اعتبرت نظرية أم القرى أن الثورة الشيعية في إيران قد شكلت الخطوة الأولى لبناء الحكومة الإسلامية، أما الخطوة الثانية فتتمثل بتحول إيران إلى دولة “أم القُرى” في خطوة تمثل انتصار الثورة الإسلامية العالمية التي سوف تمهد الأرضية لظهور المهدي المنتظر الذي سيحقق الاستقلال والعدالة والحرية. ويتناول محمد جواد لاريجاني موضوع تشكيل الحكومة الإسلامية الصالحة من خلال التركيز على دور العمل الفردي والشعبي في تحقيق هذا الهدف الذي اعتبره مقدساً، ويحقق مصلحة الأمة الإسلامية جمعاء، وهذا الأمر يعتبر وظيفة واجبة؛ مصدرها وأساسها الشرع الإسلامي، الذي يسعى إلى تحقيق الوحدة، وهذه الرؤية تنسجم مع ما أراده الأئمة – حسب رؤية لاريجاني- الذين أكدوا أن تحقيق الولاية الجامعة للأمة يعتبر ركناً مهما لا تتم بدونه فرائض الإسلام الأخرى مثل الصلاة، والصوم، والزكاة, ومن هنا فمن المفروض على أي مسلم أن لا يخالف هذا الفرض.
وتأسيسا على ذلك, تعتبر هذه النظرية أن الأصل في العالم الإسلامي أن يكون أمة واحدة من دون الناس، وأمة منسجمة تحت راية الإمام المسؤول عن الأمة الإسلامية الواحدة، والتي يكون قوامها دولة “أم القرى”، وحسب التصور الذي يطرحه لاريجاني في كيفية انبثاق فكرة “أم القرى” فقد شهد النصف الثاني من القرن العشرين – حسب هذا الزعم- ظهور عقلانية في العالم الإسلامي، وقد وجدت المراحل الأولى لهذه العقلانية قبولاً عاما في إيران، بينما خلقت تياراً عظيما استطاع أن يقيم نظاما حكوميا عادلا وشاملا (الحكومة الإسلامية) كان بمثابة الخطوة الثانية، حيث تسير أمواجه العاتية بقوة إلى سائر الدول الإسلامية بشكل منظم، وطبعا لازالت إيران في المراحل الأولية لتكوين هذا الهدف العقلاني نظرياً، وأيضاً في نشر قبول الأمة الإسلامية بها على مستوى العالم الإسلامي، فلو تمكنت هذه العقلانية من تحقيق مسيرتها التكاملية، فإنها ستقدم حضارة جديدة إلى العالم، وهذه الحضارة أقوى في انتسابها للإسلام مما عرف تاريخياً باسم الحضارة الإسلامية؛ لأن تلك الحضارة اتخذت منحى آخر وهي لا تزال في بداية طريقها، بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم).
وهنا نود الإشارة إلى ما تحدثت عنه هذه النظرية حول التعارض المحتمل حدوثه بين المهام خارج الحدود وعالمية الحكومة الإسلامية, وبين متطلبات الداخل الخاص بالبيئة الداخلية لدولة “أم القرى”, حيث تقول هذه النظرية: “علينا أن نجيب عن السؤال المطروح حول احتمال ظهور تعارض بين كلا الهدفين؛ أي بين تصدير الثورة وتلبية احتياجات الجمهورية الإسلامية فيها، وأيهما مقدم على الآخر؟ نجيب بأن الخطوات التي تحرزها الجمهورية الإسلامية في الوقت الراهن وهي تسير وفقا لتوجيهات الإمام الخميني سواء التي جاءت في خطبه أو فتاواه, تلتزم بأنه إذا ظهر تعارض بين هاتين المسألتين فعليا فلا بد أن نلبي احتياجات الجمهورية الإسلامية أولا” بقوله: “اسمحوا لي أن أكرر أنه من الأهمية بمكان أن الموضوع الذي نوليه أهمية منذ بداية الثورة هو أنه إذا ظهر تعارض بين هذين الهدفين فالأولوية تكون لتلبية احتياجات الجمهورية الإسلامية”.
أما صلاحية زعيم “أم القرى” – حسب هذه النظرية – فيجب أن تمتد لتشمل كل الأمة الإسلامية (إقليما وشعوبا)، وفي نفس الوقت فإن على دولة “أم القرى” وشعبها (الشعوب الإسلامية كلها) كثير من الالتزامات، وفي مقدمتها:
1) دور شعب “أم القرى” الذي يشكل مصدراً لقوة القائد أو المرشد (زعيم أم القرى، ولي أمر المسلمين)، ومادام الشعب الإسلامي قد منحه هذه السلطات، فيجب على الأمة الإسلامية أن تأخذ هذه المسألة بعين الاعتبار، وأن تبايعه على هذا الأساس، كذلك انتخاب مجلس الخبراء الذي ينتخب بدوره ولي الفقيه لدولة “أم القرى”، فيجب أن يمثل هذا المجلس كل الأمة الإسلامية، وإن كانوا غير إيرانيين، وهذا أمر طبيعي.
2) إن زعيم دولة “أم القرى” هو زعيم الأمة الإسلامية كلها، ويملك صلاحياته وسلطاته الرسمية على جميع أراضي إقليم العالم الإسلامي، لذلك يجب أن تكون كل الأمة الإسلامية تحت سلطاته وحكمه، ومن هنا فإن قيادة دولة “أم القرى” مسؤولة عن الأمة الإسلامية، والمصلحة القومية والاستراتيجية لأم القرى تختلف وتتفاوت عن غيرها إذا ما قارناها مع الدول غير الإسلامية، وذلك لأن صلاح الأمة الإسلامية مرتبط بصلاح دولة “أم القرى” وزعامتها.
ماذا لو ظهر فقيهان؟
إن دولة “أم القرى” تعتبر نموذجاً صالحاً للدول الأخرى التي يجب أن تقتدي بها، أما في حالة وجود دولتين من الدول الإسلامية التي يقودها فقيهان جامعان للشروط، وقد قاما بتشكيل حكومتين إسلاميتين، فهل هناك تداخل بين سيطرة الفقيهين العادلين؟ هنا يفرق لاريجاني بين عدة حالات:
أولها: افتراض أن الدولة الأولى هي دولة “أم القرى”، وهنا يجب على الدول الأخرى الإسلامية – على فرض وجودها – أن تجعل من دولة “أم القرى” قدوة لها، وأن تضع سلطتها تحت ولاية دولة “أم القرى”، ويجب على ولي الفقيه القائد للدولة الأخرى، أن يُخضع نفسه ودولته لصلاحيات وسلطات ولي الفقيه القائد في دولة “أم القرى” باعتبارها الدولة المركز للعالم الإسلامي.
ثانيها: أما مسألة حدود الصلاحيات، فستكون من خلال تشكيل مجلس شورى القيادة، وهذا المجلس يجب أن يسيطر على الدولتين سيطرة كاملة من خلال قيادة زعيم “أم القرى” لهاتين الدولتين، وعلى الأمة الإسلامية والدول الأخرى الاقتداء بذلك عبر الانضواء تحت سلطات الولي الفقيه في دولة “أم القرى”، ووجود الدول الأخرى يتم التعبير عنه وتمثيله من خلال إفراز كل دولة لمجلس شورى فرعي ينضوي تحت مجلس شورى مشترك مكون من الدول الإسلامية، لكن في النهاية سوف تخضع هذه الدول بمجموعها لسلطة زعيم دولة أم القرى (ولي أمر المسلمين كافة)على اعتبار أنها تشكل نواة الدولة الإسلامية. فالمعجزة العظيمة حدثت من خلال الثورة التي حدثت في (بهمن ـ فبراير 1979)، ويجب أن لا نعتبر الحضارة الإسلامية مسألة خاصة بالعالم الإسلامي، بل هي للغرب أيضاً.
ثمة ملاحظات وشواهد رصدناها هنا على مجموع النقاط المتعلقة بما ذكر سابقا، وهي على النحو التالي:
- ” من الممكن أن يكون بدولة ما مشكلات ونقائص كثيرة، ونظامها هو النظام الإسلامي الحقيقي، أما الإعمار والتنظيم وحماية الظواهر الشرعية، وأمثال هذه الأشياء فإنما هي أمور فرعية”، لذلك فإن من الأهمية بمكان تغليب الهدف الحقيقي وتحقيقه المتمثل بالإسلام، وبعدها يمكن حل المشاكل الأخرى.
- ” إذا ألقينا نظرة خارج حدودنا نجد أن أهدافنا لا تخرج عن شيئين هما: “تصدير الثورة” و”حفظ أم القرى”. أما إذا ظهر تعارض بين كلا الهدفين, فالأولوية تبقى لحفظ “أم القرى”، والسعي لتقديم مصالحها على الآخرين.
لا شك بأن الفكر الإمبرطوري عظمت طموحاته في ظل الجمهورية الإسلامية فى إيران، حيث برزت مفاهيم زاوجت بين البعد الديني واللاقومية واللاحدودية للأيديولجية الشيعية، وطرحت سؤالاً هاماً أمام زعماء الجمهورية الشيعية منذ بداية الثورة بوصفهم منتخبين من “أم القرى” نواة الأمة والدولة الإسلامية الموعودة، والسؤال: إلى أي مدى هم يشعرون بالمسؤولية تجاه إيران ” أم القرى”، وتجاه الأمة الإسلامية المنتشرة في كافة ربوع العالم، والذين يُعتبرون ضمناً رعايا لهذه الإمبرطورية الشيعية؟ وإلى أي درجة يشاركونهم همومهم؟ بل إن السؤال نفسه كان يُطرح في أحيان أخرى بشكل أكثر دقة وتحديدا: إذا ما ظهر تضاد بين مهام حكومة “أم القرى” المعروفة باللاحدودية واللاقومية، وبين مهامها الداخلية والوطنية – سواء المتعلقة بحقوق الشعب الإيرانى عليها أو بواجباته نحوها- فأيهما أولى؟ وعلى أي نحو يتم حل الإشكالية بين هاتين الحالتين؟
لقد طرحت نظريات وآراء متعددة للإجابة عن هذا السؤال، فهناك نظريات ترى أن المرجعية في ذلك للجانب العلمي في حياة الأمة وآمالها وأيديولوجيتها اللاحدودية والعالمية، بينما ترى أخرى أن المرجعية فيها تقوم على البعد المذهبي، كما أن هناك آراء وسطية بين هاتين النظريتين.
لقد ركز المنظرون في إيران على ضرورة الاهتمام ببناء النموذج, وفي الوقت نفسه تحقيق البناء والإعمار والتنمية في دولة “أم القرى”، والتأكيد على استراتيجية المساومة والتسويات على الصعيدين الداخلي والخارجي لغاية تحقيق الأهداف العظمى، على اعتبار أن الإسلام تجاوز الحدود الجغرافية في جميع أحكامه وقوانينه ووصاياه، ولم يعترف بها مطلقا، وبالتالي نجح في تخطي حدود الدولة الواحدة، وهو لا يهتم بتقسيم الأمة في إطار الحدود المتفق عليها دولياً، لذلك فإنه مسؤول عن أتباعه ورعاياه حيثما كانوا، انسجاما مع حديث الرسول(صلى الله عليه وسلم ): “مثل المؤمنين في تعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد…”، وهذه الفكرة بالأساس تؤكد أن الإسلام دين عالمي لاحدودي.
ومن الأمور اللافتة للنظر أن مركز الدراسات العلمية الذي شكله مجلس خبراء القيادة جعل من أهم محاور أبحاثه ودراساته دراسة نظرية “أم القرى” من خلال المحور البحثي للدراسات الدبلوماسية ووظيفتها الخارجية بالنسبة لإيران، حيث تناول هذا المحور كيفية مواجهة الكفر، وكيفية بناء العلاقات مع العالم الخارجي، والالتزامات الدولية، ومسؤولية إيران لتحقيق فكرة العزة والمصلحة من خلال تطبيق فكرة “أم القرى”، التي تعتبر من الأصول والمرتكزات الأساسية الخارجية الإيرانية.
والمثير في مثل هذا النوع من الدراسات والأبحاث أن نفس وزارة الخارجية الإيرانية تقوم بنشرها والترويج لها في كتيبات خاصة يتم توزيعها.

نود الإشارة إلى أن آية الله مصباح يزدي- المرشد الروحي للرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد وللنخبة السياسية والعسكرية والأمنية الحالية – يؤيد هذه الفكرة من خلال ما يُعرف بعالمية صلاحيات وسلطات ولي الفقيه التي ينبغي أن تمتد إلى العالم الإسلامي، وإن كثيراً من أفكار محمد جواد لاريجاني يحاول أن يطورها من خلال ما طرحه يزدي في بعض دراساته, تمهيدا لتطبيق مشروع إيران القائم على الهيمنة وبسط النفوذ على المنطقة.
والنتيجة أن كتاب “مقولات في الإستراتيجية الوطنية” أول كتاب من نوعه يوضح بشكل جلي, كيفية بناء إيران لمجالها الحيوي، والآليات والاستراتيجيات التي تتبعها لتحقيق ذلك بشكل مباشر، ودون مواربة.
…………………
رئيس وحدة الدراسات الإيرانية – مركز أميه للبحوث والدراسات الإستراتيجية
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات