بعد خمسة أعوام ونصف عام من القطيعة الدبلوماسية بين تركيا ودولة الاحتلال على خلفية الاعتداء على سفينة مافي مرمرة وسقوط عشرة شهداء أتراك، عادت مجدداً الأحاديث عن إمكانية تطبيع العلاقات بين الطرفين، عبر تسريبات إعلامية إسرائيلية واعتراف تركي بحدوث تقدم ما في المفاوضات بينهما.
وقد عرضنا في الحلقة الأولى عشرة محددات للعلاقات التركية الإسرائيلية، وظهور العديد من الظروف والمحفزات التي تدفع باتجاه تطبيع العلاقات الدبلوماسية التركية الإسرائيلية، لكن لا يزال هناك العديد من العقبات في وجهها, نتعرض لها في هذه الحلقة مع استعراض السيناريوهات المحتملة
ما زالت تقف أمام هذه المباحثات التركية الإسرائيلية – كما حدث في مرات سابقة – عدة عقبات، في مقدمتها:
-رفض دولة الاحتلال رفع الحصار بشكل كامل عن قطاع غزة، لإدراكها أنه سيكون عاملاً مساعداً لفصائل المقاومة هناك.
– تعذر تنازل تركيا عن شرط رفع الحصار تماماً، على الأقل لأنه سيسيئ لسمعتها في المنطقة وبين الفلسطينيين خاصة، وسيحرجها أمام الرأي العام التركي في الداخل.
– المعارضة الشعبية في تركيا للاتفاق، فضلاً عن معارضة “وقف الإغاثة الإنسانية” (İ.H.H.) الذي سيَّر سفينة مافي مرمرة، لتطبيع العلاقات بهذا الشكل، لا سيّما وأن التسريبات الإعلامية تحدثت عن تعهد تركيا بوقف كافة القضايا المرفوعة ضدّ قادة إسرائيليين في تركيا .
– حملات التراشق الإعلامي بين الطرفين خلال فترة المقاطعة، والتي زادت من الفجوة بينهما، لا سيّما على المستوى الشخصي بين أردوغان ونتنياهو.
– الإشارات الكثيرة والتصريحات التي صدرت عن تل أبيب فرحاً واستبشاراً بتراجع حزب العدالة والتنمية في انتخابات يونيو 2015، باعتباره تمهيداً لخسارة حركة حماس أحد داعميها الإقليميين .
– الاتهامات التركية لـ”إسرائيل” باستهداف تركيا، عبر الورقة الكردية في الداخل وفي الشمال السوري، فضلاً عن التسريبات الحكومية بعلاقة خاصة تربط جماعة فتح الله جولن, المتهمة بتأسيس تنظيم سري للسيطرة على الحكم في البلاد, بتل أبيب.
– تراجع حاجة تركيا لـ”إسرائيل” في مجالات الصناعات الدفاعية واستيراد الأسلحة، بعد أن نوعت مصادر استيرادها للأسلحة، فضلاً عن قطعها أشواطاً مهمة – ما زال أمامها الكثير – في الصناعات المحلية في مجال السلاح.
– غياب إجماع إسرائيلي داخلي على ملف المصالحة مع تركيا، وصعوبة تسويق نتنياهو اتفاقاً مع أنقرة لشركائه في الائتلاف الحكومي اليميني.
– تكرر فشل جولات المباحثات السابقة، ونشوء حالة من عدم الثقة لدى الجانبين في نوايا الطرف الآخر.
– تحفظ مصر على التقارب بين “إسرائيل” وتركيا، وفق ما تسرب من أخبار في الإعلام الإسرائيلي، وعدم رغبة تل أبيب بإثارة حفيظة القاهرة من أجل اتفاق غير مضمون إبرامه مع أنقرة .
– مواقف تركيا من الثورات العربية وقضايا المنطقة التي لم تتغير في خطوطها العامة، وما زالت تتعارض مع رؤية ومصالح تل أبيب.
– تعرف “إسرائيل” أن أيّ اتفاق لإعادة العلاقات مع تركيا لا يضمن لها بالضرورة تحجيم العلاقة بين الأخيرة وحركة حماس، وأنها لا تقدر على إجبار أنقرة على ذلك، وهو شعور غذّته بعض الرسائل المتضمنة دعوة الأخيرة لرئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل في ذروة الحديث عن المصالحة المرتقبة بين الطرفين .
السيناريوهات المحتملة
بالنظر إلى كل ما سبق، قد يبدو أن الاحتمالات النظرية لشكل العلاقات الثنائية بين الجانبين عديدة ومتنوعة، بينما يمكن استبعاد بعض السيناريوهات بنظرة واقعية – عملية. فلا ترى هذه الورقة أن سيناريوهات مثل تطبيع العلاقات بين الطرفين بتقديم أحدهما تنازلاً كاملاً للآخر (كسر تام للحصار، أو تخلٍ كامل عن هذا الشرط)، أو تأزم العلاقات بين الجانبين بشكل كبير يصل لدرجة انهيار المباحثات تماماً وعدم العودة إليها مطلقاً، أو بقاء الحال كما هو عليه بلا أفق للحل بين الطرفين، لا ترى أنها سيناريوهات وافرة الحظ عملياً.
ولذا يقتصر هذا البحث على سيناريوهين اثنين ممكنـَي الحدوث ووافرَي الحظ واقعياً:
1- السيناريو الأول، بلورة اتفاق ما بين الطرفين: يُجسِّر الهوة بينهما ويعيد العلاقات الديبلوماسية إلى سابق عهدها، وهو السيناريو المرجح برأينا (إذا ما بقيت البيئة الإقليمية والدولية على حالها)، بغض النظر عن تحققه قريباً أو على المدى المتوسط. وفق هذا السيناريو سيستطيع الوفدان المختصان من الطرفين الاتفاق على حلّ وسط بين كسر الحصار التام أو التخلي عنه بشكل كامل، لا يمس خطوط “إسرائيل” الحمراء المتعلقة باستفادة قوى المقاومة الفلسطينية من كسر الحصار، ولكن أيضاً لا يحرم تركيا تماماً من تسويقه على أنه “كسر” أو “تخفيف” للحصار المفروض على القطاع منذ سنوات.
هذا الحل الوسط قد يكون ممراً بحرياً تركيا أو عالمياً نحو قطاع غزة لإدخال المواد الأساسية (برقابة دولية)، أو “وضع خاص” يُعطى للسفن ومؤسسات المجتمع المدني التركية للدخول إلى غزة، فضلاً عن تسهيل إعادة الإعمار، وهو ما يعني أن الاتفاق سيكون مرضياً عنه مصرياً في الحد الأدنى، أو سيكون ضمن اتفاق إقليمي أوسع (يشمل تحسن العلاقات التركية – المصرية) في الحد الأقصى. بيد أن هذا السيناريو لا يعني بالضرورة عودة العلاقات التركية – الإسرائيلية إلى حالة التحالف الاستراتيجي التي عرفها الجانبان في تسعينيات القرن الماضي. ذلك أن حجم المتغيرات على طرفَي المعادلة كبير جداً، فلا تركيا اليوم هي تركيا الأمس ولا حاجتها لـ”إسرائيل” هي الحاجة نفسها، ولا يمكن تصور عودة التعاون الاستخباري – مثلاً – بين الطرفين لحالة التبعية التي كانت تعاني منها تركيا سابقاً. الأرجح، في هذا السياق، هو عودة التمثيل الدبلوماسي وتطور العلاقات الاقتصادية في قطاعي التجارة البينية والسياحة، والتعاون تحت أطر المنظمات الدولية، وخصوصاً حلف الناتو، في القضايا ذات الاهتمام المشترك، لكن مع احتفاظ كل طرف برؤيته وأولوياته بل وهواجسه من الطرف الآخر.
أخيراً، لا يتوقع أن ينعكس هذا السيناريو بشكل كارثي على الطرف الفلسطيني، وخصوصاً حركة حماس؛ فالعلاقة بين تركيا والحركة ليست مبنية بشكل كامل على الخلاف التركي – الإسرائيلي، ولذلك فليس من المتوقع أن تتبدل بنسبة 180 درجة لدى عودة العلاقات. فالعلاقات التركية – الفلسطينية والتركية – “الحمساوية” تسير وفق أطر ومحددات عدة، منها التاريخي والسياسي والديني والمبدئي والمصلحي، ولا يمكن لها أن تنقلب رأساً على عقب بمجرد عودة العلاقات بين الطرفين.
2- السيناريو الثاني، فشل المحادثات بين الجانبين: في انتظار تطورات محلية و/أو إقليمية تعيد فتح الملف وتُجلس الطرفين إلى الطاولة مرة أخرى في محاولة جديدة للتقارب، قد تكون أوفر حظاً من الجولة الحالية. هذا السيناريو الأقل حظاً من سابقه يعني أن العوامل المحفزة الكثيرة التي سبق ذكرها في الحلقة الأولى من هذا التقدير الاستراتيجي لم تكن كافية لتجاوز الجانبين العقبات الماثلة في الطريق، أو أن المهددات المشتركة لم تسعفهما لجسر أزمة الثقة بينهما، أو أن المشهد الداخلي على طرفي المعادلة ما زال أقوى من المحفزات الإقليمية.
وعليه، سيبقى الوضع، وفق هذا السيناريو، كما هو عليه الآن: استعداد مبدئي من الجانبين للتصالح، وإرادة متبادلة بإنهاء القطيعة، وشروط تركية ماثلة وإن بدت اليوم أكثر مرونة من ذي قبل، وتشوُّف إسرائيلي لأي حلّ يمكن تسويقه في الداخل على أنه لم “يكسر” الحصار عن “القطاع المتمرد” الذي يؤوي “المخربين”.
بيد أن فشل هذه الجولة لا يعني أن الجانبين سيعودان لنقطة الصفر مرة أخرى، فالسياقات المذكورة آنفاً، إضافة لاتفاق الطرفين على النقاط المتعلقة بهما – حصار غزة يخص طرفاً ثالثاً في نهاية المطاف – حتى الآن، فضلاً عن ثبات بل وتطور عدد من المخاطر المشتركة، كلها عوامل تعني أن التعاون في الحد الأدنى بينهما سيظل قائماً بغض النظر عن التمثيل الدبلوماسي بينهما، دون أن ننسى أن العلاقات الاقتصادية في نمو مستمر ويُتوقع أن تزداد سرعة نموها بعد الأجواء الإيجابية التي عكسها الطرفان.
أخيراً، ومن جهة أخرى، فإن تأجيل إبرام الاتفاق بسبب فشل هذه الجولة من المباحثات لا يعني أيضاً بالضرورة أن تجاوز أنقرة لبعض الخطوط والسقوف في علاقاتها الفلسطينية و”الحمساوية” سيستمر بالشكل نفسه والوتيرة نفسها، ولا أن “الامتيازات” التي حصلت عليها حماس تحديداً غير قابلة للتراجع. فرغبة الطرفين في تحسين العلاقات تتطلب إجراءات بناء ثقة من الجانبين، وقد يمسُّ ذلك العلاقة مع حماس لتدفع فواتير بعض هذه الإجراءات بالنسبة للطرف التركي، فضلاً عن أن العلاقة مع الأخيرة تستجلب ضغوطاً على أنقرة من حلفائها الآخرين وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، دون أن نغفل أن بعض هذه “الإجراءات” قد تمّ بالفعل على مدى الشهور السابقة, إما كمبادرة من طرف حماس أو على شكل “رجاء” وتنسيق بين أنقرة والحركة، ومن ذلك مغادرة بعض قياداتها الأراضي التركية بُعيد انتخابات يونيو 2015.
توصيات
1- تعزيز الموقف التركي الداعي إلى رفع الحصار عن قطاع غزة، وعدم إفراغ شرط رفع الحصار من محتواه.
2- تعزيز العلاقات الفلسطينية التركية بما يقوي الوضع التركي في مواجهة الضغوط الإسرائيلية والأمريكية.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات