واقعة التهديدات التي تلقتها مديرة إحدى الإذاعات الخاصة في تونس, من قيادي في الحزب الحاكم كانت سببًا لموجة من الجدل, عبّر حولها عدد من السياسيين والإعلاميين عن تضامنهم مع مديرة الإذاعة، فيما حذر كل من اتحاد الشغل ونقابة الصحفيين من عودة ممارسات النظام السابق في تحجيم دور الإعلام والحد من حرية التعبير.
كما كانت الواقعة سببًا لعودة المعارضة التونسية إلى الشارع، وتنظيم مسيرة جديدة تطالب فيها بإسقاط مشروع قانون المصالحة الاقتصادية الذي تم تعديله, ويستعد البرلمان للمصادقة عليه تحت اسم «المصالحة الإدارية»، فيما اقترح بعض الأطراف تعليق نواب المعارضة نشاطهم في البرلمان إلى حين سحب القانون.
وكانت “ألفة التونسي” مديرة إذاعة «كاب اف ام» كتبت عبر صفحتها على «فيسبوك» أنها تلقت اتصالا من المستشار السياسي في حزب «نداء تونس» برهان بسيّس, أكد فيه «عدم رضا قيادة النداء على اداء الخط التحريري للإذاعة بسبب تواجد لزهر العكرمي (المستقيل من نداء تونس) في البرنامج الصباحى للإذاعة»، مشيرة إلى أن بسيّس أخبرها بأنه «تم توجيه تقرير في الغرض لرئيس الجمهورية وسيتم اتخاذ الإجراءات الضرورية في حقي وحق الإذاعة»، واعتبرت أن المكالمة «بمثابة تهديد في حقي وحق الإذاعة, وهي بمثابة العودة الى الأساليب القديمة»، مشيرة إلى أن الإذاعة بمنأى عن أي صراع سياسي.
بعد التدوينة, أعلن عدد من السياسيين والنواب والإعلاميين تضامنهم مع صاحبتها، فيما أصدرت نقابة الصحافيين بيانا شديد اللهجة عبرت فيه عن رفضها لـ «هذه الممارسات الفجة التي تسعى للانقلاب على مكاسب الثورة التي أطاحت بنظام بغيض كان برهان بسيس أحد رموزه، وتذكّر أن المدعو قد تمتّع بحصانة طيلة سنوات ما بعد الثورة في قضايا فساد والإشادة بجرائم الاستبداد في تكريس واضح للإفلات من العقاب».
كما طالبت النقابة النيابة العموميّة بفتح بحث عاجل ضد برهان بسيس بتهمة الاحتيال والإيهام بالنفوذ طبقاً للفصل 291 من القانون الجزائي الذي يعاقب كل من استعمل .. صفات غير صحيحة .. من شأنها إقناع الغير بوجود نفوذ, أو التي من شأنها بعث الأمل في نجاح غرض من الأغراض أو الخوف من الإخفاق فيه، وباقي شبهات الفساد التي تحوم حوله لاسيما في علاقته بالمتهم شفيق جراية.
وأكدت النقابة أن رفضها المبدئي للضغوط على إذاعة «كاب أف أم» لا يعفي إدارة المؤسسة من التنصل من الحقوق المادية والمهنية للعاملين في الإذاعة الذين يخوضون تحركات مشروعة منذ أسابيع لضمان أبسط حقوقهم .
اتحاد الشغل من جهته أكد رفضه وتنديده بالتهديد الذي تلقته الاذاعة والذي يذكر بالدور القذر الذي كانت وما زالت تلعبه بعض الابواق للجم الإعلا, حسب قوله.
وقال اتحاد الشغل في بيان إن «نقابتنا في هذه الاذاعة قد سعت بالتنسيق مع المكتب التنفيذي للاتحاد الجهوي للشغل بنابل والنقابة العامة للاعلام من أجل التوصل الى اتفاق يمكّن العاملين بالاذاعة من اجورهم التي حرموا منها منذ ما يزيد عن خمسة أشهر ولم تقدم صاحبة الاذاعة اي حل يذكر, “فكما نرفض اقحامنا في لعبة ابواق القصر، فإننا نرفض أن تتعلل صاحبة الاذاعة بهذا الضغط من أجل التملص من حقوق الاعوان».
ورد برهان بسيس بالقول «فوجئت بما كتبته السيدة الفة التونسي مديرة إذاعة «كاب اف ام» التي خاطبتها في مكالمة هاتفية ملاحظا لها عدم مهنية معلقها الإذاعي الصباحي المنتدب حديثا وجنوحه للسب والشتيمة بشكل متكرر في حق “نداء تونس” وهتك أعراض أشخاص تهمتهم انهم في قيادة “نداء تونس” بشتائم لا تقبلها أخلاق ولا قوانين دون أن يعطى للنداء اي حق في الرد، لافتا نظرها إلى أن ما يجري على لسان المعلق الإذاعي هو تصفية حسابات سياسية لا علاقة لها بالعمل الإعلامي».
وأضاف «للأسف فوجئت بالسيدة الفة التونسي تتوهم تهديدا لم يحصل وأنا أستغرب هذا التحامل الصادر منها وتحريفها لأمانة محادثة هدفها الرئيسي الإشارة إلى وجهة نظرنا تجاه الإفراط في السب والشتيمة تجاه حزب سياسي من دون أدنى التزام بشروط الموضوعية وهو أمر تعودت من موقعي كإعلامي سابقا أن اناقشه مع لفيف واسع من زملائي الإعلاميين. أما إقحام السيدة التونسي للأجهزة الرسمية للدولة في معرض ادعاءاتها فهذا يدخل في باب النكت السمجة» .
وكانت نقابة الصحافيين اتهمت في مناسبات عدة الرئاسة التونسية بمحاولة تحجيم دور الإعلام وتوجيهه، وهو ما نفته الأخيرة مراراً، معبرة عن التزامها بحرية الإعلام كأحد أهم مكتسبات الثورة التونسية.
رفض المصالحة الإدارية
وكانت لجنة التشريع العام في البرلمان التونسي صادقت مؤخرا على مشروع قانون «المصالحة الإدارية»، الذي يؤكد الائتلاف الحاكم أنه سيساهم بدعم الاقتصاد المتعثّر في البلاد، فيما ترى المعارضة أنه يمهد للتصالح مع رجال أعمال ومسؤولي النظام السابق الفاسدين.
ونظم حراك «مانيش مسامح» (لن أسامح) الذي يضم عدداً من أحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني وقفة احتجاجية في العاصمة ضد ما سمّاه «قانون المصالحة وتبييض الفساد»، مطالباً جميع الرافضين لسن القانون بالتحرّك وتنظيم إحتجاجات شعبية جهوية تجسّد حالة الطوارئ القصوى ضده .
واعتبر بيان الحراك أن رئاسة الجمهورية والحكومة والنواب الداعمين لقانون الفساد ما زالوا يمارسون المزيد من التلفيق وتحوير الحقائق بالادعاء أن هذا القانون سيكون حلاً لتعطّل عمل الإدارة, بعد نشر المئات من القضايا في المحاكم ضدّ موظفين وأشباههم استغلوا وظيفتهم لتحقيق مكاسب لا حق لهم فيها.
وأضاف البيان إنّ حملة «مانيش مسامح» المتمسكة بضرورة سحب مشروع القانون لتعارضه مع الدستور وتبييضه للفساد وعفوه عن الفاسدين، تعلن رفع حالة الطوارئ الشعبية التي أعلنتها في وقت سابق، إلى الدرجة القصوى وتدعو كل التونسيين للاستعداد للنزول مجدداً إلى الشارع لوقف هذه المهزلة وخوض المعركة الأخيرة ضدّ القانون المعدّ خصيصاً لضرب المسار الثوري وإجهاضه.
وكتب عدنان منصر؛ الأمين العام لحراك «تونس الإرادة»: عندما قلنا أنه لا يرجى صلاح من فاسدين قيل لنا إنه لا يرضينا شيء وأننا نزايد، طيب، احسبوا ما يفترض أن تجنيه الدولة من تتبع أقل من 1 في المئة من كبار الفاسدين، ثم احسبوا ما ستفقده من العفو التشريعي الشامل عن بقية الـ99 في المئة وسيتبين لكم الأمر، لافتا إلى أن قرارات مصادرة أملاك الواحد في المئة ستسقط بالقضاء، أما الآخرون فسيصبح لهم قانون يحميهم، حرروا فصوله بأنفسهم.
واعتبر النائب فيصل التبيني أن الخيار الوحيد للتصدي لقانون المصالحة هو «تعليق نواب المعارضة نشاطهم في البرلمان إلى حين سحبه نهائياً، حتى لا يُحسب عليهم أنهم كانوا شركاء في مسرحية قبر أهداف الثورة وخيانة دماء الشهداء»، مشيراً إلى أن الأمر يأتي «احتراماً للأمانة التي منحنا اياها الشعب ونظراً لعدم التكافيء العددي بين نواب المعارضة والحكومة عند التصويت ولقطع الطريق أمام تمرير قانون المصالحة الشاذ والذي قد يتسبب في أزمة وطنية نحن في غنى عنها » .
وكتب محمد عبّو مؤسس حزب «التيار الديمقراطي»: «الجولة الأخيرة في مجابهة قانون العار، والنصر لمن نصر تونس، لا للفاسدين، لن نكرر ما ذكر سابقا حول مخاطر مشروع ما سمّي تحايلاً على التونسيين بقانون المصالحة، حصّل ما في الصدور، الشاغل لمنصب رئيس الجمهورية كلف مستشاريه بالدفع في اتجاه تمرير قانون العار في موضوعي الموظفين ورجال الأعمال المورطين في الفساد، في استهانة منه بالدستور وبالتونسيين وبمصير البلاد وصورتها، وفي إعلان واضح منه أن القيم لا تعنيه في إدارة الشأن العام ولا سيما قيمة العدالة ».
يُذكر أن الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي تقدّم عام 2015 بمشروع قانون «المصالحة الاقتصادية والمالية» الذي لقي معارضة شديدة في ذلك الوقت، قبل أن يتم إجراء تعديلات جديدة عليه ليعاد طرحه مجدداً على البرلمان.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات