العراق على محك التقسيم

غدا الاثنين؛ 25 سبتمبر 2017 ، ستكون الحكمة الكردية على المحك ليس فقط في تحديد مسار مستقبل إقليم كردستان عن الوطن الأم؛ العراق، بل لكافة القوميات الأخرى في المنطقة.
القيادة الكردية؛ ممثلة في رئيس الإقليم؛ مسعود برزاني, لاتزال تظهر قدرتها على الوقوف بوجه تسونامي معارضة الاستفتاء على الاستقلال محليا ودوليا، وتصر على إجراء الاستفتاء في موعده ورفض كافة المبادرات والوساطات، كونه، بالنسبة لها، خطوة لتحقيق هدفها وهو الاستقلال عن العراق وإقامة الدولة الكردية، أو للتمسك بنتائجه المتوقعة في تعظيم قواعد اللعبة مع بغداد في حال جاءت نتائج الاستفتاء بنعم.
وقد أقر مجلس الأمن الدولي بالإجماع، الخميس الماضي، معارضته للاستفتاء على الاستقلال محذرا من أن هذه الخطوة الأحادية من شأنها أن تزعزع الاستقرار، وجدد تمسكه بسيادة العراق ووحدته وسلامة أراضيه, وذلك بالتزامن مع إعلان العراق وإيران وتركيا أنها ستتخذ إجراءات ضد إقليم كردستان العراق، في حال إذا ما مضى قدما في إجراء الاستفتاء على الاستقلال، عندما أكد وزراء خارجية الدول الثلاث من نيويورك، عدم دستورية استفتاء كردستان، محذرين من نشوب صـراعــات في المنطقة من الصعب احتوائها.
وفي الاتجاه المقابل، وفي اليوم نفسه أيضا كرر المجلس الأعلى للاستفتاء في الإقليم إن الاستفتاء سيجرى في موعده المقرر، مع إبقاء باب الحوار مفتوحاً مع بغداد، وإرسال وفد مفاوض للمجلس الأعلى للاستفتاء إلى بغداد أمس السبت، في الوقت الذي أعلن فيه رئيس الحكومة حيدر العبادي رفضه لإجراء الاستفتاء الآن ومستقبلا لأنه مخالف للدستور، مع تلويحه بخيار القوة عندما قال: «سنفرض الأمن في الإقليم إذا جرى عنف خلال الاستفتاء، وان ترسيم الحدود من طرف واحد سيفتح باب الدماء على مصراعيه».
ويتفق المراقبون على ان بارزاني أصبح في موقف محرج لا يحسد عليه، فهو لعب دورا أساسيا في تحشيد الشارع الكردي وراء شعار الاستفتاء وتحقيق حلم الدولة الكردية، وأعلن انتهاء الشراكة بين بغداد والإقليم وعدم الانصياع لسلطة بغداد أو البرلمان الاتحادي أو المحكمة العليا الذين رفضوا الاستفتاء، إلا انه قوبل بعاصفة من المعارضة الداخلية والخارجية يبدو أنه لم يتوقعها بهذا الشكل والحجم وخاصة من أقرب حلفائه؛ أمريكا وأوروبا, وبعد اتفاق بغداد وتركيا وإيران على إجراءات رادعة ضد الاستفتاء، وهي التهديدات التي لا يمكن لحكومة الإقليم أن تتجاهلها.
وحتى بالنسبة للأوضاع الداخلية في الإقليم، فإن الحراك المعارض لتوقيت الاستفتاء, والذي يقوده حزبان رئيسيان هما حركة التغيير والجماعة الإسلامية مع منظمات المجتمع المدني، لا يزال فاعلا في الشارع الكردي وخاصة في السليمانية ويهدد نتائج الاستفتاء، حيث عبر مطلعون في السليمانية عن نية أهلها مقاطعة الاستفتاء أو الإجابة بلا، وذلك لسوء الأوضاع الاقتصادية والمشكلات بين أربيل والسليمانية، إضافة إلى الخشية من العواقب.
وضمن السياق، يبدو أن كلا الطرفين العربي والكردي، اتفقا على إهمال مبادرة الحوار التي دعا إليها رئيس الجمهورية؛ فؤاد معصوم نظرا لتعقيدات الأزمة، حيث قوبلت بانتقادات لاذعة من الأطراف السياسية والدينية في بغداد والنجف؛ الشيعية منها والسنية، الذين اعتبروها مخالفة للدستور ومتأخرة، بينما جاء إعلان مجلس الاستفتاء الأعلى في الإقليم، تمسكه بموعد إجراء الاستفتاء، بعد يوم من لقاء بارزاني ومعصوم في السليمانية، بمثابة طلقة الرحمة على تلك المبادرة.
وأقر الكاتب الكردي كاميران قرداغي أن الإصرار على الاستفتاء، نسف التحالف القديم بين الشيعة والكرد في العراق الذي يمتد إلى سنوات المعارضة ضد نظام صدام حسين والذي بنيت عليه العملية السياسية في عراق ما بعد 2003 مع اعترافه بأن «هذا التحالف هو في الأساس تطابق مصالح وليس تحالفا تاريخيا».
وفي إجراء ذي مغزى، أعلنت القوات العراقية، قبل أيام من موعد الاستفتاء، عن فتح ثلاث جبهات في آن واحد لخوض معارك ضد تنظيم «الدولة» في الحويجة والشرقاط وغرب الأنبار، لطرده من أهم المناطق التي ما زال يتواجد فيها.
هذا التحرك العسكري الواسع أرادت منه حكومة بغداد إيصال رسالة باستعداد قواتها لخوض المعارك على أكثر من جبهة في الوقت نفسه.
وعززت هذا المفهوم القوات العراقية، بعد طلب مشاركة البيشمركه الكردية في معركة تحرير الحويجة غرب كركوك رغم قربها من الإقليم.
والسؤال المهم المطروح الآن: هل لدى القيادة الكردية إذا أصرت على إجراء الاستفتاء وتجاهلت الرفض الواسع الذي قوبل به محليا وإقليميا ودوليا، خريطة طريق لمرحلة ما بعد الاستفتاء، وما فيها من تحديات ومخاطر؛ ليس على الأوضاع الاقتصادية في الإقليم الذي يعاني أساسا من أزمة اقتصادية، بل وعلى مواجهة التصعيد المتوقع للأوضاع الأمنية والعسكرية في المنطقة؟
وأخيرا فإن أمام القيادة الكردية فرصة قد لا تتكرر في الاستفادة من التعاطف الدولي واستعداد بغداد لحل المشكلات بضمانات دولية، لكي تعيد موقفها من الاستفتاء من خلال التأجيل أو القبول ببدائل معقولة، بدل الإصرار على عملية قد تسبب لشعب الإقليم والعراق، تداعيات وتعقيدات سياسية واقتصادية وأمنية لا يعرف أحد مداها، ستعمق الأوضاع السيئة والأزمات المزمنة في العراق

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …