تجري في إيران، في الحادي والعشرين من شهر فبراير، انتخابات نيابية جديدة، للبرلمان الذي يحمل اسم مجلس الشورى الإسلامي في إيران.
وتجري هذه الانتخابات في ظل أزمة اقتصادية خانقة بسبب العقوبات الأمريكية على إيران، وبعد أشهر قليلة من اندلاع احتجاجات كبيرة ضد رفع أسعار الوقود والتوتر المتزايد مع الولايات المتحدة بسبب قتل الأخيرة لقائد فيلق القدس، قاسم سليماني، في العراق أوائل العام الجاري.
وكون هذه الانتخابات تأتي مع بروز مزيد من الاحتجاجات منذ عامين، فإن نسبة المشاركة فيها تعتبر مرآة لمدى شعبية الحكم في الشارع الإيراني.
وقد يواجه الرئيس الإيراني حسن روحاني، الذي لم يبقَ من فترة رئاسته الثانية والأخيرة سوى 18 شهراً، مجلساً يسيطر عليه المحافظون – وهو الأمر المرجح – ما يعني أنه سيواجه المزيد من الضغوط والانتقادات.
المشهد السياسي الإيراني ونجاح الإصلاحيين
تغير المشهد السياسي في إيران إلى حد بعيد منذ الانتخابات البرلمانية السابقة التي جرت عام 2016. ففي الانتخابات الماضية، نجح تحالف يضم الإصلاحيين والمعتدلين المؤيدين للرئيس روحاني في إلحاق الهزيمة بالمحافظين الذين كانوا يسيطرون على المجلس منذ عام 2004، فقد مثل دخول الاتفاق النووي بين إيران والدول الغربية حيز التطبيق مع بداية عام 2016 نقطة تحول، وانتعشت الآمال بتطبيع علاقات إيران مع المجتمع الدولي، ورفع العقوبات التي كانت مفروضة عليها، وبالتالي تحسن الاقتصاد الإيراني. وقد ساعدت تلك الأجواء كثيراً أنصار روحاني في كسب المزيد من الأصوات في الانتخابات، وحصد نسبة كبيرة من مقاعد المجلس، حسب “بي بي سي”.
حقق الرئيس حسن روحاني، الذي يحسب على التيار المعتدل، بعض التقدم على الصعيد الاقتصادي، إذ تراجعت نسبة التضخم من 40 في المئة سنويا إلى 10 في المئة. كما تحسنت علاقات إيران الخارجية، فعلى سبيل المثال وقعت عقدا مع شركة بوينغ الأمريكية بعدة مليارات لشراء طائرات ركاب لأول مرة منذ الثورة الإيرانية عام 1979.
كما نجح روحاني في إلحاق الهزيمة بالمرشح المحافظ إبراهيم رئيسي في الانتخابات الرئاسية عام 2017. لكن شعبية روحاني لم تعمر طويلاً، وعلت الأصوات التي تنتقده حتى في صفوف الإصلاحيين رغم وقوفهم إلى جانبه في مواجهة المحافظين.
كما أن وصول دونالد ترامب إلى الرئاسة في الولايات المتحدة بدد أي أمل في تحسين الوضع الاقتصادي لإيران. إذ سرعان ما انسحبت واشنطن في مايو 2018 من الاتفاق النووي، وأعادت فرض عقوبات اقتصادية أوسع وأشد على إيران بطريقة شلت اقتصادها.
العملية الانتخابية
يبلغ عدد مقاعد المجلس 290 مقعدا تمثل 208 دائرة انتخابية. وأكبر الدوائر الانتخابية هي دائرة العاصمة طهران، وحصتها 30 مقعداً، وتليها تبريز بستة مقاعد، ثم مشهد وأصفهان ولكل منهما خمسة مقاعد، ثم شيراز لها أربعة مقاعد. ولأغلب الدوائر الباقية نائب واحد فقط.
ويجب على المرشح أن يحصل على 25 في المئة من أصوات الناخبين في الدائرة التي ترشح عنها كي يفوز في الجولة الأولى من الانتخابات عن الدائرة. وفي حال عدم نيل أي مرشح هذه النسبة من الأصوات، تجرى جولة ثانية من التصويت ويكون الفوز من نصيب المرشح الذي يحصل على أعلى نسبة من الأصوات.
نهاية الإصلاحيين؟
الإصلاحيون كانوا أكبر ضحايا التطورات التي شهدتها إيران خلال السنوات الماضية. وقف الإصلاحيون إلى جانب روحاني خلال الانتخابات الرئاسية عامي 2013 و2017، لكن بسبب فشل روحاني في تحقيق معظم وعوده الانتخابية – سواء على الصعيد الاقتصادي أو الاجتماعي – تعرض الإصلاحيون لهجمات مكثفة من الأوساط المحافظة والأصولية، إلى جانب خيبة أمل الشارع الإيراني الذي خرج في مظاهرات واسعة أكثر من مرة ضد الأوضاع الاقتصادية المتردية وغلاء المعيشة.
كما أن سوء إدارة الرئيس روحاني للملف الاقتصادي أجبر حتى بعض الإصلاحين على النأي بأنفسهم عن روحاني.
كان الإصلاحيون من أشد المدافعين عن الاتفاق النووي، واستطاعوا التغلب على التيار الأصولي والمحافظ الذي كان ينظر بريبة وشك للاتفاق. لكن مع انسحاب ترامب من الاتفاق، أصبح المحافظون في موقع أقوى، وبدا وكأنهم كانوا محقين في موقفهم من الاتفاق.
ويشعر الإصلاحيون بالعجز على نطاق واسع في تشكيل الرأي العام الإيراني وتوجيهه عشية الانتخابات، وهو ما أشارت إليه الصحف المقربة من المحافظين مثل كيهان، التي قالت إن سبب عدم تقدم جبهة الإصلاحيين بقائمة تمثلهم في انتخابات العاصمة طهران التي اعتادوا الفوز فيها، يعود إلى “عجزهم وخسارتهم لشعبيتهم في الشارع، وقلقهم من خسارة الانتخابات برمتها”.
فقد الاصلاحيون نفوذهم مع انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي
قالت صحيفة الجارديان البريطانية في التاسع من الشهر الجاري إن مجلس صيانة الدستور قد استبعد معظم المرشحين الإصلاحيين مما يمهد السبيل أمام سيطرة المحافظين على المجلس المقبل.
فعلى سبيل المثال، تم حرمان 90 من أعضاء مجلس الشورى الحالي من خوض الانتخابات من قِبل مجلس صيانة الدستور الذي يضم 12 شخصا (نصفهم رجال دين والنصف الآخر من القانونيين)، يعين المرشد الأعلى للثورة الإسلامية نصفهم. أما الستة الباقين يعينهم رئيس مجلس الشورى بتوصية من رئيس السلطة القضائية التي يترأسها الشخصية المحافظة إبراهيم رئيسي.
وتراوحت أسباب الحرمان ما بين ارتكاب مخالفات مالية والتشكيك في مدى التزامهم الديني حسب الخطابات التي تلقوها من المجلس.
وذكرت الأوساط الإصلاحية إن 90 في المئة من مرشحيهم تم حرمانهم من خوض الانتخابات، حسب “بي بي سي”.
خطبة الجمعة في إيران.. الرسائل والأبعاد
وحسب بيان لمجلس تنسيق جبهة الإصلاحيين الصادر الشهر الماضي، لا يوجد مرشحون يحسبون على الإصلاحيين في 230 دائرة انتخابية من أصل 290 دائرة، في حين لا يوجد سوى مرشح واحد في 160 دائرة انتخابية، ما يجعل العملية الانتخابية أقرب إلى عملية تعيين النواب.
وينحصر التنافس في 70 دائرة انتخابية أخرى بين المحافظين فقط.
ومن بين أبرز الوجوه التي حرمها المجلس من خوض الانتخابات النائب عن طهران محمود صادقي، وهو مدافع عن الحقوق المدنية. وكذلك علي مطهري المقرب من روحاني ونجل آية الله مطهري، أحد منظري الثورة الإيرانية الذي اغتيل عام 1980.
وقال الإصلاحي مرتضى مبلغ في شهر يناير الماضي: “باستثناء العاصمة طهران، لدينا فقط 21 مرشحا على مستوى البلاد. وفي طهران لم يسمح سوى لأقل من عشرة إصلاحيين بخوض الانتخابات”.
ومن بين أبرز من قرر عدم خوض الانتخابات، النائبة الإصلاحية عن طهران برفانة صلاح شوري التي دافعت عن المتظاهرين ضد رفع أسعار الوقود. وكذلك رئيس المجلس الحالي منذ عام 2008، وكبير المفاوضين النوويين السابقين، علي لاريجاني، ومحمد رضا عارف المقرب من روحاني.
ولعل أحد أسباب عدم تحمس الإصلاحيين للترشح في الانتخابات الحالية هو شعورهم بعدم جدوى وجودهم في المجلس، الذي تراجع دوره وتقلصت صلاحياته خلال السنوات القليلة الماضية بعد أن تم تشكيل هيئات أخرى موازية وغير منتخبة تتخذ القرارات نيابة عن المجلس.
فعلى سبيل المثال، تم اتخاذ قرار رفع أسعار الوقود أواخر 2019 – والذي تسبب في مظاهرات حاشدة – دون علم المجلس.
وكان المرشد على خامنئي قد أمر قبل أشهر قليلة بتشكيل “المجلس الأعلى للتنسيق الاقتصادي” الذي يضم رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الشورى ورئيس السلطة القضائية، وهي الجهة التي قررت رفع أسعار الوقود في غفلة عن المجلس.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات