نشرت صحيفة “فاينانشال تايمز” البريطانية تقريرا يكشف جوانب خفية من شبكة الاستثمارات الليبية التي ارتبطت بيان مارسالِك، الهارب من فضيحة “وايركارد” وأحد أبرز عملاء النفوذ الروسي، مشيرًا إلى أن هذه الاستثمارات استُخدمت لتعزيز مصالح روسيا في ليبيا عبر بناء علاقات مع قوى نافذة مثل “الانقلابي” خليفة حفتر وشخصيات أمنية شرقية.
وقالت الصحيفة، في هذا التقرير، إن السنة الماضية شهدت إبرام صفقة سرية لبيع ثلاثة مصانع إسمنت ليبية، وجرت الصفقة خلف واجهات من الشركات الوهمية الخارجية واتفاقيات عدم الإفصاح، وانتهت بانتقال هذه الأصول الاستراتيجية إلى رجل أعمال على صلة بالجنرال خليفة حفتر، القائد العسكري المدعوم من روسيا والذي يسيطر على شرق ليبيا.
لكن الحساسية الكبرى لم تكن مرتبطة بهوية المشتري الجديد، بل بالمستثمر القديم في هذه المصانع: يان مارسالِك، المطلوب الأول في أوروبا بتهم الاحتيال المالي والتجسس لصالح روسيا. كان مارسالِك نجمًا صاعدًا في عالم المال الأوروبي بصفته أحد قيادات شركة التكنولوجيا المالية الألمانية “وايركارد”، لكن سمعته انهارت بعد الكشف عن فضيحة الاحتيال التي أطاحت بالشركة، وخلف هذا السقوط المالي، كان الرجل منخرطًا في شبكة تجسس روسية.
وفي السنوات الخمس التي تلت انهيار الشركة، ظل سؤالان أساسيان بلا إجابة: أين ذهبت الأموال التي استولى عليها، وكيف استُخدمت لخدمة مصالح روسيا؟ في هذا الصدد، أجرت الصحيفة تحقيقًا مشتركًا مع هيئة الإذاعة البافارية سلط الضوء على جزء صغير لكنه مهم من ملايين مارسالِك المفقودة، وكشف عن معركة خفية بين شركائه السابقين للسيطرة على الأصول، مع حرصهم على إبقاء صلاتهم به طي الكتمان.
وكشفت الصحيفة لأول مرة عن ارتباط مارسالِك بليبيا في تقرير يعود لسنة 2020، حيث تفاخر بامتلاكه شركات هناك، من بينها شركة الإسمنت الليبية، لكن مالكي الشركة، مجموعة ليبيا القابضة في لندن، نفوا أي علاقة به. لكن وثائق مسربة، وملفات قضائية، ومقابلات مع موظفين ومستثمرين، إضافة إلى رسائل بريد إلكتروني لمارسالِك بعد انهيار “وايركارد”، رسمت صورة واضحة عن تورطه الطويل مع المجموعة التي باتت تُعرف اليوم باسم “إل إتش سيفروس“.
تُقدّر حاليا استثمارات مارسالِك في ليبيا بعشرات الملايين من الدولارات، وكانت شركة الإسمنت مجرد جزء منها. وعلى الرغم من أن هذه المبالغ تبدو صغيرة مقارنة بفضيحة الاحتيال التي بلغت قيمتها نحو ملياري يورو، إلا أن المشاريع الليبية تكشف عن أسلوبه في العمل كـ”وكيل نفوذ”، مستخدمًا الأموال غير المشروعة وعلاقاته مع رجال أعمال مغامرين لدمج مصالحه المالية مع أجندة موسكو.
وتشير الأدلة الورقية أيضًا إلى مصالحه السياسية في ليبيا حيث سعى لبناء علاقات مع فصائل نافذة وميليشيات، ما عزز قيمته لدى أجهزة الاستخبارات الروسية. فضلا عن ذلك، هناك تساؤلات حول ما إذا كان مارسالِك، المقيم الآن في موسكو تحت حماية الدولة الروسية، لا يزال يمارس نفوذًا على هذه الأصول، وحول مدى إدراك السلطات البريطانية لشبكته المالية في لندن.
ليبيا سوق للسلاح الروسي
وبعد ستة أشهر من إدانة ستة مواطنين بريطانيين-بلغاريين بالتجسس لصالحه، يؤكد شركاؤه الماليون السابقون، الذين ما زالوا يديرون أعمالًا بملايين الجنيهات ويسافرون بطائرات خاصة، أنهم لم يتلقوا أي اتصال من أجهزة الأمن. ومع أن أنشطته الحالية في ليبيا غير واضحة، إلا أن أهمية البلاد بالنسبة لروسيا – كبوابة إلى أفريقيا، ووسيلة ضغط على أوروبا، وسوق للسلاح، وأداة للمساومة الجيوسياسية – تجعل استثماراته وشبكة لندن المرتبطة به أكثر أهمية من أي وقت مضى بأجندة موسكو.
وأوضحت الصحيفة أن مصالح مارسالِك المالية بدأت في ليبيا قبل نحو عقد عبر صداقة وثيقة جمعته برجل الأعمال الأمريكي جو بومان، الذي كان يستكشف فرصًا في شمال أفريقيا، من بينها مشروع للمدفوعات، قبل أن يقترح أحد المعارف إشراك مارسالِك في هذه المساعي.
وبحسب تقرير الصحيفة، سرعان ما اتسع اهتمام مارسالِك ليشمل مشاريع أكبر. ففي 2015، تواصل معه أحمد بن حليم، المصرفي المقيم في مايفير وابن رئيس وزراء ليبيا في خمسينيات القرن الماضي. كان بن حليم، الذي عاش في المنفى بعد انقلاب القذافي عام 1969، وأسس لاحقًا مجموعة ليبيا القابضة للاستثمار في بلده بعد سقوط النظام، يعرض حينها فرصة شراء ثلاثة مصانع إسمنت بأسعار منخفضة عقب إفلاس مالكها النمساوي السابق.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات