بسام ناصر يكتب: حينما تفارق «السننية» العقل المسلم

حينما تشتد الأزمات على المسلمين، وتحل بهم المصائب الكبرى، فإنهم يفزعون إلى الله بالدعاء طالبين منه سبحانه تفريج ما هم به، ودفع عدوان الأعداء عنهم، والرجاء بأن يكون سبحانه لهم معينا وناصرا ومؤيدا، فهم عباده المؤمنون، وحزبه المتقون، وإن تهلك هذه العصابة فلن يعبد في الأرض بعدها أبدا!.

بالطبع فإن ذاك النسق الإيماني الحاكم للعقل المسلم (على الأغلب)، يصدر عن سوء فهم وتصور لطبيعة العلاقة بين الفعل الإلهي والفعل البشري، ويقع في دائرة الغفلة عن السنن الكونية التي أقام الله نظام الكون عليها، وأن من طبيعة تلك السنن الثبات والعموم والاطراد، فهي سارية على جميع الخلق، ولا تحابي المسلمين على حساب الكافرين.

قد يكون تقرير المسائل الشرعية من الناحية النظرية أمرا واضحا، لكنه من حيث رسوخه كنسق حاكم في التفكير لا يكون كذلك، إذ يغفل غالب المسلمين عن منطق السنن والقوانين، التي ترتبط بها النتائج بمقدماتها ارتباطا وثيقا وشديدا، مع عدم تخلف تلك القوانين وخرمها لصالح المسلمين كما يقع الوهم في غالب الأحيان.

من المقرر عند العلماء ما قاله بعضهم «الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابا: نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية: قدح في الشرع، وإنما التوكل والرجاء معنى يتألف من موجب التوحيد، والعقل والشرع».

فمن الاعتقاد الراسخ أن الأسباب لا تفعل فعلها إلا بالله، وإن كانت تبدو في ظاهر الأمر أنها تفعل بذاتها بصفة مستقلة، وتخفى يد الله الفاعلة من ورائها، فيحسب المادي ذو الطبع الغليظ أنها متحركة بذاتها لثباتها وصرامتها وديمومتها واطرادها، وعدم تخلفها».

  وفي الوقت نفسه فإن الأسباب هي الطريق الموصلة لما يرومه العبد من ترتب نتائجها عليها، فيحسب المتدين برؤيته ليد الله الفاعلة أن الأسباب لا قيمة لها، فيفضي ذلك إلى محو الأسباب وإلغائها، والقدح في الشرع ذاته بسبب الإعراض عن الأسباب كطريق إجباري يوصل إلى ما يتطلع إليه المتدين من نتائج مرغوبة إليه.

وأمام ما يشيع من صور رجاء المسلمين فيما عند الله من نصر يرجونه من غير القيام بمقدماته المطلوبة، وعقد آمالهم على السماء لإحداث تغيير أحوالهم بأسباب غيبية خارقة، فثمة ما يدعو إلى التركيز المكثف على أنساق التفكير الديني المنتشرة بين المسلمين فيما يتعلق بإخضاع تلك الأنساق لمنطق السننية وقوانينها الصارمة التي لا تحابي أحدا.

تلك الأنساق الحاكمة للتفكير الديني يلزمها إعادة قراءة أحداث السيرة النبوية على ضوء السنن الكونية، فحادثة مثل الهجرة النبوية تظهر كيف أن الرسول عليه الصلاة والسلام أخذ بكل ما يستطيعه ويقدر عليه من الأسباب الممكنة والمقدور عليها، ثم توكل على الله، فكان الله له حافظا ومعينا وناصرا، ما يوجه المسلمين إلى أن نصر الله وتأييده يأتي بعد أن يستنفدوا ما يقدرون عليه من أسباب يقدرون على فعلها والقيام بها.

درس السنن الكونية، وعبرة القوانين التي أودعها الله في كونه وخلقه، كفيلة بتكوين عقلية المسلم تكوينا صحيحا، تمتزج فيه قوانين الشرع والعقل معا، فيعد لكل أمر عدته المطلوبة، ببذل كل ما يقدر عليه، ولا يقدم على فعل حتى يستنفد ما يتطلبه من إعداد وأخذ بالأسباب، بعدها يأتي التوكل على الله، والرجاء فيما عنده، ليكتمل قانون السننية، مستوفيا مقدماته الصحيحة، لينتظر المسلمون بعدها النتائج التي يتطلعون إليها ويرجون وقوعها.  

شاهد أيضاً

حزب الله يقصف تجمعين لقوات الاحتلال بالمسيرات

أعلن “حزب الله”، الأربعاء، تنفيذ هجومين استهدفا تجمعين لقوات إسرائيلية في جنوبي لبنان. وقال الحزب …