العصيان المدنى بالسودان .. حراك شعبي “أربك” حسابات النظام

حينما يظهر عجز الحاكم عن ممارسة دوره المتمثل فى تلبية حاجيات شعبه ووقوفه أمام مافيات الفساد كوقوف الصفر على شمال العدد فى العمليات الحسابية، وحينما يترك حفنة من رجال الأعمال الفاسدين يتحكمون في تفاصيل حياة الناس دون ان يحرك شيئا سوى مكافأة الشعب الذى صبر برفع الدعم عن المحروقات وزيادة أسعار الدواء، حينها يتجه الشعب إلى البحث عن حل عله يكون سببًا فى انتشاله من الغرق حتى وإن كان فى صورة “عصيان مدنى”.

هكذا رأى الشعب السودانى الرئيس عمر البشير والحكومة حينما اتجهت إلى رفع الدعم عن بعض السلع الأساسية وقاموا  بمظاهرات أعقبها عصيان مدنى وعلى إثره تراجعت الحكومة عن بعض قراراتها، فماذا يحدث فى السودان؟

البداية

قبل أسبوع من الآن، أعلنت الحكومة السودانية ارتفاع سعر الدواء بعد تحرير جزئي لسعر صرف الدولار، وكذلك رفع الدعم عن البنزين، لتبدأ شرارة الغضب في الدولة الواقعة جنوب مصر من الصيادلة، بتنظيم لعصيان جزئي تحول لدعوات في يوم 28 نوفمبر إلى عصيان كامل، بدأ بدعوات من شباب سوداني قبل الأحزاب، فيما اتخذت الحكومة السودانية عدد من الإجراءات لتقوض المشهد أو تهدئته.

ظهر العصيان المدني في فراغ عدد من القطاعات في السودان، فالشوارع خالية من المارة، أبرزها الطريق إلى مطار السودان، وأماكن المراكز الصحية وعدد من المؤسسات التعليمية.

الاستاذ المسلمي الكباشي مدير قناة الجزيرة في الخرطوم قال، أن ما يحدث فى السودان ليست مظاهرات سياسية ضد الحزب الوطنى الحاكم، فالحزب الوطني سقط حينما نجحت مافيا الدواء باختطاف السلطة والتلاعب بها وفقدان الحكم على السيطرة ،المشكلة في تحلل موسسات الدولة وعجزها عن السيطرة على الرقعة التي تحكمها فتظل أسيرة لقوى أشباح تفعل بها ما تشاء دون القدرة على فعل شييء تجاهها.

ضغط سياسى

محمود عبد الجبار المرشح الرئاسى السابق و رئيس حزب اتحاد قوى الأمة (أقم)، قال فى تصريحات خاصة لـ “علامات اونلاين”، أن العصيان المدنى دعوة شبابية شعبية تعبر عن رفض من قاموا بها للإجراءات الاقتصادية الأخيرة التى حولت حياة الشعب إلى جحيم لا يطاق وأنه قد حقق هدفه الأول وهو “احداث حالة من الرعب فى ذهنية النظام”.

 وتابع، العصيان المدني احد وسائل الضغط السياسي الذي يمارس على السلطة لتحقيق أهداف معينة تتمثل في إلغاء قرارات أو للاعتراض على بعض السياسات.

ووفق عبد الجبار فإن العصيان له إيجابيات وسلبيات، أما سلبياته فإنه يسبب بعض الضيق في اوله تتمثل في شلل الحياة بشكل كبير في حال الاستجابة الكبيرة من عدة قطاعات، وايجابياته انه يعيد الثقة للشعب وانه ممسك بزمام المبادرة .

وتابع، العصيان المدني في السودان حتى الآن لا يعد فاشلا وهو في بداياته وأتوقع أن تزداد الاستجابة له شيئا فشيئا لا سيما الأحوال المعيشية تزداد سؤ يوم بعد يوم وقد أربك هذا العصيان السلطة ربكة كبيرة واحدث الرعب النفسي تماما لا سيما أن الدعوات المناهضة له والمقللة من قيمته لا تستند إلى معالجات والحياة تزداد ضنكا.

وأكد أن كل الوقائع تؤكد انه ليس أمام النظام أي حلول ولا رؤى للمستقبل وهو يستقبل عام جديد وتزداد نقاته الأمنية وتجف كل أو معظم موارد البلاد .

وتابع، هذا العصيان بعيد بنسبة كبيرة عن فعل الأحزاب بمعنى لم تخطط له ولم تدعو له ابتداءا وهذه ميزة جديدة في الحراك الشعبي مع أن الأحزاب تبنته في النهاية وحرضت عليه .

تراجع الحكومة قبل العصيان

أصدر وزير الصحة السوداني بحر أبو قردة، قرارا بإلغاء قائمة أسعار الدواء التي أصدرتها الحكومة السودانية والتي تضمنت زيادات كبيرة، وتم إعفاء الأمين العام للمجلس القومي للأدوية والسموم محمد الحسن (العكد)، وذلك كله قبل بدا العصيان المدنى.

وقال في مؤتمر صحافي في الخرطوم، إن قائمة جديدة لأسعار الأدوية سيتم إعلانها خلال أيام تتضمن زيادات وصفها بالمعقولة اعتمادا على سعر الصرف الجديد للعملة الأجنبية، مضيفا أن لجنة تعكف على وضع المعالجات للأزمة التي تسببت فيها القائمة السابقة.

الأمر الذى دلل على نجاح العصيان المدنى قبل أن يبدأ.

 

هل تحقق الهدف من العصيان؟

العصيان المدني نجح قبل أن يبدأ بالزخم الكبير الذي احدثته الدعوة له وتفاعل قطاعات كبيرة من الشعب داخل وخارج الوطن معه.. وبغض النظر عن النتائج التي سيؤول اليها تبقى الروح الايجابية التي بثها في وسط الشعب انجازا في حد ذاته، هكذا قال محمود عبد الجبار.

وتابع، يجب أن تكون توقعاتنا واقعية تجاه هذه المبادرة.. بمعنى يجب أن لا نتوقع أن تكون الاستجابة للعصيان المدني بنسبة 100% ولا أن نعتقد أن النظام سيسقط أو سينهار مباشرة اذا نجح العصيان

في حالة نجاح العصيان ولو جزئيا ستكون هذه الخطوة ذات أهمية بالغة لما سيليها حيث سيكون الشعب قد أظهر للمرة للاولى ان بإمكانه اتخاذ موقف موحد في وجه طغيان النظام.. هذا سيحفز الشعب لمزيد من الخطوات التصعيدية وسيحفز العديد من المترددين للمشاركة في الخطوات القادمة.

وقال، علينا أن لا نقسو كثيرا على اولئك الذين لم يشاركوا في العصيان فهم ليسوا بالضرورة خونة او متواطئين.. لا يوجد سوداني واحد عاقل يحب هذا النظام ولكن هناك الكثيرين ممن لديهم مخاوفهم على مصالحهم الحياتية وعلى مستقبل البلد.. الطريقة الأنسب للتعامل مع هؤلاء هي مد الأيادي لهم والحوار معهم بدون اساءة فهم سيلتحقون لا محالة بالجمع

ونوه عبد الجبار إلى سيطرة النظام على قنوات الإعلام قائلان “يجب أن نتذكر أن النظام يسيطر على كل القنوات التلفزيونية والاذاعات والصحف وبالتالي علينا أن لا ننتظر تغطية محايدة أو مهنية من هذه الوسائل بل على العكس ستستخدم الحكومة كل هذه الأجهزة لبث دعاية سلبية مخذلة ومحبطة تنتقص من الفكرة وتصغر حجم تأثيرها.. لذلك أفضل حل هو تجاهل هذه الوسائل تماما”.

وأكد على أن أحد أهم نتائج هذا العصيان لو نجح هو الهزة التي سيحدثها في ساحتنا السياسية المتجمدة.. سيفرز قيادات جديدة من رحم الشعب وسيخلق وعي سياسي جديد وسيغير نظرتنا للمستقبل.. تذكر أن أحزاب المعارضة بكل تحالفاتها وتجمعاتها ظلت طوال اكثر من عشرين سنة تدعو لعصيان مدني بلا ادنى استجابة من الشعب.. بينما هذا الشعب نفسه متحمس جدا الآن لعصيان مدني لا يقوده شخص محدد..

العصيان المدني ليس خيارا سهلا أو جميلا.. هو خيار مكلف ومرهق لكنه أحد الخيارات القليلة التي يملكها هذا الشعب لمواجهة هذا النظام المستبد.. لكنه في نفس الوقت سلاح فعال وقوي استعمله الشعب قبل اليوم ضد الاحتلال الانجليزي وضد نظام مايو وفي الحالتين نجح وقاد للتغيير

السودانيين يرون أن العصيان هو البداية وليس الهدف النهائي.. هو الحركة الاولى التي تدفع كرة الثلج الصغيرة نحو التدحرج.. ويرون أنه اذا نجح هذا العصيان بأي شكل أو أجبر الحكومة على أية تنازلات فسيكون انجازا كبيرا سيجعل السودان ما بعد يوم نوفمبر مختلفا عن ما قبله.

 

 

 

 

 

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …