بعد 6 سنوات” شمال سيناء مقبرة جماعية وقرى أشباح.. والإرهاب ما زال مستمرًا

بعد تصاعد الصراع عام 2013، “الانقلاب العسكري على الرئيس المنتخب محمد مرسي”، تشهد سيناء حالة من العنف المتواصل، من قبل سلطات النظام المصري، تمثلت في اعتقال الآلاف من المدنيين واختفاء المئات وإجلاء عشرات آلاف السكان قسرًا أو فروا من منازلهم، وذلك في السنوات الست الماضية.

ويفتقد أهالي شمال سيناء منذ بدء الحرب على الإرهاب، أبسط مقومات الحياة. فالمعابر الأمنية الكثيرة تحرم الأهالي من حرية التحرك خارج المدينة، وإدخال المأكولات والمشروبات والبضائع إلى البلدة، ما تسبب في أزمة كبيرة لدى التجار وخسائر مهولة أثرت على الحالة الاقتصادية في المدينة، في ظل تفاقم أزمة نقص الوقود، وتصحّر الأراضي الزراعية الممتدة على مد البصر في شمال سيناء.

المدنيون العزّل هم ضحية هذه الحرب، التي انخرطوا فيها دون إرادتهم، وحرمتهم من الحياة وفرضت عليهم حصارًا يعانون منه بشكل يومي، حتى جعلت حياتهم تبدو بأنها ساحة حرب مفتوحة يتقاتل فيها الجميع على أرضهم ليحوّلوها إلى مقبرة جماعية.

الإرهاب مستمر.. رغم القوة الغاشمة للنظام

وكانت السلطات المصرية قد أطلقت ثلاث عمليات عسكرية منذ أيلول/ سبتمبر 2013، تلتها عملية ثانية في أيلول/ سبتمبر 2015 حملت اسم “حق الشهيد”، ثم العملية الشاملة سيناء 2018 في شباط/ فبراير من نفس العام والمستمرة إلى الآن، إلا العمليات الإرهابية ما زالت مستمرة.

ويعد تواصل العمليات العسكرية في شبه جزيرة سيناء، للعام السادس على التوالي منذ 2013، دون أفق أو زمن محدد لانتهائها، يثير تساؤلات حول استمرارها رغم الوعود الرسمية بقرب ذلك، وعودة الحياة إلى طبيعتها.

ورغم مزاعم النظام المصري، بالقضاء على بؤر الإرهاب، وتجمعات المسلحين، لا تزال سيناء خارج التغطية الإعلامية، ولا يسمح بالتصوير فيها، ولا يزال أهلها محاصرين، بين القوات العسكرية من جهة، والعناصر المسلحة من جهة أخرى.

وفي تشرين الثاني/ نوفمبر2017 كان رئيس سلطة الانقلاب، عبد الفتاح السيسي، قد أمهل قادة الجيش والشرطة، ثلاثة أشهر للقضاء على الإرهاب، باستخدام “القوة الغاشمة”، بعد أيام من سقوط 311 قتيلا وعشرات الجرحى في هجوم مسلح استهدف مسجد “الروضة” في مدينة بئر العبد.

سيناء.. قرى أشباح

وكانت مجلة ميدل إيست آي البريطانية قد نشرت صورًا، في فبراير الماضي، التقطتها الأقمار الصناعية تكشف كيف أصبحت المنطقة في شمال شبه جزيرة سيناء في مصر قاحلة بعدما تعرضت له من تجريف جراء قتال الجيش المصري ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

وتظهر صور الأقمار الصناعية، حال البلدات في شمال سيناء وقد تحولت إلى قرى أشباح، حيث تكتظ مجموعات من رقع الرماد التي تحيط بها بساتين الزيتون المقفرة. وأضحت هذه البلدات التي هجرها سكانها قاحلة بفعل آثار المسارات المدمرة للمركبات العسكرية، لا سيَّما أن المنطقة كانت خلال أكثر من خمس سنوات من الحرب بين الجيش المصري والمسلحين مغلقة في الأغلب أمام الغرباء، لكن صور الأقمار الصناعية تظهر كيف أن منطقة سيناء الشمالية أصبحت ممزقة بسبب القتال المستمر.

ويقول مراسل المجلة، إن المنازل في المنطقة تعرضت للهدم، وإن البيئة تعرضت للدمار، وإن القواعد العسكرية ونقاط التفتيش ابتلعت الأراضي. ويضيف أنه باستخدام هذه الصور والمقابلات مع السكان المحليين لوحظ أن منطقة شمال سيناء أصبحت أكثر عسكرة منذ 2013، وأن عدد سكانها انخفض بشكل كبير. ويشير إلى أنه تم طرد الآلاف من سكان رفح على الحدود مع قطاع غزة، ومن مدينتي الشيخ زويد والعريش.

وكانت معارك الجيش المصري في معظمها مع مقاتلين من البدو المحليين المتحالفين مع تنظيم الدولة، لكن العمليات العسكرية للجيش المصري تركت سكان سيناء وسط تبادل إطلاق النار. ويعيش سكان هذه المنطقة في حالة من الذعر وحظر التجول، في حين أجبر أكثر من عشرين ألف منهم على ترك منازلهم وأراضيهم.

صورة التقطت عبر الأقمار الصناعية نشرتها “ميدل إيست آي” تظهر شمال سيناء قبل وبعد العملية العسكرية.

جرائم ضد الإنسانية

وكانت “هيومان رايتس ووتش” قد وثقت، في تقريرها الصدار في مايو الماضي، كيف نفذ الجيش والشرطة المصريان اعتقالات تعسفية منتظمة وواسعة النطاق طالت حتى الأطفال، والإخفاء القسري والتعذيب والقتل خارج نطاق القضاء والعقاب الجماعي والإخلاءات القسرية، “وهي الانتهاكات التي حاولا إخفاءها من خلال فرض حظر فعلي على أي رصد مستقل”، بحسب المنظمة.

وأشار إلى احتمالية أن يكون الجيش قد شن أيضا هجمات جوية وبرية غير قانونية قتلت العديد من المدنيين -بمن فيهم أطفال- واستخدم ممتلكات مدنية لأغراض عسكرية، بالإضافة إلى تجنيد وتسليح وتوجيه مليشيات محلية تورطت في انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان مثل التعذيب والاعتقالات التعسفية، و”غالبا ما تستغل موقعها لتصفية حسابات شخصية”، وفقا لنص التقرير.

وعلى الجانب الآخر، أشار التقرير إلى قيام مئات المسلحين من تنظيم ولاية سيناء بقتل أو خطف وتعذيب المئات من السكان، مضيفا “أطلقوا النار أو قطعوا رؤوس الذين لا يتفقون مع آرائهم الدينية المتطرفة أو الذين يعتبرونهم متعاطفين مع الحكومة، وأعدموا عشرات الأسرى من قوات الأمن، وهي جريمة حرب”.

وقالت المنظمة إنه استنادا إلى الأبحاث التي أجريت لأجل هذا التقرير والأبحاث السابقة التي نشرتها هيومن رايتس ووتش عن الوضع في سيناء، وجد التقرير الحالي أن القتال في شمال سيناء يرقى على الأرجح إلى “نزاع مسلح غير دولي” الذي تنطبق عليه قوانين الحرب.

وأوضح التقرير أن شروط وصف حالة معينة بأنها “نزاع مسلح غير دولي” تشتمل على شدة وكثافة ومدة الأعمال العدائية، بالإضافة إلى امتلاك الأطراف المتحاربة تسلسلا قياديا واضحا.

وأكد تقرير المنظمة الدولية أن بعض الانتهاكات التي ارتكبتها القوات الحكومية ومسلحون -والتي يوثقها هذا التقرير- هي “جرائم حرب، ويمكن أن ترقى بها طبيعتها الواسعة والممنهجة إلى جرائم ضد الإنسانية”، مشددا على أن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لا تخضع لأي قانون تقادم، ويمكن مقاضاة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية أمام محاكم دولية.

ودعت هيومن رايتش ووتش الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى تعليق مساعداتها للجيش والشرطة المصريين طالما أنها ترتكب انتهاكات واسعة النطاق وجسيمة لحقوق الإنسان والقانون الإنساني وتتقاعس عن محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

وأكدت أن الحكومات التي تصدر حاليا الأسلحة إلى مصر -بما فيها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا- مسؤولة عن مراقبة كيفية استخدام الأسلحة التي تصدرها، مشيرة إلى أن هذه الدول عندما تواصل تقديم الأسلحة والمساعدات الأخرى -مع علمها أن هذا الدعم يسهم بشكل كبير في الانتهاكات الجسيمة- فإنها تخاطر أيضا بـ “التواطؤ في هذه الانتهاكات”.

سيناء وصفقة القرن

الخبير بالشأن السيناوي، أبو الفاتح الأخرسي، أكد أنه “خلال عام 2019 تجلت ملامح المشروع الصهيوني في شمال سيناء، بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية بدعوى محاربة الإرهاب، إضافة إلى سحق حقوق السيناويين وتهجيرهم”.

وقال لـ “عربي21”: “ترسخ تورط الجيش المصري في مستنقع سيناء، حيث دخلت العمليات المسلحة منطقة بئر العبد وتخطتها بعد أن كانت محصورة على الشريط الساحلي بين رفح والعريش، وهذا معناه أن الجيش فشل في مواجهة تنظيم ولاية سيناء والقضاء عليه، على الرغم من مشاركة الجانب الصهيوني بالجهد الاستخباراتي والقوات الجوية”.

ويضيف: “كما تجلت ملامح المشروع الصهيوني الخاص بصفقة القرن؛ فظهرت مشروعات الأنفاق بزعم توصيل مياه النيل لسيناء في الوقت الذي تعاني فيه البلاد من شح المياه، ومشروعات خاصة بالكهرباء وميناء بحري ومطار دولي بالعريش لجعل منطقة شمال شرق سيناء بديلا للفلسطينيين في قطاع غزة الذي يعاني من انفجار سكاني وبالتالي توجيهه للفناء الخلفي بمصر”.

وبيًن الأخرسي أن جعل الحياة غير قابلة للاستمرار في شمال سيناء “واضح في تدهور الخدمات، فلا تزال هناك صعوبات في تبادل السلع والوقود والاتصالات، ولا يسمح للصحفيين بالدخول ولا للمنظمات الحقوقية بالوصول إليها، إلا لخدمة بعض الحملات الإعلامية الترويجية”.

تراجعت ولم تنته

ويرى الباحث في شؤون الجماعات المسلحة، أحمد مولانا، أن نشاط الجماعات المسلحة في عام 2019 تراجع ولكنه لم ينته، قائلا: “خلال العام الأخير تراجع معدل العمليات المسلحة في سيناء بمعدل 65 بالمئة مقارنة بما كان الوضع عليه قبل 3 سنوات، حيث نفذ تنظيم ولاية سيناء 228 عملية فقط”.

وفي حديثه لـ “عربي21” عزا مولانا استمرار نشاط التنظيم “إلى قدرته على التكيف مع الإجراءات الأمنية المضادة التي ضيقت على التنظيم وأحدثت تراجعا في زخم وقوة عملياته، ما يعني كذلك أن التنظيم مازال قادرا على شن هجمات”.

وأوضح: “كما أنه خلال العام 2019 نفذ التنظيم العديد من العمليات في منطقة بئر العبد بوتيرة أكبر من السنوات السابقة، وبالتوازي مع ذلك أسفرت عمليات الجيش عن مقتل العديد من المدنيين في بئر العبد مثلما حدث في مجزرة تفاحة”.

واختتم حديثه بالقول: “يمكن القول بأن قوة التنظيم تراجعت لكنه لم ينته”

شاهد أيضاً

حماس تقدم مقترحا جديدا بعد خلافات حول سلاح المقاومة بمفاوضات القاهرة

كشفت مصادر فلسطينية مشاركة في اجتماعات الفصائل في القاهرة مع الوسطاء في مصر وقطر وتركيا، …