كشفت ثلاثة مصادر قضائية رفيعة عن استقالة النائب العام السابق ورئيس الدائرة الثانية إرهاب حاليًا، المستشار حمادة الصاوي، ونجله أحمد، من العمل بالقضاء، أمس الأربعاء، ومثولهما أمام هيئة الرقابة الإدارية لسماع أقوالهما في تحقيقات تُجريها تخص قضية فساد وقع في أثناء فترة عملهما بالنيابة العامة (الأول نائب عام والثاني عضو بالمكتب الفني)، والتي انتهت في سبتمبر الماضي.
ولم يتضح ما إذا كان سماع أقوالهما مرتبطًا بمواجهتهما اتهامات بارتكاب جريمة، أو على خلفية جرائم ارتُكبت في أثناء عملهما بالنيابة العامة دون تورطهما بحسب موقع «مدى مصر».
استقالة الصاوي ونجله جاءت بعد تحقيقات أجرتها «الرقابة الإدارية» مع عدد ممن عملوا إلى جانب الصاوي في النيابة العامة خلال الأيام الماضية، ومنحهم إجازة مفتوحة من العمل مع التنبيه عليهم بعدم مغادرة البلاد لحين انتهاء التحقيقات.
تهريب امولل
أنباء استقالة الصاوي ونجله فاجأت قطاعًا واسعًا من القضاة بعد تداول المعلومة بشكل واسع عبر الجروبات المغلقة لهم، بحسب نائب رئيس «النقض»، خصوصًا أنها تزامنت مع استقالة نائب لرئيس محكمة النقض (يتحفظ «مدى مصر» على نشر اسمه)، بعد استيقافه من قبل سلطات مطار القاهرة قبل أيام، خلال توجهه إلى الكويت، حيث يعمل قاضيًا بمحكمة التمييز هناك على سبيل الإعارة، وبحوزته مليون و200 ألف جنيه مهربة داخل «سندويتشات شاورما» في حقيبة السفر.
واحتجزت الأجهزة الأمنية المستشار وحققت معه في أسباب حيازته للمبلغ مهربًا في شنطة سفره بالمخالفة لقانون البنك المركزي الذي يجرم السفر بأكثر من خمسة آلاف جنيه مصري، وذلك قبل أن تنتهي التحقيقات إلى مصادرة المبلغ المضبوط وإخلاء سبيله بكفالة 200 ألف جنيه، بحسب المصدرين، اللذين أوضحا أن استقالة المستشار بعد استيقافه تبعها سفره إلى الكويت.
لكن أحد المصادر الثلاثة أكد أن استقالة الصاوي ونجله لا ترتبط بواقعة المستشار.
وكان عبد الفتاح السيسي، عيّن الصاوي (63 عامًا) نائبًا عامًا في 19 سبتمبر 2019، لمدة أربع سنوات انتهت في 18 سبتمبر 2023، فيما كان يتبقى له وقتها ثمان سنوات على بلوغ سن التقاعد (70).
وعاد الصاوي بعد انتهاء عمله بالنيابة العامة إلى محكمة استئناف القاهرة التي كان يعمل بها من قبل، وقرر رئيسها، المستشار محمد عامر جادو، في الأول من نوفمبر الماضي تعيينه رئيسًا للدائرة الثانية إرهاب بمحكمة أمن الدولة العليا.
غير أن ترؤس الصاوي لإحدى دوائر الإرهاب كان يحمل الكثير من علامات الاستفهام وقتها، خصوصًا بعدما أعلنت المحكمة الدستورية العليا قبل نحو أسبوعين من نهاية فترة ترؤس الصاوي للنيابة العامة، موافقة الجمعية العامة للمحكمة على تعيينه عضوًا بالمحكمة الدستورية ورفع القرار إلى رئيس الجمهورية للتصديق عليه.
واستمر قضاة المحكمة الدستورية العليا في التأكيد على هذا التعيين حتى نوفمبر الماضي.
وقال المتحدث باسم المحكمة، المستشار محمود غنيم، لـ«مدى مصر» إن ترؤس الصاوي للدائرة الثانية إرهاب بمحكمة جنايات أمن الدولة العليا هو أمر مؤقت لحين إصدار السيسي قرارًا تنفيذيًا بتعيينه عضوًا بالمحكمة الدستورية العليا.
وأوضح غنيم لـ«مدى مصر» وقتها أن الجمعية العامة للمحكمة الدستورية وافقت بإجماع الآراء، في أول سبتمبر الماضي، على تعيين الصاوي عضوًا بها، ونائبًا لرئيسها، غير أن القرار الجمهوري الخاص بمصير الصاوي بعد خروجه من النيابة العامة لم يصدر إلا في 11 يناير الماضي، متضمنًا الإبقاء عليه في محكمة استئناف القاهرة في دوره العادي (بحسب ترتيب أقدميته في المحكمة قبل تعيينه نائبًا عامًا)، وذلك منذ اليوم التالي لانتهاء عمله في النيابة، مع اعتبار قرار الجمعية العامة للمحكمة الدستورية بتعيينه كأن لم يكن، دون إبداء أسباب.
أحد نواب رئيس محكمة النقض أوضح أن التراجع عن تعيين الصاوي في المحكمة الدستورية العليا وقتها جاء دون الكشف عن الأسباب. غير أن الأمر بدأ يتخذ منحى مختلفًا خلال الشهور الماضية بإعادة فتح قضية تورط فيها أحد أعضاء المكتب الفني للنيابة العامة قبل نهاية مدة الصاوي بشهرين، والذي اتُهم بالاستيلاء على تسعة ملايين جنيه قيمة مستخلصات أعمال شراء تابعة للنيابة العامة، وتلقيه رشى من أحد المقاولين في مجال التشييد والبناء، الذي تقدم بشكوى ضده اتهمه فيها بالتربح، بحسب المصدر نفسه.
ونشرت صحيفة المصري اليوم في 19 يوليو 2023 خبرًا (حُذف لاحقًا) بانتحار رئيس نيابة أشارت إليه بالحروف الأولى من اسمه «أ. س» قبل أن تتداول وسائل الإعلام صورة من قرار نيابة استئناف القاهرة بالتحفظ على جثته، متضمنة اسمه (أيمن سمير)، وهو رئيس نيابة أ بمركز المعلومات التابع للمكتب الفني للنيابة العامة.
ونقلت «المصري اليوم» وقتها عن مصادر قضائية لم تسمها أن سمير ألقى بنفسه من الطابق التاسع بمبنى النيابة في أثناء التحقيق معه بتهمة التربح والاستيلاء على المال العام، وتلقي رشى مالية من أحد المقاولين، بعدما تم القبض عليه بمطار القاهرة خلال سفره للخارج.
واشتهر الصاوي طوال مدة رئاسته للنيابة العامة باهتمامه الشديد بإخضاع مواقع التواصل الاجتماعي للرقابة، فاستحدث إدارة كاملة باسم «البيان والتوجيه والتواصل الاجتماعي» في مكتبه، للتفرغ لمتابعة تلك المواقع والتفاعل معها، والتي امتد عملها إلى رصد ما يتداول على تلك المواقع دون أي ضوابط تضمن عدم الاعتداء على الحرية الشخصية للمستخدمين، ما نتج عنه إطلاق يد النيابة في تحريك الدعاوى القضائية ضد أصحاب المنشورات التي تشتبه في مخالفتها للقوانين.
وفيما تنوعت المنشورات التي رصدتها النيابة العامة في عهد الصاوي بين الشؤون السياسية والدينية
وحدد النائب العام السابق «آداب استخدام» المواطنين لمواقع التواصل الاجتماعي. ونشرت النيابة العامة في عهده خطابًا موجهًا لأولياء الأمور، يحث على الأخلاق والفضيلة، وعمدت غالبية بياناتها، إلى بث رسائل معادية ومحذرة من خطر تلك المواقع التي وصفتها بأنها «في ظاهرها الرحمة وفي باطنها العذاب»، وأنها بمثابة «الحد الرابع للبلاد بعد الحدود البرية والجوية والبحرية».
واختتم الصاوي عمله في النيابة العامة في 16 سبتمبر الماضي بافتتاح أبنية إدارة الأرشيف الإلكتروني، وإدارة المضبوطات المتحفظ عليها، وإدارة نظم المعلومات والتحول الرقمي، ومركز بيانات النيابة العامة الجديد -بإدارة النيابات بمكتب النائب العام-، معلنًا انتهاء المرحلة الثانية من استراتيجية النيابة للتحول الرقمي، في حضور مسؤولين بينهم وزير العدل ونائب رئيس هيئة الرقابة الإدارية وآخرين.
وخلال الحفل، أوصى الصاوي زملاءه العاملين بالنيابة العامة بمناسبة انتهاء مسيرته معهم قائلًا «اتقوا الله في عملكم ورسالتكم، كونوا دومًا القدوة الحسنة لزملائكم وأعوانكم، أدوا أماناتكم بإخلاص ووفاء، كونوا مستحقين لخلافة الله في الأرض قضاة منصفين يطمئن الناس بكم وإليكم حتى تملأ الأرض عدلًا بكم».
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات