في ملف حالة حقوق الإنسان في مصر, يصف حقوقيون حالة السجون بعد تعديل لائحة سجون الداخلية بأنها “كارثية”, وهي تقنن الانتهاكات الواقعة بالفعل، ومما يزيد الحالة المصرية ترديا وتراجعا مقلقا, الدعم الأمريكي اللامحدود لسلطات الإنقلاب ودخول شركات بريطانية لغسل سمعته.
التعديلات “الكارثية” تقرر تمديد فترات الحجز الانفرادي، وتوسع حق إدارات السجون في منع الزيارات، وضرورة حصول المجلس القومي لحقوق الإنسان على تصريح من الوزارة قبل زيارة أي سجن، كما تتضمن الحق في استخدام العنف المتدرج مع السجناء.
أربع تعديلات على مواد اللائحة الداخلية للسجون في مصر، أقرها وزير الداخلية اللواء مجدي عبد الغفار، منذ أيام، تحمل المزيد من إجراءات التعسف والقمع ضد المحبوسين، وصولا إلى تقنين انتهاكات وجرائم ترتكب بحقهم.
تعديلات القرار جاءت تحت رقم 344 لسنة 2017، وتقضي بتعديل بعض مواد اللائحة الداخلية للسجون، شملت استبدال أربع مواد من اللائحة، أخطرها مادة الحبس الانفرادي، التي نصت على «يكون من حق السجن توقيع عقوبة الوضع بغرفة خاصة شديدة الحراسة علي المسجون تتوافر فيها الشروط الصحية لمدة لا تزيد على ستة أشهر» بعدما كانت 15 يوما فقط.
ومن الحالات التي يجوز فيها تطبيق تلك العقوبة على المساجين، إحراز أشياء يحتمل حصول أذى منها للغير أو لأمن السجن، وإشعال النار داخل غرف السجن، وإتلاف شيء من محتويات السجن، وارتكاب أي أفعال من شأنها الإخلال بأمن السجن.
عوائق لائحية
ورغم أن المادة 76 من لائحة السجون أجازت زيارة أعضاء المجلس القومي لحقوق الإنسان للسجن وتفقد مرافقه، فإن الحقوقي عزت غنيم يعتقد أنها وضعت عوائق تمنع تنفيذ الزيارة, وتجيز لمصلحة السجون منع الزيارات أصلاً لسجن ما أو مسجون معين وفي أوقات معينة.
وأضاف أن اللائحة وضعت من العراقيل ما يجعل تفتيش المجلس القومي لحقوق الإنسان على السجون بلا معنى، وتحيل السجون لأماكن محظور دخولها إلا بإذن القائمين عليها.
وأكد غنيم على أن المادة 81 مكرر مكنّت إدارات السجون من استعمال القوة ضد المسجونين، بالنص على «استعمالها بالقدر وفي الحدود الضرورية»!
ويصف غنيم المادة بأنها كارثية بكل تأكيد، فعناصر استخدام القوة المذكورة بترتيبها الذي يصل لإتاحة استخدام قنابل الغاز داخل العنابر، تصلح مع تظاهرات في مناطق مفتوحة لا سجون وزنازين مغلقة.
أما فيما يتعلق بالمادة 82 من اللائحة، فرأى أنها «رفعت الحد الأقصى للحبس الانفرادي من ثلاثين يومًا إلي 6 أشهر، وجعلت الحبس الانفرادي نفسه عقوبة، وهي مخالفة قانونية خطيرة» مشيرًا إلى أنه لا يجوز تطبيق أي عقوبة إلا بنص قانوني واضح، وهذه اللائحة ليست قانونًا، فضلًا عن أنها مخالفة لقواعد (مانديلا) الخاصة بالسجون أو المعايير الدنيا للسجون التي أصدرتها الأمم المتحدة.
مخالفة الدستور
واعتبر الحقوقي أسامة ناصف أن ما أصدرته وزارة الداخلية هو تعديل تضمن نصوصا خطيرة قُصد بها تقنين ما تقوم به السجون فعليا من انتهاكات بحق المعتقلين.
وتابع: «التعديل أطلق يد إدارة السجن في عقوبة المحكوم عليه بالحبس الانفرادي، وجعل لها مظلة تبدو قانونية، في حين تمارس الإدارة هذه الانتهاكات منذ فترة بحق السجناء المحكومين، بل وتعدته ليشمل المحبوسين احتياطيا، كما منحت التعديلات الإدارة الحق في منع الزيارة، وظللتها بمشروعية».
وباعتقاد ناصف فإن هذه التعديلات تقنن الانتهاكات، وتخالف الدستور الذي يقرر أنه لا يجوز إنزال عقوبة بشخص ما إلا بموجب محاكمة، كما يقرر الدستور أيضا أن المعتقل يحق له القيام بالتريض وتلقي الملابس والعلاج والغطاء والتعليم، وكلها حقوق متوقفة على تمكن أسرة المعتقل من زيارته التي تعرقلها اللائحة الجديدة.
واعتبر ناصف أن «تقنين التعديلات لاستخدام العنف ضد المعتقلين يتنافى مع ما قرره الدستور والقانون والاتفاقيات الدولية من كون السجن مكانا للتأهيل والإصلاح وليس لإنزال عقاب فوق العقاب بناءً على قرار إدارة السجن دون سبب أو مبرر ودون محاكمة عادلة منصفة».
وتعد هذه المادة تقنينا لما يسمى بـ«فرقة التأديب»، وهي غرفة كان يقتصر وجودها على الليمانات فقط وليس كل السجون، أما بعد التعديل فقد تغير الاسم ليكون «الغرف شديدة الحراسة»، كما أنه طبقا للتعديل لم يعد وجود هذه الغرفة قاصرًا على الليمانات التي يودع فيها المحكومون بأحكام مشددة، وهو ما يعني السماح بالحبس الانفرادي في كل السجون لمدة 6 أشهر، بدلًا من 15 يومًا فقط في السجون شديدة الحراسة كما كان الوضع سابقًا.
أمريكا تدعم الانتهاكات
موقع “فوربس” الأمركي نقل في تقرير له رأي مكتب المحاسبة الأمريكي الصادر في 12 مايو 2016 أن الحكومة الأمريكية تجاهلت بشكل تام انتهاكات حقوق الإنسان الواسعة في مصر، وذلك بمنح مصر مساعدات تقدر بنحو ست مليارات ونصف المليار دولار في الفترة ما بين عامي 2011 و2015 بما يخالف القانون.
وأثبت التقرير فشل نظام المساعدات الأمريكي في الامتثال للقوانين التي تقضي بعدم منح مساعدات للبلدان التي تنتهك حقوق الإنسان، فتغاضى عن الانتهاكات التي تقوم بها وزارة الداخلية المصرية في الفترة الأخيرة.
ويكشف التقرير المكون من 77 صفحة كيف أن الولايات المتحدة تغض الطرف عن انتهاكات نظام السيسي الحالية بحق المتظاهرين السلميين وجماعات حقوق الإنسان، وسعي أجهزة الأمن المصرية إلى التغطية على جريمة تعذيب وقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني.
ويحظر قانون المساعدات الأمريكي، المعروف باسم «قانون ليهي»، منح مساعدات لمن يثبت عليهم انتهاك حقوق الإنسان. وقد أظهرت قاعدة بيانات السفارة الأمريكية في القاهرة، التي فحصها المكتب عن الأطراف ذات الصلة، اسم وزارة الداخلية وشرطة القاهرة من بين من تلقوا المساعدات.
ويقول التقرير إنه على الرغم من حجم الانتهاكات، فقد اتبع النظام عدة طرق لإيصال المساعدات إلى الحكومة, و«في استقصاء تلا تسليم أدوات مكافحة شغب إلى وزارة الداخلية المصرية، تحاشت الحكومة المصرية الرد على أسئلة وزارة الخارجية الأمريكية»، مع تنامي علمهم بأن نظام السيسي يستخدم أدوات مكافحة الشغب في قمع المظاهرات السلمية.
ويشير إلى أن الولايات المتحدة كانت أكثر صرامة مع حكومة مرسي، وقد أشار مكتب المحاسبة إلى أن نظام المساعدات لم يرفض أي حالة تخص الفترة التي تلت الإطاحة بالرئيس مرسي, ويتعجب التقرير من تلك البيانات ويتساءل هل هي تخص نفس الدولة التي انتهكت حقوق الإنسان وقتلت ريجيني؟
واستخلص مكتب المحاسبة نتيجة صادمة وهي أن كلاً من وزارتي الدفاع والخارجية الأمريكيتين لم تمتثلا لسياساتهما فيما يخص انتهاكات حقوق الإنسان.
وقال المكتب إن وزارة الخارجية تعمدت عرقلة عمله حول كشف مدى الإهمال في تطبيق القانون، كما تقاعست السفارة الأمريكية في القاهرة عن واجبها ببناء قاعدة بيانات بالأطراف التي تنتهك حقوق الإنسان في مصر.
ويختتم التقرير بقوله: «إن لدى حكومة أمريكا ضعفًا في التوثيق. فلم توثق سفارتنا في القاهرة إلا القليل عن المسؤولين المصريين الذين انتهكوا حقوق الإنسان منذ 2011»، ويبدو أن السفارة تتخلص من تلك البيانات الحساسة.
وشركة بريطانية للتبييض
وتقف شركة «WPP» البريطانية المتخصصة في “التلميع” و”التبييض” للقيام بـ«تبييض» سجل مصر بالغ السوء في مجال حقوق الإنسان.
الشركة التي يقع مقرها الرئيسي في بريطانيا وأسسها السير «مارتن سوريل»، لعبت دورا كبيرا وفقا لوثيقة دراسة حالة تم نشرها على موقع الشركة، بعد انتهاء تنظيمها للمؤتمر الاقتصادي في شرم الشيخ 2015، حيث أسفر المؤتمر عن إعادة تقديم مصر بحلة جديدة إلى العالم إضافة إلى محاولة بعث الثقة في نظام عبد الفتاح السيسي، الذي انقلب على الرئيس محمد مرسي في عام 2013.
وتحت عنوان ما تعتبره الشركة «دلائل نجاح الحملة» أوردت الوثيقة عدة نقاط، وتوضح كيف تم تسليط أضواء وسائل الإعلام على المؤتمر بعد أن كانت تركز سلفا على الحملة التي تقودها مصر ضد المعارضة.
وتشير تعليقات «WPP» أنها عملت على صرف الانتباه عن جدول الأعمال «السياسي» في مصر الذي غلب عليه خلال الأعوام الماضية حملات قمع وحشية ضد المعارضة مع المئات من أحكام الإعدام ضد المحتجين والمعارضين السياسيين، وفقا لـ«دونالد كامبل» مسؤول الاتصالات في مجموعة حقوق الإنسان «ريبريف».
وأضاف «كامبل»:«نأمل أن السير مارتن سيجعل من الواضح أنه ينظر إلى أن المعاملة الوحشية للحكومة المصرية تجاه المعارضين السياسيين والمحتجزين على ذمة مشاركتهم في الاحتجاجات أمر غير مقبول تماما».
يذكر أن رئيس الانقلاب في مصر؛ عبدالفتاح السيسي، قال “إنه لا يمكن قياس مستوى حقوق الإنسان في مصر حسب المعايير الأوروبية” بحسب ما صرح به في مؤتمر صحفي مطلع عام 2016 مع الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات