استراتيجيات عمل ولاية الفقيه الإيرانية في سورية

ثمة حقيقة راسخة لدى المرشد الأعلى لإيران علي خامنئي, أعلنها بنفسه وهي أن إيران لن تتخلى عن نظام بشار الأسد، وسوف تبقى شاهرة سلاحها ضد الحراك الشعبي.

وتكشف القراءة النقدية أن الموقف الإيراني مر بتحولات ومحطات عديدة ومتناقضة في كثير من الأحيان، سواء قبل التدخل الروسي أم بعده، حيث عكس الإيرانيون سلوكاً براجماتياً لكنه ظل مناهضاً لثورة الشعب ومسانداً للنظام، فذرائعية ولاية الفقيه توأم سياسة التدخلات الإيرانية؛ وعندما دخلت روسيا بثقلها العسكري الحرب ضد الشعب السوري، وجدت طهران نفسها طرفاً يكاد يكون هامشياً، مما قلب التوازنات، وتسبب في الوقت ذاته في إرباك الخيارات والبدائل أمام صانع القرار السياسي والأمني الإيراني؛ الذي كان في السابق يعدّ نفسه اللاعب الرئيس الممسك بخيوط الأزمة السورية.

كذلك أدت التحولات الإقليمية، وفي مقدمتها التغييرات السياسية التي جرت في السعودية، – التي أدت إلى تقاربٍ وتنسيق مع تركيا، وقطر، تجاه الأزمة السورية – إلى قلب المعادلة رأساً على عقب؛ وهو ما لم تكن تتوقعه طهران، أو تضعه في الحسبان. أما المتغيرات الدولية، فقد قرأتها إيران بعناية ودقة بالغتين؛ وأدت إلى تعديل سلوكها تجاه خيارات الحل في سورية، وبشكل براجماتي فاضح، يكشف بجلاء حقيقة الدولة الإيرانية وسعي ولاية الفقيه لبسط الهيمنة والنفوذ على حساب الدم السوري.

 لم تلق الثورة السورية منذ البدء ترحيباً إيرانياً على الإطلاق، واعتبرت ما يجري في سورية مؤامرة على محور الممانعة، كذلك خاطرت إيران بكل إمكاناتها لمواجهة الثورة السورية، والقتال ضدها؛ نظراً لأهمية سورية الجيوستراتيجية الكبيرة للمشروع الإيراني، إلى جانب ذلك سعت طهران للتعبير عن تضامنها مع نظام بشار بكافة الوسائل، ولم تعر أدنى اهتمام للانتهاكات التي تمارسها مليشياته ضد السكان المدنيين بل كان الحرس الثوري نفسه وحزب الله طرفا رئيسياً في ارتكاب الكثير من جرائم الحرب والتطهير المذهبي؛ وعلى مدى السنوات الست الماضية قامت إيران بمد وتغذية النظام بالأموال وزودت قواته بكافة الأسلحة لاستهداف الشعب ومقاومته، وفي الوقت نفسه، تمت مصادرة آراء بعض قادة المعارضة الإيرانية، التي تدعو قيادة الدولة لمراجعة موقفها مما يجري في سورية. لقد جهدت إيران إلى ممارسة أدوار مختلفة لتخريب أية فرصة لإنجاح الحوار بين مختلف أطياف الشعب السوري، حيث بادرت إلى ممارسة استراتيجية خلط الأوراق، واتباع سياسة طائفية دموية لتعظيم الخلافات بين الفرقاء السياسيين السوريين، ومحاولة استمالة البعض على حساب الأخر.

من ناحية أخرى استغلت إيران ومليشياتها ظروف الثورة السورية لتصفية حساباتها مع الخصوم الإقليميين؛ لاسيما الدول الخليجية والدول الأخرى، خاصة السعودية، وقطر، وتركيا.

وبالمقابل, نجحـت طهران في فتح الخطوط، وبناء التحالفات غير المعلنة مع بعض الدول العربية للوقوف ضد الثورة السورية.

أولا- الأدوات الإيرانية المضادة لتطويق الثورة السورية

 لجأت طهران إلى تنويع أدواتها الحركية المختلفة لمساندة نظام دمشق وإنهاء الحراك الثوري، من أبرزها:

  • الأداة الدبلوماسية: وهذا ما برز من خلال تكثيف زيارات المسؤولين الإيرانيين على مختلف المستويات؛ وقد أخذت هذه الزيارات طابع المعلن وغير المعلن، وبدا أن إيران حريصة على إبقاء التواصل السياسي مستمراً مهما كانت العقبات والمخاطر؛ لا سيما في ظل العزلة المطلقة التي يعاني منها بشار الأسد ونظامه.
  • الأداة الاقتصادية: سعت إيران لتوظيف مختلف إمكاناتها الاقتصادية لخدمة النظام السوري، كما ضغطت على حكومتي المالكي والعبادي في العراق لتقديم الدعم لهذا النظام، وسعت طهران بشكل دؤوب لتدوير ضريبة الخُمس التي يدفعها الشيعة في المنطقة لتغذية الآلة العسكرية للنظام السوري.
  • الأداة الأيدولوجية: استغلت إيران الأزمة السورية لإحداث المزيد من الاختراق للدولة السورية، من حيث استغلال الظروف الاقتصادية للشعب السوري لنشر التشيع، وبناء الحسينيات، وتوزيع الكتب، وبناء الأحياء الشيعية، والضغط على نظام بشار لمنح الجنسية للعراقيين والأفغان الشيعة، إلى جانب ذلك وظفت إيران فكرة الدفاع عن مرقد السيدة زينب لإحداث التعبئة بين الشيعة في إيران والعراق والخليج وباكستان وأفغانستان.. لإرسال المقاتلين لذبح الشعب السوري.
  • الأداة الخاصة بالدبلوماسية الشعبية: من الملاحظ عدم قيام إيران بتحريك قطاعاتها الشعبية كما عودتنا دوماً لدعم السياسة الإيرانية تجاه الأزمة السورية؛ ولا حتى تنظيم مظاهرات دعماً لنظام بشار, لكن وظفت العامل المذهبي عندما رفعت شعار الدفاع عن المراقد والمزارات الشيعية في سورية، وعملت مزجاً خرافياً يتعلق بالجانب الخاص بنبؤات عودة إمام الزمان وعلاقته بالقتال في سورية، لتعبئة الشيعة ودفعهم لارسال المقاتلين للقتال هناك، حيث أسهمت الحوزة ورجال الدين الشيعة في هذا الأمر إلى حد كبير، وقد تحالف معهم رجال الدين الشيعة في العراق، الباكستان، أفغانستان.
  • الأداة العسكرية والاستخبارية: وتعدّ من أهم الأدوات التي وظفتها إيران لدعم النظام السوري، حيث وضعت إيران مختلف إمكاناتها العسكرية من إرسال قوات عسكرية، مستشارين، طيارين.. إرسال السلاح بمختلف أنواعه… ولا نبالغ إذا قلنا أن إيران تقاتل وتدير المعارك على الأرض مباشرة، وبيدها مقاليد الأمور من خلال إدارتها للعمليات العسكرية والاستخباراتية والتجسس لإضعاف المعارضة وحماية النظام السوري، وقامت بإدارة مليشيات الموت التي أنشئتها ووجهتها للقتال من مختلف الجنسيات.

ثانياً-استراتيجيات إيران بعد التدخل الروسي

  • الاستراتيجية الأولى: عودة تركيز إيران على خطاب الحفاظ على الدولة والنظام، والمطالبة بتعزيز فرص الحل السياسي بما ينسجم مع مصلحتها، والخشية الكبيرة من النفوذ الروسي المتعاظم على حسابها، والتحذير المبطن لموسكو.
  • الاستراتيجية الثانية: عودة فكرة الحفاظ على النظام السوري واعتبار شخص بشار الأسد خطاً أحمر في السياسة الإيرانية على اعتبار أنه الرئيس المنتخب، والضمان لاستمرار مكافحة الإرهاب.

 

ثالثاً-النتائج الأربع لمآلات الاستراتيجيات الإيرانية

النتيجة الأولى: كادت الاستراتيجية الإيرانية أن تسقط في سورية تماماً لولا التدخل الروسي العسكري، حيث عدلت إيران من استراتيجياتها، ودخلت في مرحلة من التخبط والاضطراب نتيجة للهزائم المتلاحقة التي منيت بها على الأرض، نتيجة لذلك هيأت نفسها لتنويع خياراتها للتعامل مع الأزمة السورية، واستعدت لمرحلة ما بعد سقوط النظام بأكمله، لولا التدخل الروسي العسكري، الذي أمد طهران بأوكسجين الاستمرار.

النتيجة الثانية: إن حضور بشار الأسد ونظامه حضور صوري ديكوري، والملمح العام للمشهد السوري الآن هو سيطرة روسيا وإيران ومليشياتها على القرار السوري بشكل حاسم، وقد باتت مصالح هذه الأنظمة تتقاطع مع مصالح الدول الغربية الكبرى، وبعض الدول العربية الإقليمية لتشكيل محور لمحاربة الإسلام السياسي” السني ” تحت شعار محاربة الإرهاب، الذي باتت إيران جزءاً منه.

النتيجة الثالثة: أحد عوامل استمرار السياسة الإيرانية وقدرتها على المناورة والبقاء في سوريه، قدرة طهران على التكيف من خلال الاستفادة وتوظيف التطورات الجارية هناك؛ لا سيما مع دخول موسكو عسكرياً على خط الأزمة، ومحاولات إيران الاستفادة من هذا الحضور، وتوظيف عوامل التوتر الجارية بعد البيئة الصراعية الروسية – التركية، هذا عدا عن التطورات الإقليمية الدراماتيكية المتسارعة التي استفادت منها إيران، بما يحقق لها نفوذاً سياسياً أكبر، في حين يبدو أن الدول العربية المحورية تفتقر لمشروع متكامل ومتسق لمواجهة المشروع الإيراني، وفشلها في توظيف المتغير التركي لصالحها، لغرض الوقوف بمواجهة المشروع الإيراني.

ومن المهم هنا النظر لتوظيف الدول العربية لمتغير البيئة الصراعية التي بدأت بالظهور بين موسكو وطهران.

النتيجة الرابعة: يمكننا تقييم سياسة إيران تجاه الأزمة السورية ودرجة تأثيرها بأنها مرهونة باستمرار الوجود العسكري الروسي، وفي حال رحيله سيشهد النفوذ الإيراني تراجعاً كبيراً، سيؤدي بالتالي إلى هزيمة إيران ومشروعها في المنطقة، شريطة تضافر الجهود العربية ووقوفها بقوة مع خيارات الشعب السوري وفصائل المعارضة ومدها بوسائل القوة، وعدم التآمر عليها.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …