ما بين الحياة على الصدقات، واستغلال الكفيل، وتجاهل حكومة بلادهم لمعاناتهم، تدور مأساة آلاف المصريين العاملين في الخليج، بعدما تقطعت بهم السبل في العودة إلى مصر، بات أغلبهم غير قادر على العودة إلى وطنهم، ولا يجدون في نفس الوقت ملجأً آمناً في المجتمعات التي سافروا إليها، يحملون السلطات في مصر وضعهم غير الإنساني.
ومع تزايد الصعوبات المعيشية لدى المصريين في الخليج، منذ بداية انتشار فيروس كورونا المستجد في تلك الدول، تفاقمت مع تسريح المئات منهم، بينما يجد البعض الآخر نفسه محاصراً بالبقاء الإجباري نتيجة توقف رحلات الطيران، مع ما يترتب على ذلك من قبول لظروف عمل غير إنسانية، وأجور ضئيلة وأحوال معيشية قاسية في غرف ضيقة وغير آدمية.
بالمقابل، كشف تقرير عن مأساة العالقين في الخليج أن “الدولة لا تحتمل عودتهم” من جانب قدراتها الاستيعابية، حيث قال مصدر مسؤول بوزارة الهجرة لـ”عربي بوست” إن “فتح باب العودة على مصراعيه يعني رجوع الملايين، ما يعني أننا بحاجة لتسخير كل أجهزة الدولة لاستيعابهم، وتوفير حجر صحي وأماكن إقامة وفحوصات طبية، وهو ما يمثل مشكلة كبيرة لمصر، فحسب أرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في نهاية 2016 قُدرت أعداد المصريين بالخارج بنحو 9.5 مليون مصري”.
وأضاف “المصدر” أنهم في الوزارة يعملون في ظروف استثنائية حرجة، تفرض أوضاعاً لم يعتادوا التعامل معها، وأن الأولوية لمن ليس لديه مأوى في الخارج، ولا يملكون إقامات ثابتة، وسافروا لغرض مؤقت.
آلاف يرغبون العودة
ومعلوم لدى الدولة حجم العمالة التي ستعود إلى مصر، حيث أكد “المصدر” أن آلاف يرغبون في العودة من السعودية والكويت والسودان ودول أخرى، بعضهم لديهم مشاكل في عقود عملهم وتأشيراتهم ومع أصحاب العمل.
وأشار إلى شروط يجب توافرها لتوفير طائرة لإحضار العالقين، منها ألا يقل عددهم عن 140 عالقاً، والأهم هو موافقة الدولة المضيفة على دخول الطائرة أجواءها، مضيفا أن “المرحلة التالية لذلك، وهي إعادة المصريين الذين يحملون إقامات عمل في الخارج”.
ونقلت “عربي بوست” عن عضو في “الغرفة التجارية” بالقاهرة، حديثه عن تجاهل رسمي من النظام والسيسي لأزمة العالقين المصريين في دول العالم والخليج بشكل خاص، مستدركا بقوله ” الدولة لم تطلب منهم السفر “؟!
وعبر “رجل الأعمال” عن رغبته في عدم عودة المصريين بالمطلق محتجا بالعزل الصحي وقال “الأفضل حالياً أن يستقر العنصر البشري من العمال في مكانه حتى لا يتعرض لانتشار العدوى والخطر على نفسه وأسرته”!
شهود المأساة
ونقلت “عربي بوست” خيوط من المأساة على لسان شهودها من أماكن مختلفة فمن “ضبا” بالمملكة العربية السعودية، حيث الميناء السعودي المقابل لميناء سفاجا بمصر، تحركت العبارة من الميناء، مقلة عشرات العالقين وتركت خلفا المئات، ومنهم محمود ورفاقه من العالقين في ضبا، بسبب انتهاء صلاحية تأشيرة خروجهم من السعودية، ولم يستمع المسؤول السعودي بجوازات الميناء السماح لهم بالعودة.
واشتكى ” أبو مصطفى”، من محافظة الفيوم، ويعمل مزارعا بمدينة الطائف بالسعودية من تجاهل مشكلات العاملين مثله، وقال: “وجدنا أنفسنا خلال أيام قليلة مع ثمانية من زملائي في غرفة واحدة كلهم خسروا أعمالهم “ولا حد سأل عنا.. (الآن) عايش على الصدقة”.
رفيق أبو مصطفى “عادل”، ويقطن بنفس السكن، يقول إنه توجه مع عدد من العمال لفرع خدمات القنصلية المصرية بالدمام، والتي أخبرتهم أنها تُجري حصراً، لكنها لم تقدم حلاً لهم، فيما يخص مطلبهم الأساسي بالسفر إلى وطنهم.
ومع ذلك سجلوا أسماءهم إلكترونياً على رابط التسجيل الذي أتاحته القنصلية، ولم يرد عليهم أحد.
يعتقد العامل أن الوضع صعب على المصريين المقيمين بدون أوراق رسمية (العمالة السائبة)، أو العاملين غير المنتظمين لأنهم ليس لديهم مصدر دخل، ولا يحصلون على معونة أو نسبة من رواتبهم مثل العمالة المنتظمة المسجلة.
وعن مشكلته مع الكفيل، قال مصري آخر،55 عاما، يعمل مزارعاً في الدمام- منذ 4 سنوات-: “بعد تفشي وباء كورونا بالعالم وفرض السلطات السعودية حظراً كاملاً، اضطر الرجل لعدم الذهاب إلى عمله، وبالتالي قام صاحب المزرعة بحجز راتبه، والآن لا يجد “ثمن تذكرة العودة”.
ومصري آخر حكي عن أن إقامته انتهت بعد عام من قدومه للمملكة، ولم يجددها بسبب وفاة الكفيل، وعلاقته غير الطيبة بأولاده الذين رفضوا التجديد، لكنه اضطر من أجل الإنفاق على أولاده السبعة (5 بنات وولدان) للمكوث دون تجديد الإقامة، عسى أن يستطيع توفير مبلغ من المال وتجديد إقامته، وترتب على ذلك مخالفات وغرامات مالية عليه نظراً لاستمرار تواجده غير الشرعي. وعليه أن يدفع 6 آلاف ريال (حوالي 25 ألف جنيه مصري) لتجديد إقامته.
حتى الأطباء
وأضافت “ناهد”، طبيبة تعمل بأحد المجمعات الطبية بمدينة تبوك السعودية، “اتفقت مع صاحب العمل على نزولها بشكل نهائي إلى مصر، لكنه أصرّ على بقائها كشرط لحصولها على مستحقاتها وتوفير تذاكر طيران لها ولزوجها وأولادها الأربعة”.
وكشفت أنه بعد ظهور كورونا وحالة الإغلاق العامة فوجئت الطبيبة بإعلان داخلي خاص بالأطباء والموظفين في المجمع الطبي، اتخذ “المدير العام” مجموعة من القرارات منها منح كل من (طبيب أسنان- طبيب نائب- أخصائي) إجازة استثنائية بدون راتب، وإعطاء الأطباء المذكورين نسبه 30% من أي حالات يقومون بالكشف عليها في حالات الاستدعاء، يستثني من ذلك قسم الطب العام والطوارئ، الذي يعمل على مدار 24 ساعة، فضلاً عن تقليص ساعات العمل اليومية المدفوعة بأجر إلى 4 ساعات يومياً، ويسري العمل بذلك القرار منذ 8 أبريل الماضي.
وتشير الطبيبة إلى أنها تقدمت بشكوى للقنصلية ضد صاحب العمل وإصراره على عدم إعطائها مستحقاتها لكي تستطيع الحجز والنزول هي وأطفالها الأربعة، ولم يرد أحد عليها، ولم تحل مشكلتها ومعها عشرات من الأطباء هناك.
وتؤكد الطبيبة المصرية على أن صاحب العمل قد حصل على دعم مليوني ريال من الحكومة السعودية بسبب جائحة كورونا، ومع ذلك لم يعط لأحد مستحقاته.
استغلال في المملكة
واستعرضت عربي بوست مجموعة من الردود منها لأحمد رجائي، المستشار العمالي المصري بالرياض، الذي كشف عن أن وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية السعودية شددت على أنه يحظر على القطاع الخاص إجبار العاملين على أخذ إجازة بدون راتب خلال فترة تخفيض العمل، ولا يجوز إجبارهم على العمل أكثر من ساعات العمل المتفق عليها، باعتبار أن عقود العمل ملزمة لطرفي العلاقة التعاقدية -صاحب العمل والعامل- ومن ثم لا تؤثر الظروف الاستثنائية المؤقتة فيها.
وقال “رجائي” إن “نظام العمل في السعودية لا يسمح بمنح العاملين إجازة بدون راتب إلا في حالة موافقتهم على ذلك، ويمكن للمنشآت التي لديها عاملون لا تسمح لهم الظروف الحالية بأداء أعمالهم وفق الطرق التقليدية، اتباع طرق بديلة”، بتمكينهم من استكمال مهامهم عن بعد، لكن كيف ستعمل الطبيبة عن بعد؟”
وأشار التقرير إلى منح الملك سلمان بن عبدالعزيز، تحمل 60% من رواتب موظفي القطاع الخاص السعوديين، بقيمة إجمالية تصل إلى 9 مليارات ريال، وأن “عبدالرحيم المرسي”، نائب رئيس شعبة التوظيف بالخارج بالغرفة التجارية بالقاهرة، قال إن القرار يشمل العمالة السعودية فقط ولا يشمل العمالة الوافدة وبينهم العاملون المصريون، متابعاً أن هناك آثاراً سلبية ستترتب على وضع هؤلاء بالسعودية إذا استمرت أزمة كورونا، وتجاوزت خسائرها هذا الحد.
خيبة أمل
وأشار التقرير إلى خيبة أمل للمصريين العالقين تحقق عندما أعلنت شركة مصر للطيران إطلاق 7 رحلات استثنائية لإعادة المواطنين العالقين، بالتزامن مع تصريح السيسي، إلى “واشنطن وجوانزو والبحرين وبومباي وكازابلانكا وأمستردام وموسكو”، وتسير شركة “إير كايرو” رحلتين إلى “فرانكفورت والمالديف”.
واعتبر المصريون أن الحكومة المصرية تخلت عنهم، عندما أصدرت بياناً رسمياً بعد اجتماع لمجلس الوزراء المصري، ونشرته جميع المواقع الرسمية، عرّفت فيه “العالق” بأنه كل مصري كان في زيارة مؤقتة لإحدى الدول، أو كان مسافراً بغرض السياحة، أو في رحلة علاج، أو في مهمة عمل، أو نشاط تجاري أو ثقافي، أو كان حاضراً في مؤتمر بالخارج، أو من الطلاب الذين أغلقت المدن الجامعية الخاصة بهم، ولم يتمكنوا من العودة إلى مصر بسبب توقف حركة الطيران جراء تفشي فيروس كورونا، وقدّرهم مجلس الوزراء بحوالي 3378 مصرياً، على مستوى العالم.
ودعت الحكومة من ينطبق عليهم التوصيف الجديد إلى تسجيل أسمائهم في أقرب سفارة مصرية، تمهيداً لإعادتهم إلى مصر.
وبالمثل أصدرت القنصلية العامة المصرية في الرياض من خلال صفحتها على فيسبوك بياناً، في 26 مارس الماضي، لإجراء الحصر للعالقين بالسعودية، واشترطت أن يكونوا موجودين بصفة مؤقتة.
ألن تظهر لكم كرامات في الأزمة الحالية؟!
وأوضح التقرير أن وزارة الهجرة وشؤون المصريين في الخارج قالت في 29 مارس الماضي، إنها تلقت 11 ألفاً و121 شكوى واستغاثة من مصريين عالقين في الخارج، يطالبون بالعودة بسبب انتشار فيروس كورونا، وأوضحت الوزيرة نبيلة مكرم أن أغلب الشكاوى جاءت من دول: «السعودية، والكويت، والإمارات، والولايات المتحدة، وإيطاليا، والسودان، وبريطانيا، وقطر، وفرنسا، وجنوب إفريقيا، وموريتانيا».
ولكن البعض استنكر تعامل الحكومة المصرية مع أزمة العالقين في الخارج، وناشدوا السلطات المصرية السماح لهم بالعودة إلى بلدهم، وألقوا باللائمة على الحكومة المصرية، منددين بما وصفوه بالشروط التعجيزية التي تفرضها على الراغبين في العودة.
وكانت المشكلة الأبرز في الكويت حيث تداول رواد موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك مقطعاً يُظهر تجمعاً كبيراً لعمال مصريين غاضبين، عالقين في الكويت، أثناء وجودهم بمنطقة صحراوية، للمطالبة بالعودة لمصر، وقد تبين أن هؤلاء العمال الغاضبين من بين عشرات المصريين الذي وقعوا ضحايا “تجارة الإقامات”، ويتجاوز عدد العمال المصريين المقرر ترحيلهم من الكويت 8300 مواطن.
وتقدم عضو مجلس النواب المصري أحمد طنطاوي ببيان عاجل لرئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية ووزيرة الدولة للهجرة وشؤون المصريين بالخارج، بشأن عودة العالقين، قال فيه إن “الاستجابة الفورية لطلب بضعة آلاف أو حتى عشرات الآلاف من المواطنين الذين يستنجدون الآن بالوطن بعدما تقطعت بهم السُّبل وإعادتهم لبلدهم بشكل كريم هو حفاظ لإنسانيتهم، ولكرامة 14 مليون مصري يعيشون في الغربة”.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات