«بوليتيكو»: مذبحة الأمراء تنهي توازن السلطة في السعودية

تناولت صحيفة “بوليتيكو” الأمريكية الشأن السعودي الراهن, وبخاصة بعد مذبحة الأمراء وقالت إن إبعاد الأمير متعب بن عبد الله عن قيادة الحرس الوطني أدى إلى القضاء على آخر مصادر السلطة المستقلة المتبقية في المملكة، بالإضافة إلى اعتقال ما لا يقل عن 11 من أفراد الأسرة الحاكمة، وعشرات آخرين من بينهم وزراء في الحكومة ووزراء سابقين وشخصيات رئيسية في مجتمع الأعمال.
هذه الاعتقالات، تعد جزءا من حملة واسعة النطاق ضد الفساد حسبما أعلن، وهي آخر حلقة من سلسلة من التحركات الجريئة التي قام بها ولي العهد محمد بن سلمان، وهي خطوات لم يسبق لها مثيل في التاريخ السعودي الحديث، لكن ولي العهد يخاطر بإضعاف الضوابط والتوازنات التي ميزت عقودًا من حكم العائلة المالكة في السعودية.
وقد شملت الاعتقالات اثنين من أبناء الملك السابق عبد الله, هما متعب وتركي، والوليد بن طلال؛ الملياردير الذي يستثمر في “تويتر” و”أبل” و”سيتي جروب”، وعشرات من العلامات التجارية العالمية الأخرى، وصالح كامل؛ الملياردير الآخر الذي ترأس واحدة من أكبر تكتلات الأعمال في الشرق الأوسط، وعادل فقيه؛ الذي كان وزيرا للاقتصاد والتخطيط، والمشارك الوثيق في الأعمال التحضيرية لخطة التحول الاقتصادي الطموحة «رؤية 2030» في السعودية، وإبراهيم العساف؛ الذي خدم 20 عاما وزيرًا للمالية حتى عام 2016، وعمرو الدباغ؛ الذي كان رئيسا للهيئة العامة للاستثمار بين عامي 2004 و2012، والذي نجح في زيادة الاستثمار الأجنبي في البلاد، وخالد التويجري؛ حاجب الملك المؤثر بشكل كبير على الديوان الملكي في عهد الملك عبد الله، ووليد الإبراهيم؛ رئيس إمبراطورية إم بي سي الإعلامية، وشقيق زوجة الملك الأسبق فهد، وبكر بن لادن؛ رئيس مجموعة بن لادن السعودية، الأخ الأكبر غير الشقيق لزعيم تنظيم القاعدة؛ أسامة بن لادن.
ومن غير المحتمل أن تكون الاعتقالات مرتبطة بأي صراع من أجل السلطة داخل الأسرة المالكة، حيث عزز محمد بن سلمان سلطته بالفعل بتعيينه وليا للعهد بدلا من ابن عمه الأكبر سنا والأكثر خبرة، محمد بن نايف، في يونيو الماضي.
وكانت إحدى مهام بن سلمان الأولى كوريث للعرش نقل جميع مهام الأمن الداخلي بعيدا عن وزارة الداخلية إلى رئاسة مستحدثة لأمن الدولة تخضع له.
وقد أطاح بذلك، من المشهد الأمني، بأحد الكيانين اللذين كانا يوازنان السلطة مع وزارة الدفاع التي يرأسها هو نفسه منذ يناير 2015).
وكان الكيان الآخر هو الحرس الوطني، الذي كان يسيطر عليه الأمير عبد الله (الملك فيما بعد) منذ عام 1962، ومن بعده ابنه متعب منذ عام 2011.
وكان هذا الكيان يعتبر قوة النخبة التي من شأنها تهدئة أي اضطرابات داخلية.
والآن، لدى محمد بن سلمان الفرصة، لأول مرة، لتوحيد الهياكل العسكرية والأمنية المتباينة في المملكة تحت سيطرته، وتعزيز قبضته على السلطة.
نهاية التوازن
ولم تكن تلك المرة الأولى التي يتخذ فيها ولي العهد خطوات جريئة، حيث أصبحت مثل تلك التحركات المفاجئة المثيرة للدهشة السمة المميزة لصعوده السريع.
ومع ذلك، قد يعني تركيز السلطة في يد فرد واحد انتهاء عقود من التوازن الدقيق من توافق الآراء والتوازن بين المصالح المتنافسة داخل الأسرة المالكة والمجتمع السعودي ككل.
ومنذ تأسيس المملكة العربية السعودية عام 1932، وخاصة بعد صعود ولي العهد (الملك لاحقا) فيصل في الستينات، سعت العائلة المالكة إلى نهج عملي وتدريجي للتغيير الاجتماعي والسياسي.
وقد ساعد ذلك في تخفيف أثر التحديث الاقتصادي وتوجيه المملكة خلال فترات من التوتر الداخلي الكبير، مثل استيلاء أتباع جهيمان على المسجد الحرام، والحملة ضد الإرهاب ما بعد عام 2003.
كان ذلك يمثل إدراكا براجماتيا لمراكز الجاذبية القوية داخل الأسرة المالكة، التي كانت بمثابة حاجز ضد الممارسة غير المقيدة للسلطة من قبل أي فرد.
وفي قلب هذا التوازن الدقيق، كان هناك حاكم الرياض لفترة طويلة؛ الملك الحالي «سلمان»، الذي كان حارس السجلات الداخلية للأسرة, الذي يفرض الانضباط على أداء الواجبات.
وكان سلمان أيضا آخر الملوك من جيل «بناة الدولة»، الذين سيطروا على الحياة العامة في المملكة منذ الخمسينات.
ومع دور «سلمان» داخل النظام الملكي، اكتسب الاحترام والهيبة بين أقرانه في الأسرة، وقد يسعى محمد بن سلمان إلى اكتساب هذه الصفات لنفسه، لضمان أن يحل محل والده كمدير بلا منازع لشؤون الأسرة، ويتجنب أي فراغ قد يُفتح بمجرد أن يرحل الرجل الذي كان يدير النظام لعقود.
ولأنه لا يزال في الثانية والثلاثين من عمره، قد يحكم محمد بن سلمان المملكة لعقود، وربما يدوم حكمه 51 عاما مثل جده، عبد العزيز، الذي وحد المملكة بين عامي 1902 و1932، وظل ملكا حتى وفاته عام 1953.
وقد تنقلت السلطة منذ وفاة عبد العزيز بين العديد من أبنائه، مما أدى إلى خلافة ملوك زاد عمرهم بشكل مطرد.
وعلى عكس أسلافه، سيكون محمد بن سلمان في السلطة في وقت لا تستطيع فيه عائدات النفط وحدها الحفاظ على أنماط توزيع الثروة التي دعمت الاستقرار السياسي لعقود.
ولذلك، فهو يدرك تماما أن المملكة بحاجة إلى تنويع اقتصادها، وقد طرح برنامجه «رؤية 2030»، التي تهدف إلى الاستفادة من عائدات النفط كعامل حفز لبرنامج بعيد المدى، وإن لم يكن محددا، للإصلاح الاقتصادي.
وكان الهدف من “مبادرة الاستثمارات المستقبلية” التي عقدت في الرياض، في 24 إلى 26 أكتوبر، أن تمثل رمزا للتحول الذي بدأ في المملكة أمام الآلاف من قادة الأعمال والسياسيين من جميع أنحاء العالم، الذين حضروا للاستماع إلى خطط «مدينة روبوتات» متكاملة، مع سابقة تتمثل في منح الجنسية السعودية لروبوت.
وبعد أقل من أسبوعين، يجد بعض الشخصيات البارزة في فئة رجال الأعمال السعوديين، الذين حضروا مبادرة الاستثمار في المستقبل، أنفسهم محتجزين بشكل مثير للسخرية، في نفس الفندق الفاخر؛ فندق ريتز كارلتون، حيث عقدت فيه العديد من الجلسات العامة.
ومن المرجح أن يؤدي التطهير المفاجئ الذي استهدف العديد من رجال الأعمال المعترف بهم دوليا، ممن لهم شراكات عالمية، إلى زيادة المخاطر السياسية المرتبطة بممارسة الأعمال التجارية في المملكة، الأمر الذي يهز ثقة المستثمرين الدوليين أكثر من أي وقت مضى، في الفترة التي تسبق الاكتتاب العام الجزئي لشركة أرامكو.
وبالنسبة للرئيس الأمريكي ترامب ودائرته الداخلية، الذين أقاموا علاقات وثيقة مع بن سلمان منذ توليه منصبه في يناير، من المرجح أنه سيضاعف الجهود لإقناع السعوديين بطرح أسهم أرامكو في بورصة نيويورك.
ومع ذلك، فإن النتيجة الأكثر ترجيحا في المشهد الحالي أن يستخدم محمد بن سلمان سلطته لتصعيد الحرب في اليمن، في انتظار رده على صاروخ أطلقه المتمردون الحوثيون فوق الرياض وتم اعتراضه، وهو تحرك يقرب بشكل خطير المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …