الجزائر.. وزراء ينافسون على مقاعد البرلمان في رحلة البحث عن رئيس

لماذا يخشى الجزائريون من ترشيح عدد من الوزراء التابعين لحزب جبهة التحرير الوطني ولأحزاب الموالاة على مقاعد البرلمان في انتخابات الرابع من مايو 2017؟ وما انعكاسات ذلك إن حدث على شكل خارطة البرلمان في ظل سياسات تعيين الثلث من قبل الرئاسة؟ وانعكاسات ذلك على تشكيل خارطة المجلس ومخرجاته المؤثرة على تشكيل حكومة الأغلبية المنتظرة لقطع الطريق على الأحزاب الإسلامية؟

لا يعدو تمثيل الشعب الجزائري في المجالس التشريعية أن يكون مجرد تضليل، ولعبة سياسية لا تنطلي على أحد، فالبرلمان أو مجلس الأمة مفرغان مـن مضمونهما، ومن العمق الشعبي، حيث حولهما النظام الجزائري إلى منتجعيـن لأشخـاص لا علاقة لهم بقضايا المواطنين والمواطنات بحسب رأي  “أزراج عمر” بصحيفة العرب الدولية. فالصراع على المقاعد فيهما – كما يراه -هو صراع على الامتيازات والنفوذ وعلى المرتبات الخيالية التي يتقاضاها كل نائب مدى الحياة.

وفي الحقيقة فإن صفة البرلماني أو السيناتور ليست سوى وسيلة توفر لأصحابها الرفاه الاقتصادي والحصانة القانونية، على حساب الشعب الجزائري الغارق في الأزمات الاقتصادية المفروضة عليه.

وهكذا فإن سيناريو الانتخابات التشريعية في الجزائر يرمي دائما، إلى التحايل على الجزائريين بوهم الديمقراطية وما يسمى الدولة الممثلة لشعبها، ودليل ذلك أن جميع التشـريعات والقـوانين التي خرجت من معطف البرلمان ومجلس الأمة هي في الواقع من وضع النظام الحاكم، ولم يشارك في مناقشتها وتزكيتها المواطنون، أو ممثلوهم.

الثلث الرئاسي

ومن المعروف أن الثلث الرئاسي المرسَم في الدستور الجزائري والذي يعين بمقتضاه رئيس الدولة شخصيات معينة ومقربة طبعا من أجهزة النظام الحاكم وتتوفر فيها الطاعة، في أعلى مناصب صنع القرار في هاتين المؤسستين، يقضي مباشرة على أبجـديات الديمقراطية ويتناقض تناقضا سافرا مع الاختيار الشعبي المباشر ومع المكاسب التي حققتها الأنظمة الديمقراطية في مجال تمثيل الشعب.

وفي التحليل الأخير فإن فرض صيغة الثلث الرئاسي هذا، هو طمس لمفهوم ومضمون الانتخابات التي يفترض أنها تعبر عن الإرادة الشعبية.

وعلى ضوء كل ما تقدم، يبدو أن السباق الحالي الذي تشهده الأحزاب السياسية المعارضة، وتلك المصنفة في خانة الموالاة وبإيعاز من السلطة، لضبط قوائم المرشحين للبرلمان يدخل في إطار محاولـة الرئيس بوتفليقة وجماعته تسويق صورة براقة خادعة عن تمثيل البـرلمان ومجلس الأمة للمواطنين, على عكس الحقيقة.

وكان الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني، جمال ولد عباس، قد أعلن أن عددا من الوزراء في حكومته، وهم قياديون في صفوف الحزب، فضلا عـن وزراء أحـزاب المـوالاة مثـل حـزب التجمـع الوطني الديمقراطي بزعامة أحمد أويحيى، سيترشحون في الانتخابات التشريعية القادمة من أجل دخول البرلمان.

وهناك مصادر قوية تروج أن الوزير الأول؛ رئيس الوزراء, عبدالمالك سلال سوف يترشح أيضا لهذه الانتخابات في حـالة موافقة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة على ذلك، ليضفي على نفسه الشرعية البرلمانية، إلى جانب سلطته التنفيذية.

تساؤلات

ويتساءل البعض هل المقصود بترشيح وزراء تابعين لحزب جبهة التحرير الوطني ولأحزاب الموالاة، السيطرة على البرلمان وحسم سيناريو تشكيل حكومة الأغلبية المنتظرة لقطـع الطريق مسبقـا على الأحزاب الإسلامية التي تحاول لم شملها والدخول في الانتخابات التشريعية كتشكيلة موحدة للمنافسة على الأغلبية البرلمانية؟ أم أن هذا التوجه الجديد يرمي إلى خلق نظام جديد يزاوج بين النظام الرئاسي والنظـام البرلمـاني، لإضفاء المزيد من الشرعية البرلمانية والتنفيذية المزدوجة لأحزاب الموالاة، قصد التحكم في كل مفاصل الدولة، على أساس هاتين الشرعيتين معا؟

لعل السيناريو الذي يعده النظام الحاكم يهدف، بشكل ضمني، إلى تهيئة أحد هؤلاء الوزراء لترشيحه لمنصب رئيس الجمهورية، بعد أن يكون قد تم تعميده بالشرعية الحزبية والبرلمانية معا.

ومن الواضح أيضا أن الزج بوزراء الموالاة في الانتخابات التشريعية القادمة له علاقة بمخطط التخلي عن رئيس البرلمان الحالي؛ محمد العربي ولد خليفة، الذي لا يملك قوة شعبية ضاغطة في المنطقة الأمازيغية التي ينتمي إليها من حيث النسب العائلي، أو رمزية نضالية في حزب جبهة التحرير الذي يسيطر عليه الجناح الوصي على تراث ثورة التحرير الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي.

وهكذا فإن ترشيح الوزير الأول عبـدالمالك سـلال للانتخابـات التشريعية أو وزراء آخرين عن أحزاب الموالاة، سوف يقضي باستبدال ولد خليفة بأحد هؤلاء على رأس البرلمان القادم، الذي سيطلب منه سنَ وتمرير قوانين جديدة تتصل بالانتخابات الرئاسية على نحو يضمن إزاحة كل الأسماء الكبيرة التي يمكن أن تنافس بشكل قوي أي مرشح عن أحزاب الموالاة لمنصب رئيس الدولة والذي قد يكون ممثلا في الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة نفسه، إذا تعافى من مرضه، أو إحدى الشخصيات الأمنية أو العسكرية الكبيرة غير المستهلكة في المشهد السياسي، وغير المتورطة في الملفات القذرة طيلة فترة العشرية الدموية، وفي الفساد المالي، والتي يرضى عنها بوتفليقة وجماعته.

حظوظ الثلاث تيارات المنافسة

تنقسم الأحزاب الجزائرية إلى ثلاثة تيارات رئيسية تقاسمت البرلمان، والحكومة المنبثقة منه، منذ التسعينات.

التيار الوطني: ويضم أساساً «جبهة التحرير» التي قادت البلاد منفردة منذ استقلالها عام 1962 وحتى الانتقال إلى التعددية في نهاية الثمانينات.

ويضم أيضاً «التجمع الوطني الديموقراطي» الذي تشكّل عام 1997 ويُعرف بـ «حزب الإدارة» كونه يضم إطارات بارزة في هيكل الدولة. كان هدفه في البداية منافسة «جبهة التحرير» بعدما خرجت قيادتها عن «بيت الطاعة»، وبعدما عادت الجبهة إليه عاد «التجمع» ليشغل حجماً طبيعياً بعدما فاز بالمرتبة الأولى في اقتراع 1997.

ومن أصل 462 مقعداً في برلمان 2012، شغلت «جبهة التحرير» 208 مقاعد و «التجمع» 68 مقعداً.

ولا يُتوقع حصول تغيير مهم في حصة هذين الحزبين في الاقتراع المقبل، بل سيبقيان، على حالهما اليوم، عماد الحكومة.

ويقود «جبهة التحرير» حالياً جمال ولد عباس، المتحدر من تلمسان (غرب) ويحظى بعلاقة وطيدة مع عائلة الرئيس بوتفليقة. أما «التجمع الوطني» فيقوده مدير ديوان الرئاسة أحمد أويحيى.

التيار الإسلامي: الذي خاض انتخابات 2012 في إطار تحالف «الجزائر الخضراء»، وكان يمنّي النفس بتحقيق نتائج باهرة في أعقاب ثورات «الربيع العربي» التي حملت الإسلاميين إلى صدارة المشهد في دول مجاورة.

لكن تحالف «الخضراء» تراجعت حصته 11 مقعداً لتقف عند 49 نائباً.

في الانتخابات المقبلة سيخوض الإسلاميون الاقتراع بتيارين أساسيين. يقود الأول عبدالله جاب الله ويضم ثلاثة أحزاب («جبهة العدالة والتنمية» و«النهضة» و«البناء الوطني»)، فيما يضم الثاني «حركة مجتمع السلم» بقيادة عبدالرزاق مقري، و«جبهة التغيير» بقيادة عبدالمجيد مناصرة.

وليس واضحاً كيف سيتمكن الإسلاميون من تحقيق نتائج أفضل في الانتخابات المقبلة وهم يخوضونها بلائحتين, لكن كما شكّلت الجزائر «استثناء القاعدة» بالنسبة إلى الإسلاميين في انتخابات 2012، فإنها يمكن أن تشكّل مجدداً «الاستثناء» في الاقتراع المقبل وتدفع بهم لتحقيق حصة أكبر.

التيار العلماني: الذي يتشكل أساساً من «جبهة القوى الاشتراكية» و«التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية».

وتخوض الجبهة الانتخابات للمرة الأولى بعد رحيل زعيمها التاريخي حسين آيت أحمد، وهي فازت في انتخابات 2012 بـ 27 مقعداً (بعدما قاطعت البرلمان السابق), أما «تجمع الثقافة»، المنافس الأساسي لـ «جبهة القوى» في مناطق القبائل، فيخوض الاقتراع بعد مقاطعته برلمان 2012، وهو أيضاً بلا زعيمه التاريخي سعيد سعدي الذي انسحب من السياسة قبل سنوات.

ولا يُتوقع حصول تغيير جوهري في حصة العلمانيين في الانتخابات المقبلة.

 

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …