عاصم أبو الخير: العروس المسنة.. ضحية حكومات محبطة

من المحزن والمؤسف معًا أن نسخر من إنسانٍ جارَ عليه المجتمع مع الزمن .. لا ذنب أقترفه فى حياته سوى قلة الحيلة وسوء الحظ فى الدنيا – إذا كنا مبصري الوعى وصادقي الوعد – أن كل شئ فى الحياة مكتوب فى الكتاب.

أقرب مثال ثار فى نموذج مأساة, هو خروج إنسانة بريئة شريفة شجاعة من قمقم القهر القامع ودولاب العذاب العازل لتفصح علناً عن كربٍ وبلاءٍ أظلمَ مسيرة حياتها القاسية .. لم تجنهما على نفسها .. بل طغى بهما عليها مجتمعٌ مضطرب حائر, أحبطته حكومات فاشلة .. واحدة تلو أخرى, أهملت حل تراكم المشاكل الإقتصادية لتوفير حياة كريمة لكل المواطنين سواء, وقد جلبت فى عواقب عقباها كل العوائق الإجتماعية المؤثرة على نشأة المجتمع القوى القيم المستقيم. وقد نتج من سوء العاقبة, عدم مقدرة الشباب على تأهيل أنفسهم للزواج لإنجاب جيل آخر, لتوريث شريعة تعاقب الخلق .. كما خلَفت خلف مخالبها نساءً بلا زواج لإجبارهن أن يصبحن لا إرادياً “عوانس” عرضة للمعايرة .. ومن ثم, إنتفضت من بينهن “العروس المسنة” كما سمتها الصحافة والأعلام كى تثور على الواقع الأليم المرفوض, شكلاً وموضوعاً.

يا ترى كم مليون مصرية وعربية فاتها قطار الزواج رغم انتظارها الطويل ومازال يراودها فى شوق وحنين حلم ارتداء الفستان الأبيض أسوة بغيرها من النساء .. ولكنها لا تملك الشجاعة الأدبية أو الجرأة البدائية لتقلد هذه المرأة أو حتى تتحدث بصراحة لتوضح عما تخفيه بداخلها من مآسٍ وبؤس حل بها حتى لا يسخر منها الجهلاء بيننا .. كما أمطروا السفاهات والمهاترات تجاة الأخرى التى قررت طلب شرف الحلال, فأصيبت بخلل الجنون, وفقدان العقلية نتيجة الكبت النفسى, ولو خرجت تبغى الفحشاء والمنكر لتطلب الحرام, لأصبحت مصرية عصرية متحضرة متحررة فى خاطر الإعلام الضال, أو عاهرة فاجرة من وجهة نظر ورأى الآخرين.

وكأن الإنسانة المسكينة لم تخلق من أجل الزواج, وكأن الحب والزواج لم يخلقا لمثلها من النساء, فالجمال جمال الروح والخلق الطيب المطوي فى رحاب حسن السيرة والسلوك, وما قامت به عفوياً من فعل أو تمثيل ناتج تماماً عن بؤس بائس من يأس يائس, لا ينقض هذه القيم ولا يقلل من قيمة الغاية المرجوة أو شأن الهدف المنشود تحقيقه من وراء شفافية الرداء الأبيض الشفاف الذى زينت نفسها وهدفها الشريف به .  

 هذه “العروس المسنة” الجديرة بكل إحترام وتقدير جاءت فى الوقت المناسب لتدق إنذار الخطر الذى يواجه مصر والوطن العربى عامة لكى نستيقظ من غفوتنا قبل فوات الآوان. لم تكن أمرأة مجنونة شاردة فى وهم حلم “الفستان الأبيض” والبحث عن النصف الآخر .. لقد فتحت بالتأكيد باب الحوار المغلق لعقود من الزمن. أليس هو نفسه الحوار الحاسم الذى يحيد عنه الجميع حتى علماء الدين.

 كم عائلة وأسرة فى مصر والعالم العربى عامة عندها عروس “عانس” وعريس مسن فوق المطلقين, ومع ذلك لا حديث عنهم, من الحياء أو لعدم مس الشعور, ولا سبيل عن التخلص من المبالغات فى المهور مع تحديد مهر رمزى لا يتجاوز حد الألف جنيه, مع الالتزام بتجهيز مستلزمات إتمام الزواج بالتراضى والتساوى بين الطرفين لغير القادرين سعياً إلى قهر هذه النقمة الممقوتة القبيحة إذا كنا جادين بحق فى محو كلمة “عانس” من قاموس المصريين.

وياليت نعود ثانية لزيارة عهد “الزمن الجميل” لكى نسمع من جديد مناجاة الجار فى مجاراة حسن الجوار مع إبن الجيران: “شايفك شاب طيب وخلوق وعندى بنت مثلك خلوقة, حابب أن أزوجها لك, وسنتعاون معك فى إتمام الجهاز إذا كان عندك رغبة” هذا ما أرادت “العروس المسنة” أن تبلغ به القوم الغافلين فى رسالتها السمحة الصريحة بلا حياء أو استحياء, والتى ترجمت بالخطأ على أنها خلل عقلى أو اكتئاب نفسى أدى إلى “جنان”.  ولو سمعت عنها عانسات أمريكا كثيرات العدد لخرجت مليون “مجنونة” من نيويورك إلى لوس أنجلوس فى مظاهرات غاضبة لمساندة براءة “الفكرة” الذكية. وربما لا تعرف “العروس المسنة” أن أكبر محلات بيع فساتين الزواج الفاخرة فى نيويورك تفتح أبوابها كل عام مرة لاستقبال هجوم نسائى مخيف ينقض بشراسة لانتشال كل فساتين المحل مجاناً من الفتيات غير القادرات على شراء فستان الفرح الثمين من أجل إتمام الزواج.   

حان الوقت لتقديم بحث حقيقى مع وضع حل جذري لهذه القضية التى وحدها تملك التحكم فى قوة ومقدرة مصر على مواجهة التحديات الحالية والمستقبلية, الإقليمية والعالمية. لن تقدر مصر والوطن العربى على الصمود أمام الأعداء بدون إنجاب الأجيال المتلاحقة جيلا بعد جيل, وبدون زواج وتسهيل هذا الأمر والمراد بين الطرفين؛ رجل وأمرأة, سيصبح من المستحيل إنجاز هذا الهدف المهمل لعقود من الزمن .

مصر لم تكن, ولن تكون دولة هجرة مثل أمريكا وكندا وأستراليا وغيرها كى تسد هذه الحاجة الماسة من النسل لصون أمنها وسلامتها والدفاع عن سيادتها, فترويج [حملة الزواج] هو الحل الوحيد الأمثل لتأمين أمن مصر وإرهاب أعداء الوطن بالعدد السكانى الكثيف عندما تملك أكبر عدد قوات مشاة في جيش نظامى. فالمحور الجوهرى هو بداية حل مشكلة كل عروس وعريس, شاب أو مسن, أجلاً أو عاجلاً . لا بد من توفير مساكن شعبية فى كل المحافظات النائية قبل القريبة لخدمة ذلك الغرض كى تتناسب مع دخل هؤلاء الشباب  وبالمثل مع أولئك الأخرين محدودى الدخل المحالين على المعاش بإيجار مناسب لا يتعدى ثلث الدخل.

كما نوصى دوماً بتعديل الدستور لحرمان منح الجنسية لمن لم يولد من أبوين وجدين مصريين حتى نحد من زواج الشباب من أجانب خارج أو داخل مصر خاصة عن طريق ثرثرة سرحات “فيسبوك” وخلافه.   

ليس من المنطق أن تتغاضى الحكومة على مثل مشكلة حقيقية قومية كى تفرغ نفسها لفضيحة مع عبث دعوى “تيران وصنافير” المخزية التى ابتدعتها لإلهاء الشعب عما هو أهم لتفصح وتصرح أنها من اختصاص “مجلس النواب” الذى لا يملك فى أمر الجزيرتين شيئًا, حيث أنه مشرعٌ ومسنٌ للقوانين على أساس صيغة بنود الدستور حسب محور نطاقه المحدد  وليس مؤسس دساتير, والدستور لا يمنح أحدًا حق التفريط فى أرض أو سيادة.

 

شاهد أيضاً

محمد السهلي يكتب : الأونروا والعودة.. معركة واحدة

بحكم معناها ورمزيتها ووظيفتها، يصبح الدفاع عن الأونروا معركة واجبة وملحة .. ومفتوحة. ومع أن …