تزداد التحديات الاجتماعية في الجزائر كلما تراجعت أسعار النفط العالمية، إذ يمكن القول إن وفرة عوائد النفط تمثل غطاء يداري فشل الأنظمة، خاصة العسكرية والاستبدادية. وحين تبدى بشكل مفجع فشل الحزب الواحد؛ جبهة التحرير الوطني الجزائرية في السيطرة على الشارع أثناء انتفاضة اكتوبر 1988، اضطرت الدولة إلى إطلاق مسار التعددية السياسية.
لكن المسار سرعان ما انتكس في 1992 بإلغاء نتائج أول انتخابات تعددية التي فازت فيها الجبهة الإسلامية للانقاذ، وعودة الجيش إلى الإمساك بمقاليد الحكم، ليستفيد من طفرة نفطية جعلت الانفاق على المجالات الاجتماعية، ومن بينها دعم الأسعار يُغطي على اخفاقاته السياسية.
أما الآن, فقد بلغ تراجعُ الإيرادات النفطية أدنى مستوى له منذ الصيف الماضي، وسط توقعات بأن الأسعار تتجه إلى الانخفاض.
ولا تقتصر انعكاسات تراجع العائدات على إلغاء بعض الخطط التنموية وتجميد مشاريع اجتماعية وتربوية أو إرجائها، وإنما تشكل عنصر ضغط أيضا على برامج التسلح التي تبرمها السلطات بذريعة المعركة ضد الإرهاب.
وتشير تقارير صحفية إلى أن تزايد نفقات التسلح الجزائرية في السنوات الأخيرة، ضاعفت من موازنة وزارة الدفاع خمس مرات، من 2.5 مليار دولار في عام 2008 إلى 13 مليار دولار في عام 2015. واستحوذت ميزانية الدفاع على الرتبة الأولى متقدمة على وزارتي التربية والداخلية، علما أن ميزنيتها لا تخضع لأي نوع من الرقابة السياسية.
وفي خط مُواز عززت الجزائر تعاونها العسكري مع الولايات المتحدة، تنفيذا لاتفاقات توصلت لها اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة في واشنطن في يوليو الماضي في إطار ما يعرف بالحوار الاستراتيجي بين البلدين.
وأظهرت وثائق تم الإفراج عنها مؤخرا في واشنطن، أن الجزائر من منظور الخارجية الأمريكية «تلعب دورا محوريا في استقرار المنطقة أسوة بما تفعله في ليبيا والنيجر، وعلى الرغم من التقلبات التي هزت دول الجوار فإنها حافظت على استقرارها».
مع ذلك غضب الجزائريون من الاتفاق الذي توصل له جيرانهم التونسيون مع الجانب الأمريكي على تسيير طائرات بلا طيار في رحلات لاستكشاف الجماعات المسلحة في المناطق الجبلية.
وكان الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي أقر بوجود سبعين عسكريا أمريكيا في بلده، لتدريب العسكريين التونسيين على توجيه تلك الطائرات، مُبررا ذلك بوجود خطر إرهابي آت أساسا من ليبيا المجاورة.
وتُعزى المخاوف الجزائرية إلى توجُسها من إقامة قواعد أمريكية على حدودها مع تونس، ولذلك أبدت استعدادها لتوفير كل الدعم الأمني والعسكري والاقتصادي لتونس، وتكثيف التعاون في الميادين التي من شأنها أن تُساهم في تأمين الحدود المشتركة بين البلدين.
غير أن هذا التركيز على اقتناء مزيد من الأسلحة، معطوفا على محدودية العائدات النفطية، يُضعف الموازنات التنموية ويُغذي الاحتجاجات الجماعية.
وقد أنهت الجزائر سنتي 2014 و2015 بمؤشرات حمراء اللون بسبب تدهور الإيرادات، في ظل اقتصاد يعتمد أساسا على تصدير النفط.
ويُقدرُ خبراء اقتصاديون مستقلون أن نسبة النمو تراجعت إلى 3 %، فيما زادت نسبة التضخم من 2.9 % إلى 6.8 %، والأخطر من ذلك أن عجز الموازنة قفز من 8 % إلى 16 %، أما العجز التجاري فتضاعف أربع مرات، من 4 % إلى 16 %.
ولم تُواجه الحكومة السابقة برئاسة عبد المالك سلال تلك المؤشرات السلبية بخطة شاملة أو معاودة النظر في صفقات باهظة، من ضمنها صفقات التسلح، وإنما استخدمت مُسكنات مؤقتة، ويُرجَحُ أن الحكومة الحالية برئاسة عبد المجيد تبون ستمضي في الطريق نفسها.
وكانت وزارة الدفاع الجزائرية أبرمت مع السلطات الروسية في العام قبل الماضي صفقة لشراء ثلاثين طائرة استطلاع بلا طيار من طراز E95 بقيمة 60 مليون دولار.
وأجرت وزارة الدفاع أيضا مفاوضات مع الأكاديمية الصينية لصناعات الجو والفضاء لشراء طائرات استطلاع من طراز «إيلونج»، كما أجرت في الفترة نفسها مفاوضات مع الإمارات لاقتناء عشرين طائرة استطلاع من طراز «يبهون» التي تستطيع التحليق أكثر من مئة ساعة وتحمل نحو عشرة صواريخ جو أرض يصل مداها إلى 60 كيلومترا.
وبررت وزارة الدفاع الجزائرية إبرام الصفقات الثلاث بضرورة مجابهة التحديات الأمنية الجديدة، وخاصة في منطقة الساحل والصحراء، حيث تتسم حركة الجماعات المسلحة بسرعة التنقل من منطقة إلى أخرى.
أما الصفقات التي أبرمتها الجزائر مع موسكو لشراء طائرات حربية من طرازي سوخوي وميج، بالإضافة إلى دبابات وغواصتين، فهي أكبر بكثير.
ويعتقد خبراء اقتصاديون جزائريون أن نفقات التسلح الباهظة هذه أضرت بالجهد التنموي وأهدرت أموالا طائلة على سلاح اتضح أن قسما منه فاسدٌ، وهو ما أكدته حوادث سقوط بعض الطائرات روسية الصنع بعدما تسلمها الجزائريون ووفاة طياريها، ما اضطر الجزائر لإعادتها إلى روسيا من أجل إصلاحها.
وقدر الخبير الاقتصادي محمد بالحسين أن إيرادات الجزائر الإجمالية من المحروقات على مدى 17 سنة الأخيرة إلى حدود سنة 2015، بلغت 1300 مليار دولار، ما كان يسمح بإيجاد 130 ألف مشروع عبر التراب الجزائري، على نحو يجعل كل بلدية من بلديات الجزائر الـ1500 تحظى بـ87 مشروعا، يُمكن لكل واحد منها أن يُؤمن 50 فرصة عمل.
لكن في الواقع لم تستطع الحكومات المتعاقبة على مدى 17 عاما سوى تأمين 35 ألف فرصة فقط لشبان من ذوي الكفاءة، فمع ابتلاع صفقات التسلح قسما مهما من موازنة الدولة، لم يجد الشباب الباحثين عن عمل, مشاريع تستوعبهم وتؤمن لهم لقمة العيش.
ولتدارك الأوضاع السياسية المتردية، وضعت السلطات الجزائرية في العام الماضي استراتيجية لدعم الموازنة ترمي لخفض العجز من 14 % السنة الفائتة إلى فائض بـ1 % في 2022.
غير أن خبراء رأوا أن الخطة غير واقعية لأنها تعتمد على خفض النفقات من 43.5 % من الناتج الداخلي الخام إلى 29 % فقط، وبتعبير آخر ستكون هناك سياسة تقشفية صارمة تُقلصُ من الموازنات المخصصة للأغراض الاجتماعية، وتترتب عن ذلك ردود أفعال جماعية قد تُهدد الاستقرار السياسي.
فعندما تسحب السلطات من منظومة المكاسب الاجتماعية فإنها تقطع الغصن الذي تجلس عليه، إذ أنها تتباهى دوما بكونها حققت السلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي.
إذا, علام تراهن السلطات لتحقيق الحد الأدنى من الاستقرار المطلوب؟
أولا على خفض النفقات في القطاعات غير النفطية،
وثانيا على انتعاش الإنتاج النفطي بفضل اكتشاف حقول جديدة.
لكن الوضع سيكون شديد التعقيد لعدة أسباب بينها القرار الذي بدأ سريانه منذ العام الماضي والقاضي بخفض النفقات, كما أن بقاء التضخم في مستوى مرتفع واستقرار عائدات المحروقات قد لا يُتيح التعويض عن النقص المتوقع في الايرادات.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات