فارق كبير بين الأنظمة السياسية “الهشة”.. ومرض “هشاشة” العظام.
الحالة الأولى تستنفر كوامن الشر لدى النظام لمحاربة أصحاب تغريدات موجعة بحقهم رغم أن حروفها لا تتجاوز الأربعين بعد المائة فيزج بهم في سجون “ما وراء الشمس”، والأخرى تستنفر كوامن الخير ومصادر القوة لدى الجسد لتمنحه مزيدا من القدرة على البقاء أطول فترة ممكنة بين الأصحاء، بفضل التعرض لأشعة الشمس!
مع إشراقة شمس كل يوم تدين محكمة هنا أو هناك حُرًا تحلى بالشجاعة وطلب أن يخرج من القمقم ويتعرض للشمس ويتنسم هواء الحرية المفتقد على طول وعرض مجتمعاتنا، لكن “تويتات” المغردين باتت مؤرقة لدرجة أن تدين محكمة جزائية متخصصة في الرياض داعية شهيراً، بتهمة تورطه في إعداد وإرسال ما رأت أنه «من شأنه المساس بالنظام العام»، إثر كتابته تغريدات في موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» قالت إنها لا تخلو من إثارة للرأي العام وتأثير في ترابط المجتمع مع قيادته وفي علاقة هذه الدولة مع الدول الأخرى, كما قررت المحكمة تعزير الداعية بتغريمه 100 ألف ريال، وإغلاق حسابه في موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، ومنعه من الكتابة فيه.
وبينما توصد أبواب وسائل الإعلام التقليدية؛ المقروءة والمسموعة والمرئية أمام فرصة التعبير عن الرأي, لا يجد أصحاب الرأي أمامهم سوى وسائل التواصل الاجتماعي, لكن هذه أيضًا أصبحت ملاحقة.
وحتى في الدول التي مورست فيها حرية الرأي, ولو كانت مقيدة, كمصر, عادت بعد الانقلاب العسكري للخضوع للأذرع الإعلامية للسلطة فيما تجرى محاولات أخرى لإغلاق الفضاء الإلكتروني والانضمام لحالة الكبت العربي السائد.
وفي استعراض سريع لأبرز وأحدث قضايا التغريدات في الإمارات والسعودية على سبيل المثال نرصد التالي:
الإمارات
محكمة في أبوظبي أدانت تيسير النجار؛ الصحفي الأردني المقيم في الإمارات بالسجن لمدة ثلاث سنوات وتغريمه غرامة 500 ألف درهم (137 ألف دولار)، وإبعاده عن الإمارات بعد انتهاء مدة محكوميته ومصادرة الأجهزة المستخدمة، وإغلاق حساباته عبر «مواقع التواصل» بتهمة إهانة رموز الدولة.
كل هذا لماذا؟ لأن تيسير عبّر عن رأيه وحرر تدوينة من وطنه الأردن قبل سفره للعمل في الإمارات بأكثر من عام قال فيها: «لا يوجد حقان أبداً في قضية واحدة، إنما هو حق واحد، وهو المقاومة الغزية، وما عداها فهو باطل كإسرائيل والإمارات والسيسي وغيرها من الأنظمة التي لم تعد تخجل حتى من الخجل نفسه»، فأصدرت محكمة أمن الدولة في أبوظبي الأربعاء 15 مارس 2017 حكمها السابق .
«هيومن رايتس ووتش» طالبت في وقت سابق السلطات الإماراتية، بالإفراج عن الصحفي الأردني, وقالت: «يبدو أن تيسير النجار اعتُقل بسبب 3 تعليقات على فيسبوك انتقد فيها مصر و(إسرائيل) ودول الخليج».
وقال جو ستورك، نائب مديرة قسم الشرق الأوسط في المنظمة إنه «على الإمارات الإفراج عن تيسير النجار فورا، وعلى السلطات الأردنية الدعوة إلى ذلك بشكل علني، مع ضمان احترام حقوقه».
وأضاف: «ليس هناك من يبرّر الزّج بصحفي أو أي شخص آخر في السجن بسبب التعبير عن آرائه».
حالات أخرى سبقته
كما رفضت السلطات الإماراتية، الإفراج عن مواطنها الشاب «أسامه النجار» المعتقل في السجون الإماراتية ، بدعوى أنه يمثل خطرا على البلاد، وقررت النيابة، بحسب «المركز الدولي للعدالة»، استمرار احتجازه، وإيداعه للمناصحة دون تحديد مدة لذلك، في سابقة حقوقية لم تشهدها من قبل محاكمات الإصلاحين (على الشحي ومن قبله عبدالله الحديدي) .
«النجار»، معتقل منذ 3 سنوات، إثر تغريدة على مواقع التواصل الاجتماعي في إطار حرية التعبير والدفاع المشروع إزاء الانتهاكات المرتكبة في حق والده وأسرته.
وبحسب «مركز الإمارات لحقوق الإنسان»، تعتبر قضية المهندس الإماراتي «النجار»، واحدة من أبرز وجوه انتهاكات السلطات الإماراتية لحقوق الإنسان وحقوق المعتقلين؛ «إذ أن أسامة واجه حكماً بالسجن لمدة 3 سنوات في 25 نوفمبر 2014، وحكمت محكمة أمن الدولة في المحكمة الاتحادية العليا في أبوظبي عليه بغرامة قدرها 500 ألف درهم إماراتي، وهو حكم لم يكن فيه أي فرصة للطعن والاستئناف، وكل ذلك بسبب دفاعه عن والده في تغريداته عبر (تويتر)» .
وأوضح في تقرير نشره على موقعه الإلكتروني قبل أيام، أن السلطات الإماراتية وجهت لـ«حسين النجار»، والد «أسامة»، مع العشرات من المعتقلين تهمة الانضمام لدعوة «الإصلاح» ذات الطابع الاجتماعي والدعوي، والتي تعتبرها الحكومة «جماعة معارضة»، رغم أنها تعمل بترخيص من الدولة منذ عام 1974 تحت مظلة «جمعية الإصلاح والتوجيه الاجتماعي» ثم بعد ذلك تم تصنيفها ضمن «المنظمات والجماعات الإرهابية» في القائمة التي أصدرتها الإمارات عام 2014؛ وتم الحكم عليه بعشر سنوات ضمن مجموعة تتكون من 94 شخصًا في القضية المشهورة إعلاميًا بقضيّة «الإمارات 94» في منتصف 2013 بتهم ملفقة منها «محاولة قلب نظام الحكم»، وأدانتهم بالسجن لمدد تترواح بين 7 و 15 سنة ، ثم الحكم بسنة اخرى في قضية ما يسمى بـ “الخلية الإماراتية المصرية” التي أدين فيها ثلاثون متهما بينهم عشرة من أبناء الإمارات متهمون في القضية السابقة؛ «الإمارات 94» والعشرون الباقون من المصريين المقيمين في الإمارات.
وكان «النجار» قد غرد في 16 مارس 2014 قائلا: «نحن يا صاحب السمو، لا نحقد علي أوطاننا ولا ننسي ظلما ظُلمناه ولو نسته أمهاتنا. لأبي فى أعناق من ظلمه 20 شهرا من السجن والتضييق»، وذلك ردا علي خطاب حاكم الشارقة لأسر المعتقلين السياسيين عبر إذاعة الشارقة، الذي قال فيه «ينبغي عليكم عدم تعبئة أبنائكم بكراهية بلدهم».
وعكف «النجار» قبل اعتقاله علي المطالبة بتحسين أوضاع السجون وقام بنشر معلومات عن سوء المعاملة في الاحتجاز عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كما ظهر على شاشات التلفزيون وتحدث علنا حول قضية الامارات 94 الشهيرة
السعودية
قضت المحكمة الجزائية المتخصصة في العاصمة السعودية الرياض الخميس الماضي؛ 16/3/2017 بتغريم الداعية عوض القرني بدفع مبلغ 100 ألف ريال (نحو 27 ألف دولار) وإغلاق حسابه على موقع «تويتر» ومنعه من الكتابة في الموقع، فيما ردت المحكمة طلب المدعي العام تطبيق الأمر الملكي رقم أ/44 بتاريخ 3-4-1435هـ بالسجن لفترة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد على 20 سنة لمن شارك في أعمال قتالية أو انتمى إلى تيارات متطرفة، ورأت المحكمة «عدم ثبوت موجبه»، كما ردت طلب الحكم بمنعه من السفر للسبب ذاته.
ووفق صحيفة «عكاظ» السعودية، فإنه ثبت لدى المحكمة إدانة القرني بإعداد وإرسال ما من شأنه المساس بالنظام العام من خلال كتابته تغريدات في «تويتر», عبر حسابه, لا تخلو من إثارة للرأي العام وتأثير على ترابط المجتمع مع قيادته وتأثير على علاقة الدولة مع الدول الأخرى.
وأوضحت الصحيفة أن القرني يحاكم وهو مطلق السراح، مشيرة إلى أن حسابه على «تويتر» يتابعه أكثر من مليوني شخص.
وواجه القرني اتهامات بـ«التلفظ على رجالات الدولة السعودية، والتدخل في الشؤون الداخلية لدول عربية»، في إشارة إلى دفاعه عن «جماعة الإخوان المسلمين» ورفض ما يحدث لها في مصر.
حالات أخرى
كما أصدرت المحكمة الجزائية بالدمام حكما بالسجن لعام واحد والغرامة بـ30 ألف ريال على أحد المغردين، لإطلاقه وسم يطالب بإسقاط الولاية عن المرأة، ووضع ملصقات بعدد من المواقع تدعو لذلك.
ووُجهت له اتهامات بـ«مخالفة نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية، وفتح حسابات لنشر صور إباحية على موقع التواصل الاجتماعي، وإطلاق وسم “سعوديات نطالب بإسقاط الولاية”، ووضع ملصقات تدعو لذلك في سبعة مواقع بالأحساء باللغتين العربية والإنجليزية، بعد أن ضبطته دورية أمنية أثناء وضعه الملصقات» .
من جانبه، أقر المتهم بالتهم الموجهة إليه، مؤكدا أن له قريبات مظلومات من ذويهم ويطالب بمساواتهن بالرجل، وأنه هو من كتب العبارات على هاتفه وطبعها ووزعها على الجوامع بنفسه دون مساعدة من أحد، وفقا لصحيفة «عكاظ ».
وفي تقرير سابق، ذكرت منظمة «هيومان رايتس ووتش»، أن نشطاء في مجال حقوق المرأة دعوا الحكومة السعودية بشكل متكرر إلى إلغاء نظام ولاية الرجل، وهو ما وافقت عليه الحكومة في عام 2009 و2013، بعد المراجعة الدورية الشاملة للسعودية في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.
وتضيف المنظمة: «وبعد هاتين الجلستين، اتخذت السعودية خطوات محدودة لإصلاح بعض جوانب نظام ولاية الرجل، ولكن التغييرات التي أحدثتها تبقى ناقصة وغير فعالة، وهي لا تكفي. مازال نظام ولاية الرجل إلى اليوم دون تغيير تقريبا».
وعلى الأرجح، أن شيئاً عملياً لن يتغيّر في المدى المنظور، قياساً على الموقف من الحملات السابقة من أجل مطالب أكثر بساطةً، وبناءً على الخطط المُعلنة للمرحلة المقبلة التي لا يبدو أنها معنيةٌ بتنفيذ مثل هذا الإصلاح، ولأنّ تغييراً من هذا النوع عندما يحدث يصاحب تغييراً اجتماعياً وسياسياً أشمل.
كما أصدرت المحكمة الجزائية المتخصصة في الرياض مؤخرا، حكما يدين المحامي «إبراهيم السكران» بعدما نشر عدة تغريدات على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، اعتبرت مسيئة لقائد الانقلاب في مصر؛ عبدالفتاح السيسي.
وأوضحت مصادر، أن «المدعي العام وجه للمحامي تهمة السعي لزعزعة اللحمة الوطنية، واستهداف استقرار المجتمع السعودي ووحدته، والقدح في أجهزة الدولة، والانتقاص من إنجازاتها»، وفقا لما أوردته صحيفة «الرياض».
وأضافت أنه وجه للمتهم «تهمة التدخل في شؤون الدول الأخرى، والتعرض بالإساءة لقادتها، بإساءته لرئيس دولة مصر ورئيس دولة الإمارات العربية المتحدة»، وأشارت المحكمة إلى أن المتهم قام بإعداد وتخزين وإرسال ما من شأنه المساس بالنظام العام عبر حسابه في «تويتر».
وعبر حسابه على موقع تويتر، رجح الناشط الحقوقي السعودي؛ يحيى العسيري، أن يكون أحد أسباب محاكمة “السكران” هو دفاعه عن أمهات المعتقلين ومعاناتهن من معاملة أجهزة الأمن لهن أثناء زيارتهن لابنائهن المعتقلين؛ حيث له مقطع فيديو على موقع “يوتيوب” في هذا الصدد بعنوان: “إلا النساء يا خادم الحرمين”.
يشار كذلك إلى أن السعودية التي تواجه انتقادات كثيرة في الملف الحقوقي، انتخبت مجددا في الآونة الأخيرة عضوا لولاية جديدة من ثلاث سنوات في مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات