سباق محموم بين السعودية والإمارات على بناء القواعد العسكرية في القرن الأفريقي، يقابلها تغلغل صيني يسعى حثيثا ليكون شريكا في لعبة القوى العالمية في أفريقيا. اتفقوا على التواجد لكن لكلٍ وجهة هو موليها، والرابح الأكبر هو صانع السلاح وبائعه.
كان آخر القواعد العسكرية التي كشف النقاب عنها مؤخرا قاعدة للسعودية في جيبوتي، بعدما جرى توقيع اتفاق تعاون في مجال الدفاع بين البلدين في 28 أبريل، وبعدها في 26 مايو قال وزير خارجية صوماليلاند (أرض الصومال) إنّ الإمارات قد تبدأ قريبًا بتحريك طائرات مقاتلة من قاعدتها في بربرة، التي لا تزال قيد الإنشاء، لكنّها استقبلت السفن البحرية الإماراتية، وقال: «لا نعتقد أنّ استخدام المرفق سيضيف إلى التوتر والصراع في المنطقة، فيوجد لدى الإمارات قاعدة في عصب بإريتريا وتعمل حاليًا، ولن يتم استخدام القاعدة في بربرة في أي شيء جديد في الصراع الدائر في المنطقة» على حد قوله .
القاعدة الصينية في جيبوتي
وفي 12 يوليو، أبحرت سفينتان من الصين إلى جيبوتي تحملان أفرادًا، الأولى؛ «تشين جانج شان 999»، ناقلة برمائية يمكنها حمل 800 جندي، وأربع مروحيات، وأربع قوارب للهبوط، وكذلك مدرعات مقاتلة، ويمكنها بذلك أن تعمل في قيادة فرقة عمل وأن تضطلع بالمهام الإنسانية والإغاثة في حالات الكوارث، ومكافحة القرصنة، فضلًا عن صد الاعتداءات البرمائية، بينما السفينة الأخرى، «دونجا يداو 868»، شبه غاطسة صغيرة يمكنها حمل الحوامات، ونقل المعدات الثقيلة، وإصلاح السفن التالفة في البحر.
وتصر المصادر الصينية على أنّ هذه قاعدة دعم وليست قاعدة عسكرية، لكن مصدرا صينيٍا نقلت عنه “سي إن إن” و”جلوبال تايمز”، قال: «إنّها ليست نقطة إمداد تجارية … هذه القاعدة يمكن أن تدعم القوات البحرية الصينية للذهاب فيما هو أبعد من ذلك، لذلك فهي تعني الكثير».
الدور الرئيسي المعلن للقاعدة بحسب المصادر الصينية هو دعم السفن الحربية الصينية العاملة في المنطقة في مكافحة القرصنة والعمليات الإنسانية «ولا يتعلق الأمر بالسعي للسيطرة على العالم».
ويشارك أكثر من 2500 جندي صيني في بعثات الأمم المتحدة في أفريقيا، ولاسيما جنوب السودان وليبيريا ومالي.
الجنرال «توماس والدهاوسر»، قائد قيادة البنتاجون في أفريقيا قال إنّ مقر القيادة الأمريكية في جيبوتي يعتبر «مهما جدًا لمصالحنا الاستراتيجية»، وهناك نحو 4 آلاف جندي أمريكي في معسكر ليمونيه، إلى جانب الفرنسيين، وهي القاعدة الأمريكية الرئيسية لإطلاق الطائرات بدون طيار خارج أفغانستان.
وقال «إدوارد بايس»، مدير معهد الأبحاث فى شؤون أفريقيا، ومقره لندن، إنّ وجود قاعدة في جيبوتي للصين يعني لها الكثير، كما هو الحال بالنسبة لليابان أو الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه، بالنسبة لجيبوتي، يدور كل شيء حول المال.
ويُذكر أنّ اليابان لديها 170 جنديًا في منشأة في جيبوتي، ويستمر العمل في بناء قاعدة تركية كبيرة في الصومال، ووفقًا لبعض التقارير، يوجد لإيطاليا أيضًا قواعد في جيبوتي، لكن قد تقتصر على الاستخدام من جانب القوات المشاركة في العملية الدولية لمكافحة القرصنة قبالة القرن الأفريقي، وليست قاعدة دائمة.
الغائبون من الدول النافذة
ورغم أن قطر سحبت في الشهر الماضي قوة عسكرية صغيرة منتشرة في جيبوتي، إلا أن من بين الغائبين البارزين عن القرن الأفريقي، المملكة المتحدة، التي لديها قاعدة بحرية صغيرة في البحرين، وروسيا التي لها قاعدة في طرطوس في سوريا، والهند التي لها قاعدة في سيشيل، وإيران.
وقامت جيبوتي مؤخرا بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران تقربًا من السعودية، الأمر الذي تسبب في غضب إيران، والتي علقت على الأمر بسخرية، وقد حذرت وزارة الخارجية الإيرانية جيبوتي «من أن تختفي بلادهم من الخريطة خلال 24 ساعة».
المستفيدون من القواعد العسكرية
للقواعد العسكرية في القرن الأفريقي فائدة مباشرة وغير مباشرة، فالبنسبة للصين على وجه التحديد يشير موقع أراب دايجست إلى أن السبب الأول هو حاجة الصين إلى قاعدة في مكانٍ ما في الشرق الأوسط إذا كان لها أن تتبع سياسة الإبحار في المياه المفتوحة، والثاني وهو للجميع على حدٍ سواء، هو أنّ مدخل البحر الأحمر يعد واحدًا من أهم وأضعف نقاط الاختناق في العالم للشحن الدولي، وقد أدى وجود القرصنة هناك إلى تعاونٍ دوليٍ كبير غير مسبوق، ولا يزال التهديد قائمًا، والثالث هو أنّها تمثل قاعدة لقيادة العمليات العسكرية، مثل القواعد التي تعمل لصالح حرب السعودية والإمارات في اليمن، ولصالح الولايات المتحدة في كل من اليمن والصومال.
أما المستفيدون من هذه القواعد العسكرية بشكل غير مباشر وفي ضوء توازنات القوى الإقليمية المتحكمة في العالم، فهي الولايات المتحدة وسعيها إلى زيادة التعاون الأمني الإقليمي بينها وبين الدول صاحبة هذه القواعد أو تلك التي تستضيفها، ففضلا عن نشر قواعدها في المنطقة، نجدها المستفيد الأول من بيع أسلحة بمليارات الدولارات لدول المنطقة.
أمريكا ومبيعات الأسلحة
تتكلف الولايات المتحدة الكثير من الأموال في البحث والتطوير في مجال الأسلحة المتقدمة, وتسترد بعض تلك التكاليف عن طريق بيع الأسلحة كثيفة الإنتاج. لكن لدى الولايات المتحدة حوافز لحماية التكنولوجيا الخاصة بها, ورغم بقاء دول الخليج تحت مظلتها الأمنية، إلا أنّها تبقي مبيعات الأسلحة مقيدة. وتبقى تكنولوجيا مثل التشفير والمناظير الليلية خاضعة لرقابة صارمة على مبيعاتها.
وعلى الرغم من عوامل الصعوبة هذه، فإنّ عدد الأسلحة التي تبيعها الولايات المتحدة لدول الخليج مذهلٌ حقًا، وخلال زيارة الرئيس ترامب للسعودية في مايو الماضي، تمّ الإعلان عن مبيعات أسلحة تزيد قيمتها عن 110 مليارات دولار، وهذا أكثر من الناتج المحلي الإجمالي للبنان والأردن مجتمعتين.
ومنذ اندلاع أزمة الخليج، وبعد أقل من أسبوع من قيام ترامب بالضغط على قطر ووصفها براعية الإرهاب، اشترت قطر طائرات أمريكية من طراز إف-15 بقيمة 12 مليار دولار.
كل دولة في الخليج ترى الولايات المتحدة الداعم الرئيسي لها، وتريد أن يكون جيشها مجهزًا بالأسلحة الأمريكية التي تتوافق مع الجيش الأمريكي وشبكة الأسلحة الأمريكية، فلو اشترت دولة خليجية طائرة ميراج الفرنسية مثلًا ثمّ أرادت تحميلها بصواريخ أمريكية فيسكون ذلك بجهدٍ كبير.
وإذا أرادت أن تربطها بشبكة الرادارات الأمريكية، فسيتعين كشف الولايات المتحدة لشفرة راداراتها للشركة الفرنسية المصنعة أو العكس، وإذا تم الرفض، تفشل العملية.
وغالبًا ما يتم تكليف الطائرات غير المتوافقة بتغطية قطاع منفصل جغرافيًا عن المعركة الرئيسية، وهذا مكلف وغير فعال على حدٍ سواء.
ويعرف المسؤولون الأمريكيون، مدنيين وعسكريين، أنّ مبيعات الأسلحة سوف تؤدي إلى وجود مستمر من التدريب والدعم الأمريكي فضلًا عن فرض سير الأمور في المنطقة وفقًا لوجهة النظر الأمريكية. ويريد الدبلوماسيون والملحقون العسكريون المتمركزون في الخارج إحراز تقدم، فمن الأسهل دائمًا وأكثر من أي وقتٍ مضى أن يبرموا عمليات بيع الأسلحة، على سبيل المثال، بدلًا من تعزيز حقوق المرأة.
مجالات التركيز خليجيا
اشترى كل بلدٍ في الخليج طائرات أمريكية مقاتلة. ويعد بعض هذه الأساطيل هائلًا، مثل أسطول الإمارات من طائرات إف-16، والذي يحتوي على طائرات أكثر تقدمًا من تلك التي تخدم في سلاح الجو الأمريكي، ويعد أسطول طائرات الـ إف-15 السعودي هو الأكبر في المنطقة.
وهناك مبيعاتٌ أخرى أقل أهمية، إذ تملك البحرين طائرات من طراز إف-16، لكنّها قديمة، وبأعدادٍ صغيرة من غير المرجح أن تلعب أكثر من دورٍ محدود في أي عملية للتحالف. ولدى عمان أسطول مماثل من طائرات إف-16. ومع ذلك، كلٌ يمثل أهمية لدى الولايات المتحدة, فيجب أن تتكامل الأنظمة اللوجستية مع الأنظمة الأمريكية، لتسهيل العمليات المشتركة.
وينبغي النظر إلى بيع مقاتلات إف-15 بقيمة 12 مليار دولار إلى قطر في ضوء ذلك. وكانت القوات الجوية القطرية تعتمد على الطائرات الفرنسية. وسيكون التحول إلى إف-15 تغيرًا كبيرًا. وسيجد الضباط الشباب الذين يسعون ليصبحوا طيارين أنّه يجب عليهم تعلم اللغة الإنجليزية بدلًا من الفرنسية, وسوف يحل موردو الصيانة الأمريكيون محل الفرنسيين. ومن المتوقع أن يتبع ذلك العقيدة والقدرات.
إضافة إلى ذلك، يضم التعاون الدفاعي الأمريكي مع دول الخليج مجالات الدفاع الجوي. وقد لعبت صواريخ باتريوت الأمريكية دورا في عملية عاصفة الصحراء. ولوقتٍ طويل، اعتمدت الكويت والسعودية تشغيل أنظمة الباتريوت الخاصة بها. وقد استخدمت الإمارات والسعودية صواريخ باتريوت في عمليات قتالية في اليمن وعلى الحدود السعودية مع اليمن. كما اشترت قطر صواريخ باتريوت. وتستخدم عمان نظامًا أمريكيًا للتحكم والسيطرة الجوية، وقد اشترت كل من الإمارات وقطر نظام الصواريخ الأكثر تطورًا. وعرض ترامب نظام “ثاد” على السعوديين في رحلته للرياض.
وتتطلب هذه الصواريخ الأمريكية المتطورة تدريبًا واسعًا, ويحتاج الضابط الذي سيترقى في خدمة الدفاع الجوي التي تعتمد على حقول الباتريوت والثاد، تعلم اللغة الإنجليزية، والتفاعل مع الأمريكيين بهدف زيادة الكفاءة التكتيكية.
إذًن.. لماذا تفعل أمريكا ذلك؟
يتم إجراء المبيعات لثلاثة أسباب بحسب المركز العربي – واشنطن دي سي، الأول هو توسيع النفوذ الأمريكي, حيث تتطلب الأسلحة المتطورة تدريبًا واسعًا، ودعما، وشبكات لوجستية، وبالتالي فإنّ البلد الذي يوفر هذه الخدمات يكسب نفوذًا.
والثاني هو زيادة قابلية التعاون العسكري والتشغيل البيني, حيث يمنح السماح لشركاء الخليج بتشغيل أسلحة تشبه أو تماثل الأنظمة الأمريكية وذلك يتيح للولايات المتحدة تركيز أصولها في المنطقة والاعتماد على الشركاء لأداء المهام التي سيتعين على الأمريكيين القيام بها. فكل دورية تقوم بها القوات الجوية الإماراتية، مثلًا، حين ترتبط بنظام القيادة والتحكم الأمريكي، تعفي طائرة أمريكية وطاقمها من التحليق.
والسبب الأخير هو زيادة الخيارات التكتيكية والتشغيلية لأمريكا في جزءٍ رئيسيٍ من العالم؛ فإذا كانت الولايات المتحدة ترغب في نشر طائرات إف-15 بسرعة في الخليج، فمن الأسهل بكثير نشرها في قاعدة مجهزة بالفعل لتحليق طائرات الـ إف-15، وبالتالي يتم تعزيز خيارات أمريكا وقوة أمريكا.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات