ثلاث احتمالات وراء تقليص المساعدات الأمريكية عن السيسي

أعلنت الإدارة الأمريكية، نهاية الأسبوع الماضي، حجب مئات الملايين من الدولارات من برنامج المساعدات للقاهرة، التي تعد حليفا استراتيجيا لواشنطن، وأحد أكبر المتلقين للمساعدات الأمنية الأمريكية.

ومنذ الإعلان عن القرار العقابي للسيسي لم تتوقف التساؤلات والتكهنات عن الأسباب التي تقف وراء هذا القرار أو الرسائل التي أرادتها الولايات المتحدة من حجب جزء من مساعداتها التي تقدمها إلى مصر، وتتلخص التكهنات في ثلاث احتمالات:

الاحتمال الأول:

ما كشفته رسالة السيناتور الجمهوري جون ماكين وإشادته بقرار إدارة ترامب في حجب واقتطاع جزء من المساعدات المخصصة لمصر، مطالبا الرئيس الأمريكي بمواصلة الضغط على القاهرة حتى تستجيب لتعهداتها الدولية في مجالي حقوق الانسان والاصلاح السياسي.

ماكين، الذي يعمل رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ قال عبر رسالة بعث بها إلى ترامب: «على مدى أربعة عقود من التعاون، تم بناء علاقة بين الولايات المتحدة ومصر على أساس الأهداف والمصالح المشتركة، وكما تعلم فإن مصر تعد حليفا هاما للولايات المتحدة، وتتعاون بشكل وثيق في مكافحة الإرهاب، ومنع التهريب غير المشروع، وتعزيز الاستقرار الإقليمي».

وأضاف مستطردا عبر رسالته: «غير أننا شهدنا على مدى السنوات القليلة الماضية بعض التوجهات المثيرة للقلق في مصر، بما في ذلك احتجاز عشرات الآلاف من السجناء السياسيين، وقمع وسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني، والتصديق على تشريعات تفرض إجراءات صارمة على المنظمات غير الحكومية».

واعتبر السيناتور الأمريكي أن هذه الإجراءات تثير مخاوف كبيرة بشأن مستقبل التحول الديمقراطي في مصر واستعداد السيسي لضمان احترام حقوق جميع المصريين.

ماكين حث الرئيس الأمريكي على أن يثير مع السلطات في القاهرة مسألة استمرار سجن ما يقرب من 20 مواطنا أمريكيا في مصر، بمن فيهم طالب جامعي من نيويورك يدعى «أحمد عطوي» (26 عاما)، وهو مسجون احتياطيا في مصر منذ 4 سنوات، على خلفية تهم تتعلق بالمشاركة في احتجاجات غير مرخصة.

وقال إن قضية عطوي عاجلة؛ حيث أن فصل القضاء فيها مقرر في 28 أغسطس 2017.

ومشيدا بجهود ترامب في إطلاق سراح الناشطة المصرية الأمريكية آية حجازي، قال ماكين: «من المهم أن تطالبوا بالإفراج الفوري عن أحمد عطوي والإفراج عن جميع الأمريكيين المحتجزين ظلما في مصر».

كما شدد ماكين في رسالته لترامب بتلك الخطوة، وقال إن دعم حقوق الإنسان والإصلاح السياسي والمجتمع المدني عنصر دائم في السياسة الخارجية الأمريكية، لكن من الواضح أن مصر لم تلب المعايير الديمقراطية ومتطلبات حقوق الإنسان التي وضعها الكونجرس من أجل منح المساعدة السنوية.

ودعا إلى مواصلة مثل تلك الضغوط على مصر، معتبرا أن الحد من تمويل الحكومة المصرية ضروري لضمان التزام القاهرة بتعهداتها الدولية في مجالي حقوق الإنسان والإصلاح السياسي.

الاحتمال الثاني:

ما أورده تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، من أن القرار عقوبة لمصر على علاقاتها المتنامية مع كوريا الشمالية، التي تناصبها أمريكا العداء .

ولفتت الصحيفة، في هذا الصدد، إلى أن أولوية وزير الخارجية الأمريكي، ريكس تيلرسون، كانت زيادة العزلة الاقتصادية والدبلوماسية المفروضة على كوريا الشمالية، وتناغما مع ذلك، طلب من القادة الأجانب في كل اجتماع تقريباً قطع العلاقات مع بيونج يانج.

وتعد كوريا الشمالية واحدة من أكثر دول العالم التي تواجه عزلة على الساحة الدولية، كما تم فرض عقوبات أممية عليها منذ 2006؛ بسبب برنامجها للصواريخ الباليستية وتجاربها النووية.

ووفق «واشنطن بوست» كانت مصر قريبة من كوريا الشمالية منذ السبعينيات من القرن الماضي على الأقل، وقال دانيال ليون، من “مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط”، إن طياري كوريا الشمالية دربوا الطيارين المصريين قبل حرب 1973 مع «إسرائيل»، واتُهمت مصر في وقت لاحق بتزويد كوريا الشمالية بصواريخ سكود، التي باتت لاحقا أساسا لبرنامجها من الصواريخ الباليستية.

وأظهر تقرير صدر مؤخرا عن الأمم المتحدة كيف تؤدي مصر دورا مزدوجا إزاء بيونج يانج؛ إذ ساعدت في اعتراض سفينة كورية شمالية كانت تحمل أسلحة عبر قناة السويس العام الماضي، لكن القاهرة متهمة أيضا بشراء أجزاء من صواريخ سكود بشكل غير مشروع من بيونج يانج.

وقال محققو الأمم المتحدة هذا العام، إنهم حصلوا على أدلة تثبت أن كوريا الشمالية تتاجر في أشياء غير معلنة حتى الآن، مثل الاتصالات العسكرية المشفرة، وأنظمة الدفاع الجوي المحمولة، وأنظمة الدفاع الجوي، والصواريخ الموجهة بالأقمار الاصطناعية في الشرق الأوسط وأفريقيا، بالإضافة إلى مناطق أخرى.

وفي عام 2015، قالت لجنة تابعة للأمم المتحدة إن ميناء بورسعيد بمصر يستخدم من قبل شركات تابعة لكوريا الشمالية ووكلاء الشحن العاملين في تهريب الأسلحة.

وقد أثارت الإدارات الأمريكية المتوالية قضية كوريا الشمالية سراً في المحادثات مع القاهرة، ولكنها لاقت استجابة ضئيلة، ومن المحتمل أن تكون الولايات المتحدة تمارس الضغوط على مصر؛ بسبب علاقاتها المدنية والعسكرية مع كوريا الشمالية.

الاحتمال الثالث:

ثالث الاحتمالات اتفقت بشأنها صحيفة «واشنطن بوست» مع وكالة الأنباء العالمية «رويترز» ، في أن تلك الخطوة جاءت ردا على القانون القاسي الذي أصدرته حكومة سلطة الانقلاب العسكري في مصر لتنظيم أنشطة وكالات المعونة، ولا سيما تلك التي تمولها الحكومات والمُنظمات الغربية، والذي اعتمده عبدالفتاح السيسي أواخر شهر مايو الماضي .

وقالت عدة مجموعات مصرية، من ضمنها أولئك الذين يعملون مع ضحايا تعذيب الشرطة، إن القانون سيجعل من المستحيل عليهم مواصلة عملهم، وقد يجبرهم على التوقف عن العمل.  

وفي هذا الصدد، قال المحلل السياسي الغربي، «شاركجر ديبدو»، إن موافقة «السيسي» على قانون الجمعيات الأهلية الجديد، كان سببا رئيسيا وراء موقف الإدارة الأمريكية

وأضاف: «ستحجب الإدارة الأمريكية المساعدات عن مصر لعدم إحراز الأخيرة أي تقدم في حقوق الإنسان».

ونقل موقع «رصيف 22» عن المحلل السياسي المصري محمد حامد، قوله إنه رغم أن العلاقات المصرية الأمريكية تطورت بدرجة كبيرة في عهد الرئيس ترامب، فإن ملف حقوق الإنسان يحتاج من القاهرة مزيدا من الجهد.

وأضاف أن العمل على ملف محاربة الإرهاب الذي تقوم به الحكومة المصرية يجب ألا يتعارض مع ملف حقوق الإنسان.

ووصف حامد قرار الولايات المتحدة بأنه طبيعي يأتي في إطار العلاقات الدولية المبينة في الأساس على المصالح، فمن مصلحة مصر الحصول على مساعدات ومن مصلحة أمريكا أن يكون هناك تحسن في حقوق الإنسان في المنطقة.

ويرى حقوقيون ونشطاء أن القانون يصعّب من عملهم، ويهدف لوقف عمل المنظمات التي يقوم الكثير منها بالكشف عن انتهاكات حكومية، ومنها جميعات تعمل على محاربة التعذيب في أقسام الشرطة.

من جهته، قال حقوقي مصري رفض ذكر اسمه، إن الرسالة الأهم التي يحملها قرار تقليص المساعدات هي أن أمريكا لن تقبل بحليف يدوس حقوق الإنسان, وأن العالم لن يصمت طويلاً على كل التجاوزات التي يقوم بها النظام المصري بحجة محاربة الإرهاب.

ويقصر القانون المثير للجدل نشاط المنظمات الأهلية على العمل التنموي والاجتماعي بينما يفرض عقوبات تصل إلى السجن خمس سنوات على المخالفين له.

وفي وقت سابق من الأسبوع الجاري، أعلنت أمريكا حرمان مصر من مساعدات قيمتها 95.7 مليون دولار، وتأجيل صرف 195 مليون دولار أخرى لعدم إحرازها تقدما على صعيد احترام حقوق الإنسان والمعايير الديمقراطية, وأعربت مصر عن أسفها للقرار، واعتبرت في بيان صادر عن خارجية الانقلاب الأربعاء الماضي، أن هذا الإجراء يعكس سوء تقدير لطبيعة العلاقة الاستراتيجية التي تربط البلدين على مدار عقود طويلة، واتباع نهج يفتقر للفهم الدقيق لأهمية دعم استقرار مصر ونجاح تجربتها وحجم وطبيعة التحديات الاقتصادية والأمنية التي تواجه الشعب المصري، وخلطا للأوراق بشكل قد تكون له تداعياته السلبية على تحقيق المصالح المشتركة المصرية الأمريكية».

يذكر أن سلطات الانقلاب العسكري في مصر أفرجت في أبريل الماضي، عن آية حجازي بعد حبسها احتياطيا لنحو ثلاث سنوات بتهم شملت الاتجار في البشر، ومثلت قضيتها، حسب الإعلام الأمريكي الوجه العالمي للقمع الوحشي الذي تمارسه مصر بحق المجتمع المدني.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …