من ناحية المضمون (4)
7- النظام السياسي الفلسطيني:
كان من الطبيعي ألا يشير ميثاق حركة حماس الصادر عام 1988 إلى ما يسمى النظام السياسي الفلسطيني لحداثة نشأة ذلك النظام، إذ إن هذا المفهوم لم ينشأ سوى بعد إنشاء السلطة الفلسطينية عام 1994، أي بعد إصدار ميثاق الحركة بعدة سنوات، ولو اعتبرنا منظمة التحرير الفلسطينية في فترة ما قبل إنشاء السلطة بمثابة النظام السياسي الفلسطيني مجازاً، فقد أشارت الحركة في ميثاقها إلى طبيعة علاقتها بالمنظمة من دون الاعتراف بها نظاماً سياسياً فلسطينياً، أو الإشارة إليها ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني. لكن الحركة في وثيقتها الجديدة أفردت المواد من 27- 34 للحديث عن النظام السياسي الفلسطيني ومكوناته بما في ذلك منظمة التحرير، والسلطة الفلسطينية، ومختلف مكونات المجتمع الفلسطيني من شخصيات، ورموز، ووجهاء، وتجمعات شبابية، وطلابية، ونقابية، ونسائية، ودور المرأة على النحو التالي:
27- الدولة الفلسطينية الحقيقية هي ثمرة التحرير، ولا بديلَ عن إقامة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة على كل التراب الوطني الفلسطيني، وعاصمتها القدس.
28- تؤمن حماس وتتمسك بإدارة علاقاتها الفلسطينية على قاعدة التعددية والخيار الديمقراطي والشراكة الوطنية وقبول الآخر واعتماد الحوار، بما يعزّز وحدة الصف والعمل المشترك، من أجل تحقيق الأهداف الوطنية وتطلّعات الشعب الفلسطيني.
29- منظمة التحرير الفلسطينية إطار وطني للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج يجب المحافظة عليه، مع ضرورة العمل على تطويرها وإعادة بنائها على أسس ديمقراطية، تضمن مشاركة جميع مكونات وقوى الشعب الفلسطيني، وبما يحافظ على الحقوق الفلسطينية.
30- تؤكد حماس على ضرورة بناء المؤسسات والمرجعيات الوطنية الفلسطينية على أسس ديمقراطية سليمة وراسخة، في مقدمتها الانتخابات الحرة والنزيهة، وعلى قاعدة الشراكة الوطنية، ووفق برنامج واستراتيجية واضحة المعالم، تتمسّك بالحقوق وبالمقاومة، وتلبّي تطلّعات الشعب الفلسطيني.
31- تؤكد حركة حماس على أن دور السلطة الفلسطينية يجب أن يكون في خدمة الشعب الفلسطيني وحماية أمنه وحقوقه ومشروعه الوطني.
32- تؤكّد حماس على ضرورة استقلالية القرار الوطني الفلسطيني، وعدم ارتهانه لجهات خارجية، وتؤكد في الوقت ذاته على مسؤولية العرب والمسلمين وواجبهم ودورهم في تحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني.
33- إن مختلفَ مكوّنات المجتمع من شخصيات ورموز ووجهاء ومؤسسات المجتمع المدني، والتجمّعات الشبابية والطلابية والنقابية والنسائية، العاملة من أجل تحقيق الأهداف الوطنية، هي روافد مهمّة لعملية البناء المجتمعي ولمشروع المقاومة والتحرير.
34- إن دور المرأة الفلسطينية أساس في بناء الحاضر والمستقبل، كما كان دائماً في صناعة التاريخ الفلسطيني، وهو دور محوري في مشروع المقاومة والتحرير وبناء النظام السياسي.
فهل غاب مفهوم الدولة الفلسطينية عن الميثاق وعن الوثيقة على حدٍّ سواء؟!
يجيب المبحوح[1] بالقول: “حدد ميثاق الحركة 1988 أهداف الحركة في المادة التاسعة منه والتي نصت على: وأما الأهداف، فهي منازلة الباطل، وقهره ودحره، ليسود الحق، وتعود الأوطان، وينطلق من فوق مساجدها الأذان معلناً قيام دولة الإسلام، ليعود الناس والأشياء كلّ إلى مكانه الصحيح، والله المستعان”. ويمكن وصف هذه الأهداف —خصوصاً الواردة في الميثاق— بأنها فضفاضة، وغير دقيقة التعبير سياسياً، تميل إلى العموم، وغير قابلة للقياس الموضوعي، غير أننا لا يمكن بحال من الأحوال إغفال الظروف التي صيغت فيها هذه الأهداف على اعتبار أنها صيغت مع بدايات ظهور الحركة، ولكن مع مرور الأيام، ومع تطور الحركة بدأت العمومية تتقلص شيئاً فشيئاً”. وهو ما أكدته الوثيقة السياسية في المادة 27 بالقول: “الدولة الفلسطينية الحقيقية هي ثمرة التحرير، ولا بديلَ عن إقامة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة على كل التراب الوطني الفلسطيني، وعاصمتها القدس”. وهو ما كان أشار إليه مشعل عند حديثه عن أهداف الحركة بقوله: “هدفها التخلص من الاحتلال واستعادة الأرض. مشروع حماس هو إنهاء الاحتلال الصهيوني، وتحرير فلسطين، وتحرير المقدسات، واستعادة الشعب الفلسطيني حقوقه، وعودة اللاجئين إلى أرضهم ووطنهم وديارهم واستعادة القدس. هذه هي الأهداف الوطنية الفلسطينية الكبرى”، مضيفاً أن:
أولوية حماس اليوم هي استعادة الوطن، تحرير الوطن، وطرد الاحتلال، وإنهاء المعاناة الفلسطينية، ووقف هذا الظلم الواقع على شعبنا، وتطبيق حق تقرير المصير، وإنهاء معاناة التشرد لستة ملايين فلسطيني. هذه هي الأولوية الآن، لذلك نحن نلتقي مع شركائنا جميعاً في الساحة الفلسطينية أكانوا في فتح، أم في بقية المنظمات كالجهاد الإسلامي مثلاً. لكن ليس من أولوياتنا التفكير في طبيعة الدولة التي ستنشأ، لا أريد أن أقع في الخطأ الذي وقعت فيه منظمة التحرير حين استعجلت الحديث عن الدولة قبل أن تنجز هدف التحرير، فتحدثت في سنة 1988 عن دولة بلا سيادة، وبلا أرض، كنوع من التعبير النفسي والمعنوي والسياسي. واليوم ما زال البعض يتحدث عن الدولة وهو لا يملك السيادة على الأرض. إنه يمارس الحكم الذاتي، أي سلطة بلا سيادة. نحن اليوم لسنا مع الحديث عن الدولة. الأولوية هي التحرير، وعندما نمتلك السيادة على الأرض نتحدث عن الدولة. حين نصبح أصحاب سيادة على أرض الوطن وننشئ الدولة نتباحث كفلسطينيين في هوية الدولة. والحكَم بيننا هو اللعبة الديمقراطية. نحن لا نُكره الناس إكراهاً، هذا ليس شأننا، وهذا ليس حقاً لنا، ثم هو ليس من طبيعتنا وليس من تفكيرنا، لأن المسائل كلها عندنا تقوم على الاختيار، هناك لعبة ديمقراطية، والشعب بمجموعه وعبر اختياره الحر هو الذي يقرر هوية الدولة كما يحدث في أي دولة في العالم، وفي جميع الأحوال، الأصل أن تكون أي دولة متصالحة مع شعبها ومع أمتها ومع جذورها الحضارية، ومنفتحة على العالم وبعيدة عن التعصب، وأن تكون متسامحة، وأن تكون وعاء الوطن الذي يستوعب الجميع.
وعليه يمكن رسم الصورة العامة للأهداف من خلال أدبيات الحركة (الميثاق) ومتابعة حركتها السياسية ومناقشة رموزها وقادتها ووثيقتها السياسية الجديدة في هذا الموضوع لتشمل الهدف العام، والهدف الاستراتيجي، والأهداف المرحلية، وأخيراً الأهداف الظرفية، فالهدف العام هو “إقامة الدولة الإسلامية”، وهو هدف تجتمع حوله الحركات الإسلامية بكل ألوانها المختلفة، إلا أن حماس في طرحها لموضوع الدولة ترى أن ثمة علاقة عضوية بين إنجاز هدف “التحرير”، وهدف “إقامة الدولة”، فقيام الدولة في فهم حماس يعد ثمرة للتحرير، وهو أمر يشير إلى أن ثمة علاقة جدلية وتداخل محكم بين هدف “التحرير”، وهدف “إقامة الدولة”، وكأنما أدركت الحركة أن الوصول إلى الدولة ينطلق من دخول باب التحرير، فـ”التحرير والدولة” خطان متلازمان يفضي الأول بالضرورة إلى الثاني. أما الهدف الاستراتيجي، فهو في حماس، تحرير كامل فلسطين، حيث تسعى الحركة إلى تحرير كامل الأرض الفلسطينية على أساس أن قضية تحرير فلسطين تتعلق كما ورد في المادة الـ 14 من ميثاقها بدوائر ثلاث: الدائرة الفلسطينية، والدائرة العربية، والدائرة الإسلامية، وكل دائرة من هذه الدوائر لها دورها في الصراع مع الصهيونية، وعليها واجبات، فيما ترى الحركة نفسها بالنظر إلى هذه الدوائر “رأس حربة أو خطوة على الطريق”.
فيما يرى بكر أبو بكر: أن السؤال الذي يتوجب على “حماس” الإجابة عليه لاحقاً هو إلى أي المفهومين تنتمي حركة “حماس” اليوم؟ هل إلى مفهوم الدولة الوطنية والمواطنة والمدنية (أو العلمانية المؤمنة) والشراكة والديمقراطية؟ أم إلى مفهوم “الدولة الإسلامية” التقليدي؟ الذي عبرت عنه بهيمنة الحكم الإسلامي وفهم السلطان الإسلامي على الطوائف الأخرى، كما هو نص العبارة بالوثيقة (يعيش أتباع الشرائع والأديان في أمن وأمان)، فإن كانت الثانية فهذا نكوص كبير عن كل مضامين تطور الفكر الإسلامي، ونكوص كبير عن حقيقة التطور عامة[2].
وهذا ما يدفعنا إلى سؤال آخر، وهو: كيف يمكن تفسير سلوك حماس السياسي بممارسة الحكم بعد الانتخابات التشريعية 2006، وإدارتها على مدار أكثر من عشر سنوات قطاع غزة، وفق مفهومها السابق للدولة الفلسطينية أو الدولة الإسلامية؟ هل يمكن إدراجه ضمن فلسفة الأمر الواقع؟ أم هي محاولة لتغيير فلسفة الحكم الذاتي الناتج عن أوسلو؟
المشاركة في السلطة الفلسطينية: ألا تتناقض هذه المشاركة مع موقف الحركة من اتفاقية أوسلو؟
يجيب على هذا السؤال خالد مشعل بالقول:
سؤال مشروع، ولا شكّ أن ظاهر الأمر فيه التباس، ونحن نقول إن المسألة واضحة. مواقفنا من أوسلو وكل الاتفاقات المفرّطة موقف محسوم لا تردد فيه، إنما هناك ضرورات أملت علينا أن ندخل السلطة لنغير دورها الوظيفي، ولنجعلها تجمع بين خدمة الشعب وإدارة شؤونه اليومية من ناحية، وحقه في مقاومة الاحتلال من ناحية أخرى. وها نحن اليوم سلطة في قطاع غزة ومع ذلك نقوم بالمقاومة ونطورها ونعززها، مع إدراكنا أن هناك صعوبة عملية في الجمع بين كل هذه الاعتبارات؛ لكن الانحياز للمبادئ والالتزام بها يجعلنا نطوّع الواقع للمبادئ وليس العكس[3].
[1] هذه الإجابة مستقاة مع إضافة لها علاقة بالوثيقة الجديدة من: وائل المبحوح، المعارضة في الفكر السياسي لحركة حماس 1994-1996: دراسة تحليلية، رسالة ماجستير منشورة، 2010، ص 448-449، وهو من الجزء غير المنشور من الرسالة التي نشرت في: وائل المبحوح، المعارضة في الفكر السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) 1994–2006: دراسة تحليلية.
[2] بكر أبو بكر، مرجع سابق.
[3] “وثيقة سياسية بقلم خالد مشعل: الفكر السياسي لحركة حماس في ظل آخر التطورات،” مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 20/3/2013.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات