حرب “هاشتاج” سعودية بين الليبراليين والمحافظين بسبب الهيئة العامة للترفيه

أمة “المواقع” لها ما يشغلها بعيدا عن “الواقع” .. هذا مايكشفه الصراع الدائر اليوم بين التيارين المحافظ والليبرالي على الساحة السعودية بسبب  الأنشطة التي تقيمها وتشرف عليها «الهيئة العامة للترفيه»، التي تم إنشاؤها بتاريخ 7 مايو 2016.

فبين مقالات على الصحف، ووسومات على موقع «تويتر», تواصلت المعركة بين الجانبين خلال الأيام الماضية، وفجرتها أنشطة نظمتها الهيئة الجديدة في مدن سعودية بينها جدة والعاصمة الرياض والدمام، تضمنت حفلات راقصة وغنائية وأخرى موسيقية، وهو ما رأي فيه التيار المحافظ تغريباً ومسخاً لهوية المجتمع السعودي المحافظ بطبعه، بينما دافع التيار الليبرالي عن الهيئة بشدة.

ويعكس هذا الصراع جانبا من التحديات التي تواجه ما تطلق عليه الدولة خطط الإصلاح ورؤية 2030؛ والتي ستصطدم بأنماط ثقافة مجتمع ظلت سائدة منذ عقود، خاصة أنها لا تقتصر على إصلاح الاقتصاد، بل تمس بصورة مباشرة دور رجال الدين الرسميين والمستقلين في المجال العام.

المحافظون يهاجمون

جانب من التيار المحافظ يرى أن «هيئة الترفيه» وأنشطتها سبب من أسباب نشر الرذيلة والفساد بين شباب وشابات المجتمع السعودي؛ حيث أنها تقوم برعاية حفلات غنائية وثقافية لم يعتد عليها المجتمع.

وللدفاع عن وجهة نظره، أطلق التيار المحافظ عدة وسومات، تصدر بعضها قائمة الوسوم في المملكة خلال الأيام الأخيرة، ومن بينها «#هيئه_الترفيه_تسعي_للتغريب» و«#نبرأ_لله_من_هيئة_الترفية»

و«#نحو_ترفيه_بناء»

«#هيئه_الترفيه_تخالف_الدستور»

وعبر هذه الوسوم تحدث عدد من أبرز ممثلي التيار المحافظ منتقدين أنشطة «هيئة الترفيه». وقال الدكتور محمد السعيدي؛ المتخصص في أصول الفقه بجامعة أم القرى في مكة المكرمة منتقدا «هيئة الترفيه» وأنشطتها: «معاندة الأمة في دينها ورؤيتها وتاريخها وعاداتها وأعرافها لا تؤدي إلى ترفيهها بل إلى ترهيفها عبر انقسامها وتخاصمها وحفر البؤر في جنباتها».

على النحو ذاته، قال إمام وخطيب المسجد النبوي الشريف، الدكتور حسين آل الشيخ: «أذهلنا هذا التصرف المشين من هيئة الترفيه بهذه الفعاليات المقامة في جدة والتي لا يقرها خلق كريم ولا دين عظيم، وعلى المسؤولين أن يتقوا الله».

وأضاف: «من العار أن يكون في بلاد التوحيد مثل هذه الفعاليات التي تقوم عليها هيئة رسمية فكيف يحصل النصر ومثل هذه الفعاليات المستهجنة دينا وخلقا تُقام؟!».

ودعا «كل أب وكل مواطن (إلى) مقاطعة مثل هذه الفعاليات غير المسؤولة؛ فكل إنسان مسؤول عن نفسه ورعيته وإذا قاطع الناس الفساد انقطع بنفسه».

وتساءل مستنكرا: «هل انعدم الترفيه البريء والذي يوافق ديننا ومجتمعنا حتى تسعى هيئة الترفيه إلى جلب ما لا يليق؟! فاتق الله يا من توليت هذه المسؤولية وعودوا للصواب».

واعتبر الداعية الشهير عبدالرحمن بن ناصر البراك أن «هيئة الترفيه هدفها تغيير هوية هذه البلاد التي سلمها الله من الاستعمار»، مناشدا الجميع «مقاومة هذا التوجه».

أيضاً غرد الإعلامي والأكاديمي السعودي الدكتور مالك الأحمد منتقدا أنشطة «هيئة الترفيه»، قائلا: «رأيت مقاطع (فيديو لأنشطة الهيئة) ظننتها بلندن للأسف في جدة! وأعلنت هيئة الترفيه دعمها الكامل لفعالياته. هناك من لا يريد للبلد خير».

بدوره, دعا الإعلامي السعودي مساعد بن حمد الكثيري إلى ترفيهٍ بناء بدلاً من الأنشطة التي تقيمها «هيئة الترفيه»، مخاطبا الأخيرة بقوله: «نحو ترفيه بناء يا هيئة الترفيه؛ فديننا ثم وطننا هو أغلى ما نملك. والله لا يدفعنا للإنكار إلا خشيتنا على وطننا والنعم التي فيه لا تحصى».

وقال سعد عبدالله بن غنيم، وهو محامٍ ومستشار شرعي وقانوني معلقا على أنشطة «هيئة الترفيه»: «أردد بحرقة قول الشاعر: ستطحننا مؤامرة الأعادي .. إذا لم يفطن الرجل الأريب

 اللهم ألهمنا رشدنا وقنا شر أنفسنا».

أيضاً، انتقد عصام بن صالح العويد، وهو محاضر في كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض، أنشطة الهيئة، قائلا: «أي صاحب قرار يظن أنه سيغير عقيدة وهوية هذه البلاد بفتح أبواب الفساد فقد دعا لحرب هو الخاسر الأكبر فيها, كائنا من كان».

واعتبر «تجميد الهيئة (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ثم شرعنة الفساد سيرسل رسائل ضمنية مدمرة ستتخطى كل القيود المزعومة».

وأكد أنه «لم يكن النهي عن المنكر يوما في تاريخنا الطويل قصرا على فئة محددة بل هو واجب على كل قادرٍ شهد المنكر ووقف عليه».

وبعدها بأيام تم اعتقال الرجل بتهمة تتعلق بتمويل جماعات إرهابية!

وفي ظل صمتٍ رسمي على أسباب اعتقال الرجل كما هو الحال في حالات مشابهة سابقة، أرجع مغردون سبب اعتقاله إلى انتقاده الشديد لهيئة الترفيه.  

وفي هذا الصدد قال «أبوبدر»: القبض_علي_الارهابي_عصام_العويد عندما انتقد فساد هيئة الترفية. ومن يريد إنحلال البلاد أصبح داعشي. الشيخ من أهل العلم الثقات ولكن هذه سنة الله».

الليبراليون يدافعون

على الجانب الأخر وقف الكثير من الليبراليين مدافعين عن «هيئة الترفيه» وأنشطتها, وبنى هؤلاء مواقفهم على ضرورة الترفيه وأهميته، معتبرين أن ما تقوم به الهيئة من أنشطة ليس له علاقة بالانحلال الأخلاقي وهو حق مشروع من حقوق الإنسان.

أيضاً، رأى أصحاب هذا التيار أن الحفلات الغنائية ليست بشيء غريب وجديد على المجتمع السعودي وذلك لوجودها قبل سنوات عدة، ومن أشهر الحفلات الغنائية تلك التي كانت تقام تحت ظل «مهرجان أبها الغنائي» الذي انطلق في عام 1998 على مسرح المفتاحة والذي امتد لعام 2005، وأوقف آنذاك بسبب وفاة الملك فهد، وكذلك تم إيقافه في العام الذي يليه بسبب العدوان الإسرائيلي على لبنان، وعادت الحفلات الغنائية من جديد في العام الحالي في مدينة جدة برعاية «الهيئة العامة للترفيه».

وكما كان لتيار المحافظين وسوم كان لتيار الليبراليين وسوم أخرى  من أبرزها:

 «#كلنا_مع_الترفيه»

و«#هيئه_الترفيه_تجمعنا»

 و«#هيئه_الترفيه_تسعدنا»

وعبر هذه الوسوم جاءت المشاركات المدافعة عن أنشطة «هيئة الترفيه» والمهاجمة لمنتقديها.

 ومن ذلك مشاركة عبدالله بن عقيل‏، مدير تحرير صحيفة «أصل الخبر»، الذي هاجم وسم «#نبرأ_لله_من_هيئة_الترفية»،  وقال ساخرا: « أنا عارف أن أبو قتادة خلف هذا الهاشتاق، وأنا اقول #تبا_لك_ترفيهنا_باقي»!.

أيضا، قالت الكاتبة الليبرالية «نورة شنار»: «المعارضون للترفيه يريدوا باختصار قلب حياتنا مثل حياة داعش (تنظيم الدولة الإسلامية)… غلو في غلو حتى تموت السعادة في قلوبهم».

أيضا دافع عن أنشطة «هيئة الترفيه» حساب «أبو خالد» قائلا: «#هيئة_الترفيه_تجمعنا. نعم تجمعنا وتفرحنا ونشوف فرحة الناس. صحيح فيه أخطاء، لكن نتعاون سوياً من اجل تلافيها مستقبلاً. إلى الأمام هيئة الترفيه».

وقال حساب «أسال السعودية» مبررا دعم أنشطة «هيئة الترفيه»: «السعوديون الأكثر إنفاقاً على السياحة في العالم، وتعمل هيئة الترفيه على جذب هذا الانفاق داخلياً».

وفي السياق ذاته، قال حساب «هشام»: «عمل هيئة الترفيه جبار وان شاء الله راح يتطور أكثر وكلنا مع الترفيه».

وغرد «خالد الكثيري» قائلا: «لا والله لن نبرأ من هيئة المتعة والترفيه ولكن نبرأ من أفكاركم الصحونجية (الداعشية)، والتي تسعى لنشر الكبت والكآبة» .

وقال «خالد النفيس» :«#هيئة_الترفيه_تخالف_الدستور ما تخالف ولا شيء وكلنا مع الترفيه ونبي (نريد) ننبسط بالترفيه».

وإضافة إلى الوسوم، استخدم الليبراليون في معركتهم صفحات الصحف، التي يملكون زمامها.

فعلى صحيفة «عكاظ» كتب المحامي الليبرالي عبد الرحمن اللاحم مقالاً بعنوان: «لماذا يحاربون الهيئة», قال: «لا أعلم سبب انزعاج البعض من أن يروا مجموعة من الناس يجتمعون ليمارسوا طقوسا طبيعية من الترفيه، وهي ذات الطقوس التي يمارسها كافة البشر في هذا العالم؛ حيث ما زال مجموعة من المتشددين يشنون الحملات المنظمة ضد هيئة الترفيه بسبب برامجها الترفيهية الاختيارية، والتي لم تلزم بها أحدا من الناس وإنما أعلنتها للجميع»».

وأضاف: «من شاء أن يحضر تلك الفعاليات فالأبواب مشرعة ومن أراد أن يمكث في بيته ويتابع قناة “بداية” وأخواتها بما فيها الشيلات وخلطات التقشير فلن يرغمه أحد على الخروج من منزله».

وكان قرار إنشاء هذه الهيئة إحدى القرارات الملكية تماشيًا مع إعلان السعودية لرؤيتها المستقبلية 2030؛ ومنح المدن السعودية قدرة تنافسيّة دوليّة.

وفي 25 أبريل 2016، أشار ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، يوم تدشين رؤية السعودية 2030، إلى دفع الحكومة لتفعيل دور الصناديق الحكومية المختلفة في تأسيس وتطوير المراكز الترفيهية، وتشجيع المستثمرين من داخل وخارج المملكة، وعقد الشراكات مع شركات الترفيه العالمية، وتخصيص الأراضي لإقامة المشروعات الثقافية والترفيهية من مكتبات ومتاحف وفنون وغيرها.

 

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …