذفت وسائل الإعلام السعودية، من مواقعها الالكترونية وصفحاتها بمواقع التواصل الاجتماعي، خبر لقاء ولي عهد السعودية محمد بن سلمان، أول أمس الجمعة مع رئيس وأمين عام حزب الإصلاح اليمني؛ الممثل لإخوان اليمن.
وفوجئ متابعو وسائل الإعلام بحذف الخبر من وكالة الأنباء الرسمية «واس»، بعد نشره مقتضبا بعنوان «ولي العهد يبحث مع رئيس التجمع اليمني للإصلاح عدداً من المسائل المتعلقة بالساحة اليمنية»، وهو ما تبعه عدد من الصحف السعودية بالحذف بعد نحو ساعة من النشر.
ولم تنشر الخبر، أو تعلق عليه، أي من الصحف السعودية الورقية، الصادرة صباح أمس السبت, ويستثني من ذلك، صحيفة «الشرق الأوسط»، الصادرة من لندن.
لقاء «بن سلمان»، في الرياض، قيادات بارزة في حزب «التجمع اليمني للإصلاح»، الذي يعد الفرع اليمني لجماعة الإخوان المسلمين، هو اللقاء الأول منذ التدخل العسكري للسعودية في اليمن في مارس 2015, وحضره رئيس الحزب؛ محمد عبد الله اليدومي وأمينه العام؛ عبد الوهاب الأنسي.
«اليدومي» في تدوينة له على «فيسبوك» قال: «اللقاء استعرض موضوع السلام الذي تحتاجه اليمن بمرجعياته المجمع عليها محلياً واقليمياً ودولياً بعيداً عن المبادرات التي تحاول إبقاء المشكلة دون حل حقيقي».
ويتواجد رئيس حزب «الإصلاح» منذ مارس 2015، في العاصمة السعودية، مع عدد من القيادات البارزة في الحزب، بينهم الأنسي، وهما يعملان في الهيئة الاستشارية للرئيس هادي.
اللقاء يشير إلى أن السعودية يبدو أنها قد بلعت أكثر مما يمكنها مضغه في اليمن بحسب تقرير كتبه هلال كاشان بموقع ستراتفور.
ففي 26 مارس 2015، أطلقت المملكة عاصفة الحزم وهي مبادرة تهدف ظاهريا إلى إعادة حكومة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، الذي كان المتمردون قد أجبروه على الخروج من العاصمة صنعاء.
وبعد مرور أكثر من عامين ونصف العام، لا تبدو السعودية أقرب إلى هدفها، وهي متورطة في حرب لا يمكنها الفوز بها.
كيف ارتكبت السعودية مثل هذا الخطأ الاستراتيجي؟ قبل الدخول في الصراع، كان قادة المملكة يدركون جيدا الصعاب الشديدة التي تعترض نجاح العملية، وهي التضاريس التي لا يمكن مواجهتها والمكائد القبلية المستعصية.
يميل السعوديون إلى المراوغة في شرحهم لما دفعهم للتدخل في البلد الذي مزقته الحرب في المقام الأول, ولكن نظرة على تاريخ المملكة وأيديولوجية تأسيسها تقدم نظرة ثاقبة على معضلة الرياض في اليمن.
إرث من الغزو
وللمملكة السعودية تاريخ حافل بالدماء والاحتكاك بالجيران؛ فقد انتهجت الدولة السعودية الأولى التي أسسها محمد بن سعود سياسة تحقيق الأهداف بالقوة, فغزت الكويت في عام 1793 وحاصرت رأس الخيمة (التي أصبحت الآن جزءا من الإمارات العربية المتحدة) في عام 1799، ودخلت البحرين في عام 1801، وهاجمت كربلاء في العراق في 1802، وسيطرت على البصرة وجدة في العام التالي.
لكن في عام 1818، دمر الجيش المصري في عهد محمد علي وإبنه إبراهيم باشا الدولة السعودية، قبل أن تبرز في نسختها الحديثة في مطلع القرن العشرين.
ومثل أسلافها (بما في ذلك الدولة السعودية الثانية، التي استمرت من عام 1824 إلى عام 1891)، كان للمملكة ميل للحرب.
أجهز السعوديون على مملكة الحجاز الهاشمية في العشرينات من القرن الماضي عبر سلسلة من المعارك، وفي العقد التالي قاموا بنقل حروبهم إلى اليمن.
خلال حرب 1934، استولت السعودية على عسير وجيزان ونجران من جارتها الجنوبية الغربية، مما أدى إلى توتر دائم بين البلدين.
ويقال إن عبد العزيز بن سعود، مؤسس الدولة السعودية الحديثة، أخبر أبناءه قبل وفاته أنه من أجل الحفاظ على قوة بلادهم، يجب أن يبقي اليمن ضعيفا.
جذور الصراع
وعندما قامت مجموعة من الثوار بالإطاحة بإمام اليمن عام 1962 اندلعت حرب أهلية بين الملكيين ودعاة النظام الجمهوري.
وكان السعوديون قلقين من أن تنتقل الاضطرابات إلى أراضيهم، لذا فإنهم دعموا الملكيين في النزاع الذي دام ثماني سنوات.
وبعد أن توصل الجانبان إلى حل وسط لإنهاء الحرب، عملت المملكة على شراء نفوذ القبائل المختلفة وفي التسعينات، تقريبا، ظهرت حركة الحوثيين التي تطورت إلى حركة تمرد.
وفي نوفمبر 2009، استولى الحوثيون على قسم جبلي من مقاطعة جيزان في المملكة العربية السعودية، بالقرب من الحدود, وكان التوغل مدفوعا بالانتقام من السعودية التي سمحت لوحدات الجيش اليمني بتنفيذ هجمات ضد الحوثيين من الأراضي السعودية، الأمر الذي رأوه بمثابة انتهاك للشروط الضمنية للهدنة التي قطعتها المملكة مع اليمن بعد حرب عام 1934.
ورغم أن النزاع لم يستمر لفترة طويلة، فإن السعوديين كانوا يشعرون بالتأكيد بأن حربا كاملة كانت حتمية.
وقد وفرت ثورة اليمن عام 2011 الأساس للصراع المقبل، وأنعشت الانتفاضة التي أطاحت بعلي صالح من السلطة آمال اليمنيين في نظام سياسي حديث ومستقل, لكن خطة الانتقال لم تلب هذه الطموحات بأي شكل، حيث واجه الرئيس الجديد؛ هادي، تحديات عديدة، وسرعان ما انحدر اليمن إلى حالة من الفوضى. وبعد سنوات قليلة، وتحديدا في سبتمبر 2014، سيطر الحوثيون على صنعاء، وفي فبراير 2015، كشف الحوثيون النقاب عن إعلان دستوري لتغيير النظام السياسي في البلاد.
كانت الرياض قلقة من أن استيلاء الحوثيين في صنعاء سيحفز الشيعة السعوديين على التمرد.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن علاقات الحوثيين الطويلة الأمد مع إيران زادت من مخاوف المملكة من تأثير طهران المتزايد.
وفي مارس 2015 بدأت السعودية وشركاؤها في التحالف، بما في ذلك الإمارات وقطر والكويت والبحرين ومصر والسودان والمغرب والأردن وباكستان، عملياتهم العسكرية ضد الحوثيين.
وعلى وقع نجاح القوة الجوية في تحقيق الانتصارات؛ سواء في حرب 1967 أو في عاصفة الصحراء في عام 1991، فقد اعتقد السعوديون أن حملتهم الجوية ستعمل بنجاح في اليمن, وهو ما لم يحدث.
تحالف المصالح المتباينة
بالمقارنة مع السعودية، زعيم التحالف، كان الأعضاء الآخرون أقل عرضة للخطر في اليمن.
في الواقع، كان معظم شركاء السعودية مترددين في الانضمام للعملية، وقد حدّت البحرين والكويت والأردن والمغرب من حجم مشاركتها في الحرب ضد الحوثيين، بينما رفضت مصر وباكستان إرسال قوات برية الى المعركة في حين ربط السودان إرسال آلاف الجنود إلى اليمن بتدخل الرياض بالنيابة عنه، لإقناع واشنطن بتعليق العقوبات المفروضة عليه.
وكانت السعودية والامارات الدولتين الوحيدتين اللتين استثمرتا في الحرب, مع تباين أسباب الدخول في الصراع.
وكانت أهداف السعودية هي سحق الحوثيين وقطع علاقاتهم مع إيران وتأمين الحدود مع اليمن.
ومن ناحية أخرى، فإن الإمارات كانت تضع أولويات أخرى في الاعتبار؛ فلم تكن أبوظبي مهتمة مثل السعودية بإبعاد الحوثيين عن العاصمة اليمنية، بل كانت تخشى من أن يؤدي ذلك إلى إعطاء حزب الإصلاح – فرع جماعة الإخوان التي يعتبرونها تهديدا لاستقرارهم – مكانا في المستقبل السياسي لليمن.
بعد تقديم محاولة روتينية لتدريب القوات اليمنية على الهجوم لاستعادة صنعاء، حولت القوات الإماراتية انتباهها بدلا من ذلك إلى جنوب اليمن, وهناك عملت على تأمين السيطرة على الساحل العربي ومضيق باب المندب، وهو ممر رئيس للتجارة الدولية.
كما حرصت الإمارات على منع ميناء عدن اليمني من التنافس مع ميناء “جبل علي” بالقرب من دبي.
حرب لا يمكن الفوز فيها
وبسبب تباين مصالحهما في اليمن، فإن السعودية والإمارات لديهما مستويات مختلفة من الالتزام بالنزاع أيضا.
وقد أعلن ولي عهد أبوظبي على تويتر في يونيو 2016 أن بلاده ستنهي مشاركتها العسكرية في اليمن، على الرغم من أنها ستواصل مراقبة الترتيبات السياسية وتمكين اليمنيين في المناطق المحررة.
وفي الوقت نفسه، واصلت القوات السعودية سعيها وراء أهداف تبدو أكثر بعدا, ويعرف وزير الدفاع السعودي محمد بن سلمان أن بلاده ربما لن تهزم الحوثيين في اليمن, فقد حاول الرئيس اليمني السابق؛ علي عبد الله صالح استئصال الحركة في ست حروب وفشل في ذلك.
وعلى الرغم من التصريحات المؤكدة على العكس من ذلك، يريد «بن سلمان» إنهاء وجوده في اليمن, وعلى الرغم من إصلاحاته الاقتصادية والاجتماعية، فإنه لم يستطع التغلب على إرث الدم والحديد الذي بنيت عليه بلاده.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات