جاء إعلان المدعية العامة الأميركية بولاية نيويورك “ليتيتيا جيمس، حل “بيتار”، وهي منظمة يهودية متطرفة، ليكشف مدى تورط الجماعة في التحريض على العنف ضد المسلمين والعرب وحتى اليهود المؤيدين لفلسطين.
قرار إغلاق المدعية العامة “بيتار”، يوقف عربدة أعضاء هذه المنظمة ويجعلها غير شرعية رسميا، لكنه جاء مخففا ونتيجة “تسوية”، وافقت عليها المنظمة بدل سجن أعضائها، وتضمن حظرًا دائمًا على التحريض أو ممارسة العنف، ومنع الاعتداء على الأفراد أو ممتلكاتهم.
تعني كلمة “بيتار” العبرية “الحصن”، وهي اختصار لـ”بريت يوسف ترومبلدور” أو (اتحاد يوسف ترومبلدور) تكريما لمقاتل صهيوني روسي هو جوزيف (يوسف) ترومبلدور، الذي شارك مع مليشيات يهودية في الحرب الفلسطينية الأولى سنة 1920، وقُتل، وكرمته إسرائيل عام 1960، باعتباره بطلا للقومية اليهودية في إسرائيل.
و”بيتار” حركة شبابية صهيونية متطرفة تأسست عام 1923، تصف نفسها بأنها “صاخبة، فخورة، وعدوانية وصهيونية بلا اعتذار”، وتعمل كمنظمة تعليمية وسياسية ترتبط بحزب الليكود وتتبنى أفكاراً عسكرية، كما أنها أصل تسمية نادي “بيتار القدس” الرياضي، وتُعرف بتوجهاتها القومية المتشددة.
وقد ركزت أنشطتها على استهداف النشطاء المؤيدين لفلسطين والجاليات اليهودية غير المتوافقة مع توجهها السياسي الداعم لجرائم الاحتلال، وقامت بالعديد من الأعمال العدوانية في الولايات المتحدة ضد المسلمين والعرب وجماعات يهودية تقدمية تعارض إبادة غزة تحت شعار “ليس بأسمنا“.
وأسسها “زئيف فلاديمير جابوتنسكي”، وهو قيادي في الحركة الصهيونية ولد في أوكرانيا، وبدأ نشاطه الصهيوني عام 1903 بحضور المؤتمر الصهيوني السادس، واستلهام كتابات الصهاينة الأوائل مثل هرتزل وبنسكر.
إذ أراد جابوتنسكي أن يخلد زميله الصهيوني في التاريخ العبري “ترومبلدور” كشخصية مثالية ضحت في سبيل الصهيونية، فاستلهم أسمه وسميت منظمته على اسمه “بيتار” أو “ترومبلدور”، وكانت رؤيته الصهيونية تقوم على إنشاء دولة عبرية على ضفتي نهر الأردن.
ويكرر رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خطاباته ذكر جابوتنسكي، ويقدمه على أنه ملهمه ومرشده الروحي، وأنه يحتفظ بسيفه ويقرأ أعماله بشكل دائم، ويُخصص يوما في السنة لإحياء ذكراه.
ويرى إرن كابلان، رئيس قسم الدراسات الإسرائيلية في جامعة سان فرانسيسكو في بحث نشره بعنوان “لمحة عن الأيديولوجية التي توجه نتنياهو”، أن الحرب الإسرائيلية المميتة الحالية التي تحولت إلى إبادة للفلسطينيين في غزة تعكس أيديولوجية جابوتنسكي التي يعتنقها نتنياهو.
أوضح، في تقرير نشره بمجلة “ذا كونفرزيشن”، 24 مارس 2024، أن هذه الأيديولوجية تُعرف باسم “الجدار الحديدي”، وأطلقها جابوتنسكي في عشرينيات القرن الماضي، قبل تأسيس إسرائيل، لكنها شكلت الملهم الأساسي لنتنياهو طيلة مسيرته في الحكم على مدى عقدين من الزمن.
ويرى نتنياهو أن قوة إسرائيل نابعة من فكرة لجابوتنسكي تسمى “الجدار الحديدي”، ذلك الجدار الذي يعني قوة عسكرية ساحقة تضمن البقاء للدولة اليهودية وتجبر العرب على قبولها.
لذا يرى نتنياهو أن الحل الوحيد وفقا لجابوتنسكي هو دولة يهودية قوية ترفض أي تنازلات، وتحدد التهديدات التي يواجهها الشعب اليهودي وتتصدى لها باستعراض ساحق للقوة.
وقد ربط الكاتب الأميركي المختص في الشؤون الدولية “زاك بوشامب” نتنياهو أيضا بالصهيوني جابوتنسكي، مؤكدا أن مواقف رئيس الوزراء المتشددة التي تقوده أحيانا إلى خلافات مع أقرب حلفائه مثل الأميركيين، “سببها انتماؤه إلى التيار الصهيوني الأقدم والأكثر تشددا الذي نشأ على يد جابوتنسكي“.
أوضح في مقال نشره بعنوان “الأفكار التي تحدد شخصية بنيامين نتنياهو” بمجلة “فوكس”، 16 مارس 2025، أن جابوتنسكي أنتج رؤية فكرية تمخضت فولدت في نهاية المطاف حزب الليكود والسياسات المتشددة التي ينتهجها حتى الآن.
والتي تقوم على الضغط العسكري والسحق والتدمير وسيلة وحيدة لتحقيق الأمن لإسرائيل، هي تجسيد حرفي لأفكار مرجعه الصهيوني زئيف جابوتنسكي.
وكان جابوتنسكي يعتقد أن الحركة الصهيونية لا ينبغي أن تُهدر مواردها على أحلام اقتصادية واجتماعية طوباوية، بل يجب أن ينصب تركيزها حصراً على بناء قوة عسكرية يهودية، أشبه بجدار حديدي، يُجبر العرب على قبول قيام دولة يهودية على أرضهم، وفق “كابلان“.
ولا يعني غلق فرعها في نيويورك وفق التسوية غلق كل فروعها، فقد كشف الأستاذ الجامعي الأميركي “ديفيد ميلر” أن جماعة بيتار الإرهابية اليهودية المتطرفة لها فرع فرنسي عنيف أيضاً، ونشر فيديو لهم.
وتقول المجموعة، التي تدعي أن لها فروعاً في 10 دول، على الإنترنت: إن مهمتها هي “تمكين اليهود من الوقوف بقوة، والتحدث علناً، والدفاع عن تراثهم وإسرائيل ضد جميع التهديدات”، وفقاً لصحيفة “نيويورك تايمز” في 13 يناير 2026.
وأقامت “بيتار” فروعاً لها في أنحاء مختلفة في أوروبا والولايات المتحدة وفلسطين، وانخرط أعضاؤها في الأعمال الإرهابية في فلسطين في الثلاثينيات من القرن الماضي، وكان أعضائها يرتدون القمصان البنية اللون كجزء من الصبغة الفاشية التي تحلت بها الحركة.
وأنشات (بيتار) أيضاً مركزاً لتدريب البحارة اليهود في ايطاليا، ثم مركزاً لتدريب الطيران في باريس العام 1934 ثم في اللد العام 1938 وجنوب إفريقيا ونيويورك، استعداداً لخوض معارك حرب 1948.
وتحولت (بيتار) بعد قيام إسرائيل إلى حركة (حيروت)، وأعضاؤها انضموا إلى كتيبة (الناحال) في الجيش الإسرائيلي، لكن نشاطها استمر في أميركا ودول غربية.
يوم 14 يناير 2026، قررت حركة “بيتار” في الولايات المتحدة حل نفسها رسميًا، عقب توصلها إلى تسوية مع المدعية العامة لولاية نيويورك، التي كانت تحقق مع الحركة بشبهات قيامها بأعمال عنف وإرهاب ضد مسلمين وعرب ويهود معتدلين مؤيدين للفلسطينيين.
وقالت المدعية العامة للولاية ليتيتيا جيمس: “لن تتسامح نيويورك مع المنظمات التي تستخدم الخوف والعنف والترهيب لإسكات حرية التعبير”، بحسب مجلة “انترسيبت”.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات