العنف في مواجهة القمع .. الدروس العشرة من تجربة الجماعة الإسلامية (6)

5- عدم الشفافية.. الطريق إلى التلاوم وتبادل الاتهامات

لعل من البدهي أن يحيط القائمون على عمليات العنف حركتهم بسياج من الكتمان تجنبا للمخاطر الأمنية، ومن المفهوم أيضا أن هناك قدرًا من التعارض بين هذه الحاجة للكتمان وبين مؤسسية وشورية اتخاذ القرار، وأن هذا القدر يزيد وينقص بقدر كفاءة الإدارة وبقدر قناعة القادة الحقيقية بأهمية الشورى فى اتخاذ القرار. ولعله من المؤلم أن يكون من بين القيادات من يوظف الحاجة للكتمان فى تمرير قناعاته الخاصة وفرضها على المجموع، وهو ما لا يتم التنبه إليه عادة إلا متأخرا بعد ما تكون فرصة تصويب المسار قد ولت.

ونحاول هنا أن نرصد خلفيات قرار الجماعة الإسلامية بالانتقال من سياسة ردود الأفعال إلى المبادرة بالقيام بعمليات مسلحة ضد الدولة؛ ونبدأ بالدكتور ناجح إبراهيم الذى ينأى بمجموعة القيادات التاريخية للجماعة عن إصدار هذا القرار, وذلك فى روايته عن الأحداث في حينه: (رأى البعض فى الجماعة ضرورة الرد على ممارسات وأفعال أجهزة الأمن، وكان قرار الصدام المسلح، والذى تحمس لهذه الفكرة الشيخ طلعت يس همام.

س: وما كان موقفكم أنتم القيادات التاريخية من قرار المواجهة المسلحة؟

ج: كنا ممنوعين من الكلام, وأجهزة الأمن كانت ترفض دائما التفاهم معنا داخل السجن)[1]

وهى رواية تتفق مع ما ورد بأول بيان أصدرته هذه المجموعة عام 1997 لإعلان مبادرة وقف العنف حيث تمت صياغته كمناشدة منهم (لإخوانهم من قيادة الجماعة، وأفرادها لإيقاف العمليات القتإلية) وتعلق الدكتورة سلوى العوا معتبرة أن البيان بهذه الصياغة لم يكن مجرد إعلان عن المبادرة فقط, بل كان أيضا إعلانا تاريخيًا عن تبرؤ هذه القيادات من ارتكاب هذه الأحداث.

على أنه كان للمهندس صلاح هاشم المؤسس الأول للجماعة – إن صح التعبير- وعضو مجلس شوراها لفترة طويلة رواية معاكسة يحمّل فيها هؤلاء القادة التاريخيين – أو قادة الليمان – المسئولية عن التحول للعنف: (أثار القادة فى كتب المبادرة أنهم لم يعلموا بالأحداث إلا من الصحف والاذاعة، وهذا كلام غير صحيح.. ولأننا قمنا بالمراجعات فيجب أن نكون صادقين مع أنفسنا.. وقلت لهم إنه لا يجب أن نلقى بالعبء على غيرنا، لأن معظم التكليفات كانت تخرج من السجن.. مثل ضرب السياحة، وعملية زكي بدر، والمحجوب، وكنت على علم بها من بعض الإخوة الموجودين)[2] ثم يحدثنا عن موقفه الشخصي: (أنا أتبرؤ من العنف بكل صوره وأعلنت موقفي … وقد منعت أحداثا كثيرة داخل سوهاج)[3] وسوهاج هي المحافظة التي كان مسئولا عن الجماعة بها.

أما الشيخ رفاعي طه؛ وهو أحد مؤسسي الجماعة كذلك، ثم كان مسئولا عنها خارج السجون بعد الإفراج عنه فى منتصف الثمانينات، وبعد سفره أصبح مسئولا عنها فى الخارج لسنوات ممتدة، فإنه ينفى اتهام قادة السجون لتنظيم الجماعة خارج مصر أنه كان وراء التحول للعنف، وذلك فى حوار له بعد ثورة يناير: (ما يتردد عن أن تنظيم الجماعة بالخارج هو الذى كان يدير العمليات ضد الدولة عكس الحقيقة؛ فالقيادات داخل السجون كانت هى التي تقف خلف المواجهة، ولكنهم تبرأوا منها فيما بعد)[4]

بل إنه يحمّل قادة الجماعة التاريخيين بالسجن – أصحاب مبادرة وقف العنف- مسئوليه اتخاذ هذا القرار دون تشاور، ومع تجاهل الظروف الموضوعية خارج السجن والتى كان يقوم بإحاطتهم بها فى حينه، وقد جاء ذلك فى رسالة خاصة منه للمهندس صلاح هاشم كتبها له من خارج مصر ونصها فى كتاب “مراجعات الجهاديين”, وقد طلب فى رسالته أن يتم توصيلها للإخوة فى الداخل – يقصد السجن – مؤكدا فيها: (اعلم أخي أن كل ما نأسف عليه، هو أن قادة الليمان دفعوا الجماعة إلى المواجهة دون إعداد كافٍ, أو حتى نصدق, بدون إعداد بالمرة، وهذا هو الخطأ الذي يجب فيه المحاسبة.. ووجهة نظري أنهم أخطاوا عندما بدأوا المواجهة بدون إعداد وتشاور، ولاسيما أننى كنت أحيطهم علما بشكل واضح عن عدم مناسبة الدخول فى مواجهة مع النظام، وخاصة عند طلبهم قتل زكى بدر، وأنا أعتبر أن محاولة قتله هي أول تصعيد حقيقي من الجماعة الإسلامية استدعى أن يعتمد النظام سياسة التصفية الجسدية لقيادات الجماعة)[5]… بل إن الشيخ رفاعي طه قام بإرسال خطاب آخر مباشرة لأعضاء مجلس شورى الجماعة بليمان طرة – بعد إعلانهم مبادرة وقف العنف – يبكّتهم فيه ويذكرهم بما سبق له أن نصحهم به فى حينه: (لو تذكرون ما كتبته فى حينه فيما معناه أننا قد نستطيع أن نقوم بهذا العمل، ولكنهم حتما سيردون، وحتما سنحاول الرد على ما قاموا به، وعندها ستتسع الدائرة ولن نستطيع إيقافها، وهذا ماتم فعلا.. على الرغم من أن الشيخ عاصم عبد الماجد قال وقتها: كلها سنة والأمور ترجع كما كانت)[6]

ومن الجدير بالتسجيل أنه كان للعديد من المرجعيات الشرعية للجماعة كذلك موقفها المتحفظ على قرار التحول للعنف؛ فالدكتور عبد الآخر حماد رئيس الهيئة الشرعية للجماعة يحرص فى دراسة له بعنوان “مراجعات حول المراجعات”على أن يثبت أنه كان (للعبد الفقير قبل تلك المبادرة وبعدها اعتراضات واعتراضات على ما كان يحدث من مواجهات عسكرية فى مصر)[7]، ومثله الشيخ محمد مصطفى المقري المقيم في لندن وصاحب الكتاب الشهير عن “حكم قتل المدنيين” يحرص كذلك فى دراسة له بعنوان “الجماعة الإسلامية والمراجعات.. إلى أين؟” على التذكير بموقفه القديم: (أذكر بأن موقفي من المبادرة- أي بالتأييد- قديم سبق تأكيده، وأقدمُ منه قناعاتي المسبقة بأن الصدامات التى أنجرت إليها الجماعة لم تكن هى الخيار الصحيح والحتمي)[8]

ومن الطرائف أنه أثناء البحث عن حل لإشكالية تضارب الشهادات حول الجهة التي أخذت قرار الصدام المسلح مع الدولة قابلتنا شهادة للأستاذ علي الشريف؛ عضو مجلس شورى الجماعة وأحد قادتها التاريخيين, وهو ينفي – كما هو متوقع – مسئولية المجلس عن ذلك: ( من المعروف أن مجلس شورى الجماعة الإسلامية كان رافضا لأحداث التسعينات، ولم يُصدر أي أمر عسكري منذ أن دخلنا السجن)[9].. ثم نقرأ حوارا للأستاذ علي الشريف مع جريدة “الرأي” يؤكد فيه عكس ذلك تماما: ( لم يكن هناك حادث يحدث في الجماعة سواء داخل مصر أو خارجها إلا بموافقة مسئولي الجماعة داخل السجون، وكانوا على علم بكل شيئ .. وما يقال إن بعض عناصر الجماعة قاموا بحادث معين غير صحيح لأنه لم يكن أحد يتجرأ على فعل شيئ من دون الرجوع إلى مسئولي الجماعة)[10].. وقد تم حل هذا الإشكال عندما تبين أن الشخص الأخير هو قيادي آخر بالجماعة, غير القيادي الأول, وكان مسئولا عن نشاطها باليمن خلال مرحلة سابقة.

ويتدخل الدكتور صفوت عبد الغني مدافعا عن “القادة التاريخيين” قائلا: (أشك حقيقة في وجود أصوات نادت بعدم الصدام- يقصد فى التسعينات- وكل من أدعى ذلك بعد مبادرة وقف العنف فدعواه مردودة مجروحة)[11] ثم يطرح حلا وسطا بين الروايات المتضاربة: (رغم إعلان المجلس التأسيسى تحمله مسئولية الأحداث إلا أنها كانت محددة فقط فى رسم الاستراتيجيات والسياسات، ولا يصح تحميلهم تفصيلات الأحداث العسكرية اليومية فقد خرجت الأمور بعد فترة عن الضبط والسيطرة)[12]

وتجتهد الدكتورة سلوى العوا في أن تجد تفسيرا لهذا التباين فى الروايات: (كان من مبادئ الجماعة الإسلامية كما تُبين الكثير من أدبياتها “ألا تعلن الاختلافات على الملأ “, وقد أدى هذا المبدأ إلى مرور سنوات عديدة دون أن يعلن القادة المسجونون بشكل حاسم قاطع ونهائي عن اعتراضهم على ممارسات الأعضاء خارج السجون)[13] .. وعلى أية حال فهو تفسير غير مسلم به, لتعارضه مع روايات القياديين التي أثبتناها أعلاه، فضلا عن أنه من غير المفهوم أن يرى القادة التاريخيون أن مسارا سوف يؤدي بجماعتهم وأعضائها للتهلكة ثم يعزفون عن إيقافه ومنعه لمجرد الخشية من خروج الخلافات إلى العلن، ونذكّر هنا بأن هذا التضارب لا يتعلق بقرار ثانوي أو موقف تفصيلي ربما علمه البعض، وغاب عن آخرين, ولكن يتعلق بتوجه مصيري وقرار تاريخي يفترض أنه كان محل علم عام لدى قيادات الجماعة على الأقل بحكم المشاورات التى يفترض أنها سبقته.

وأيًا ما كان الأمر فإن النتائج المؤلمة التي انتهى إليها تورط الجماعة الإسلامية في العنف تشير إلى أن المسئولية الأدبية والأخلاقية عن غياب المؤسسية، وترك الفوضى  تحيط باتخاذ القرارات التاريخية على النحو الذي عايناه هنا لا تقل عن تلك المسئولية عن اتخاذ قرار خاطئ غير مدروس… وإن في ذلك لعبرة.. وأي عبرة.

…………….

[1] ) حوار مع صحيفة المصري اليوم  14 – 8  –  موقع الجماعة الإسلامية

[2] )  حوار مع إسلام أونلاين  2 – 10 – 2011

[3] ) حوار مع إسلام أونلاين  2 – 10 – 2011

[4] ) حوار مع جريدة الشرق الأوسط   20 – 9 – 2012

[5] ) من رسالة كتبها للمهندس صلاح هاشم –  عن كتاب مراجعات الجهاديين   ص   64

[6] ) من رسالة كتبها لمجلس شورى الجماعة –  عن كتاب مراجعات الجهاديين   ص  64

[7] ) الدكتور عبد الآخر حماد –  مراجعات حول المراجعات – موقع منبر الجهاد والتوحيد –  بدون تاريخ

[8]) الشيخ محمد مصطفي المقري – الجماعة الإسلامية والمراجعات  إلى أبن؟ – موقع منبر الجهاد والتوحيد –  بدون تاريخ

[9] ) عن مذكراته المنشورة,  جريدة الموجز  28 – 1 – 2013

[10] ) حوار مع جريدة الرأي  12 – 6 – 2011

[11] ) حوار مع موقع الجماعة الإسلامية – بدون تاريخ ، وغالبا عام 2007

[12]) حوار مع موقع الجماعة الإسلامية – بدون تاريخ، وغالبا عام 2007

[13]) الدكتورة سلوي العوا –  الجماعة الإسلامية المسلحة في مصر –  ص  88

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …