دراسة بريطانية: فقدان “السيادة الغذائية” وراء اضطرابات الوطن العربي

لم يكن انفجار الأوضاع في عدد من الدول العربية عام 2011 مجرد انعكاس لحالة الاحتقان السياسي والاجتماعي الذي عانى منه العديد من الدول العربية التي باتت تعرف بدول “الربيع العربي”، لكن كانت هناك أيضا أسباب “غذائية” لهذا الانفجار، تتمثل في ارتفاع أسعار الغذاء وفقدان الدول العربية لما وصف بأنه “السيادة الغذائية”، وفقا لما ذهبت إليه الباحثة البريطانية جين هاريجان، الأستاذة بكلية “سواس” في جامعة لندن.

وفي كتابها الذي حمل عنوان “الاقتصاد السياسي للسيادة الغذائية في الدول العربية”، وصدرت ترجمته العربية عن سلسلة عالم المعرفة نهاية عام 2018، من ترجمة أشرف سليمان، ربطت الباحثة بين سياسات الغذاء المتبعة في الدول العربية وبين موجة الاحتجاجات ذات الطبيعة الثورية التي شهدها الإقليم منذ عام 2011، حيث تسببت أزمة الغذاء العالمية التي بدأت في عام 2007، في ارتفاع أسعار الغذاء بشكل مقلق خصوصا في غالبية الدول العربية التي تستورد أكثر من 50% من احتياجاتها الغذائية.

وفي هذا الصدد ذهبت هاريجان إلى أن عدم تمكن الدول العربية من تحقيق مطلب السيادة الغذائية كان هو السبب وراء الاهتزازات الاجتماعية والسياسية التي شهدها هذا الإقليم منذ نهايات العام 2010 ومطلع العام 2011، بحيث أن تلك الأزمة كانت قد مست الأمن الغذائي العربي في الفترة الواقعة ما بين سنوات 2007 – 2011، تزامنا مع الآثار التي خلفتها الأزمة المالية العالمية على الجوانب ذات الصلة بالتنمية في معظم دول العالم، ومن جملتها مسائل الأمن الغذائي، بحيث شهد العالم خلال العامين 2007 و2008 ارتفاعا كبيرا في أسعار الغذاء، بما يقارب 130 % خلال مارس 2007 لتكتمل الأزمة الثلاثية (أزمة الغذاء والوقود والأزمة المالية) على الصعيد العالمي.

ولدى تشريحها السياسات الغذائية المتبعة في العالم العربي، ترصد الكاتبة توجهين كبيرين مختلفين عن بعضهما البعض، ذلك أن قسما من الدول العربية يعمل لتكريس الجهود داخليا من أجل إنتاج المزيد من الغذاء، كما هو الشأن بالنسبة للخطة الخمسية التي انتهجها الأردن للسنوات (2014 – 2019)، بحيث سعى الساسة في هذا البلد العربي إلى زيادة الإنتاج في المجال الغذائي من خلال تشجيع الإنتاج الزراعي المحلي ودعم التسويق الداخلي للسلع الزراعية. وهو توجه يجعل السيادة الغذائية لصيقة إلى حد بعيد بمفهوم الإنتاج الزراعي الوطني المكتفي ذاتيا.

أما التوجه الثاني الذي ترصده الكاتبة في بحثها فيتعلق ببعض دول الخليج العربية، وهو التوجه الذي يظهر في النزوع نحو خيار شراء الأراضي الزراعية في بلدان أخرى من أجل إنتاج المواد الغذائية الأولية التي يكون مصيرها الشحن إلى الدول الخليجية، تفاديا لإكراهات الاستيراد من الأسواق العالمية للإنتاج الزراعي، ولعل “مشروع الملك عبد العزيز” الخاص بالاستثمارات الزراعية السعودية في الخارج الذي أطلق في عام 2008، خير مثال على هذا التوجه.

ويشير الكتاب إلى أن هاجس السيادة الغذائية أصبح حاضرا بقوة في الأجندات الحكومية للدول العربية موازاة مع المخاوف من الأزمات الدورية التي تحدث بين حين وآخر، والتي يكون من آثارها المباشرة تضرر القدرة الشرائية للمواطنين، وهي القدرة المنهكة أصلاً بفعل عوامل عديدة، ما يزيد من مخاطر الانزلاق الاجتماعي نحو اتساع رقعة الاحتجاجات وما لها من فواتير سياسية تدفعها الحكومات والبلدان نتيجة تأثير مناخات عدم الاستقرار السياسي على استقرار الاستثمارات، ذلك أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية غالباً ما يكون سبباً مباشراً لدفع الطبقات الفقيرة إلى الاحتجاج.

وتشير الكاتبة إلى أنه في كثير من الأحيان، تصطدم التوجهات الاستراتيجية للدول النامية وضمنها الدول العربية ببعضها البعض، ففي الخمسينيات من القرن الماضي كان التوجه – مثلما كان الحال في مصر- يتحرك رأسا نحو الإصلاح الزراعي الذي يبدأ من إصلاح نظام الملكية الزراعية، وذلك بنفس اشتراكي طغى على معظم حركات التحرر التي استلمت السلطة السياسية بعد الاستقلالات التي شهدتها البلدان المستعمرة آنذاك، وكان ذلك التوجه متلازما إلى حد بعيد مع إطلاق سياسات التصنيع بدءا من الحديد والصلب والنسيج وصولا إلى التصنيع الثقيل والتقني.

فوجدت الدول العربية نفسها وقد قضت على جوانب من “الاقتصاد التضامني” الذي كان كامنا في الإقطاع أو بقاياه، والتهم التصنيع الكثير من الأراضي الصالحة للزارعة، فضلا عن تسبب ذلك كله في طفرات ديموجرافية أدت على مدار عقود قليلة إلى توسع سكاني هائل التهم ما تبقى من أراضي زراعية.

وفي هذا المضمار ترى الكاتبة أيضا أن مشكلات عديدة قد اعترضت تطبيق السيادة الغذائية التامة في الدول العربية، ما أتى بنتائج عكسية مسّت مجالات اجتماعية أخرى لا تقل أهمية عن تأمين الغذاء الرخيص والصحي.

ومن جملة تلك المشاكل الاصطدام الناتج بين ضرورات إنتاج المزيد من الغذاء محليا وبين القلة التي تشوب الموارد المائية المحدودة وكذلك الاصطدام مع عامل ضيق مساحة الأراضي الزراعية التي التهمها التوسع في التصنيع والانفجار الديموجرافي كما تمت الإشارة.

هذا فضلا عن أن خيارات من قبيل شراء الأراضي الزراعية في الخارج، تؤدي مباشرة إلى “تشريد” السكان المحليين في البلد المضيف، مع ما ينجم عن ذلك من مسّ بالسيادة الغذائية للبلدان المضيفة في إفريقيا وآسيا ويعرّض الأمن الغذائي فيها للخطر، ما يتسبب في مشاكل إنسانية خطيرة تشير الكاتبة إلى بعضها في بلدان مثل إثيوبيا والسودان.

وفي غمرة صراع الدول العربية من أجل اكتساب “السيادة الغذائية” تعمل دول أخرى في الشرق الأوسط أو في أوروبا والأمريكتين على تطوير ذاتها في مناحٍ أخرى من قبيل تطوير “الصناعات الزراعية” و”الصناعات الغذائية” على نحو ما تباشره “إسرائيل” من تحويل نفسها لكي تكون مرجعا زراعيا في إنتاج البذور وتهجينها وتطوير إنتاج الشتائل، وهي المنتجات التي تتطلب بنية صناعية وعلمية وتقنية متطورة لا تتوفر عليها معظم الدول العربية. 

لقد وقع الكثير من الدول العربية أسير وضع “منتصف الطريق”، فلا هي استكملت خيار التصنيع والتطوير التقني بما يعود على الزراعة من حيث ميكنتها وتطويرها على النحو المذكور ضمانا للسيادة الغذائية، ولا هي تركت الأبعاد التضامنية التي كانت كامنة في الاقتصاد الزراعي الإقطاعي أو في بقاياه على حالها، في حين مضت الآلة الاقتصادية العالمية نحو نهاية الشوط على سبيل لجم الطموحات السيادية للدول النامية وضمنها العربية، ما انتهى في نهاية المطاف إلى تحويل الدول الطامحة إلى تحصين مكتسبات السيادة الغذائية لكي يصبح مجموع قراراتها في هذا الصدد واقعا في حيز “الهوامش”، وأبعد ما يكون عن أن تكون قرارات كبرى تجعل السياسة الزراعية متطابقة مع السياسة الصناعية وكلاهما متطابقان مع الاحتياجات الوطنية.

شاهد أيضاً

إصابة 5 صهاينة في هجوم لحزب الله جنوبي لبنان

أعلنت قوات الاحتلال إصابة 5 جنود في جنوبي لبنان، الأربعاء، بفعل هجوم نفذه عناصر حزب …