من المقرر, بصفة مبدئية, الانتهاء من بناء سد النهضة الإثيوبي في أواخر عام 2018، وبمجرد الانتهاء من البناء، سوف تشرع إثيوبيا في ملء خزان السد الضخم، الذي قد يحتجز ما يصل إلى 74 مليار متر مكعب من الماء.
إلا أن المفاوضات بين إثيوبيا وجيرانها حول مجرى النهر وصلت إلى طريق مسدود في نوفمبر الماضي، بعد تفجر الخلافات حول نتائج الدراسات الفنية لتأثيرات السد والطرق الممكنة لتنسيق تعبئة الخزان؛ ما دفع القاهرة إلى الانسحاب من المحادثات.
ومع تزايد عدد السكان في مصر، لنحو 96 مليون نسمة, فإن تحديات إدارة إمدادات المياه لن تكون أسهل في العقود القادمة. صحيح أن وجود نهر النيل، يجعل مستوى الإجهاد المائي في مصر أقل مما هو في العديد من جيرانها، ولكن أي انخفاض في حصة المياه من النهر – حتى لفترة قصيرة – من شأنه أن يزيد بسرعة من التوتر.
وقد سمحت الحقوق والمعاهدات التاريخية لمصر بالتأثير على المفاوضات بين دول حوض النيل الأخرى، وبالتالي السيطرة الكبيرة على سياسات النهر.
ومع ذلك، فقد أبرزت التطورات التي طرأت على هذا المؤشر مدى تأثر النفوذ التاريخي لمصر.
وقد اعتمدت مصر والسودان لتبرير حقوقهما في مياه النيل منذ وقت طويل, على اتفاقيات قديمة، كثير منها تم التفاوض حولها عندما كانت الدول الأفريقية مستعمرات أوروبية.
وفي نزاعهما مع إثيوبيا حول السد، تقول مصر والسودان – المستعمرتان البريطانيتان السابقتان – إن معاهدة عام 1902 بين بريطانيا العظمى وإثيوبيا تمنحهما سلطة الفيتو على أي مشاريع – من شأنها أن تهدد إمدادات المياه – في المراحل الأولى بحسب تقرير لـ “ستراتفور”.
وتقول الحكومة الإثيوبية إن المعاهدة لم تتم الموافقة عليها على النحو الواجب محليا، وبالتالي فهي باطلة، وتشير مصر والسودان أيضا إلى اتفاق عام 1959 بينهما – الذي يخصص 55.5 مليار متر مكعب مياه لمصر و18.5 مليار متر مكعب من المياه للسودان.
ويبلغ إجمالي التدفق السنوي حوالي 74 مليار متر مكعب، وكان أعلى رقم قد حققه 84 مليار متر مكعب، وهو رقم لا يتم اعتباره بالكامل بسبب معدلات التسرب والتبخر.
وفي معظم حالات الأنهار العابرة للحدود، تحتفظ بلدان المنبع بنفوذ أكبر مما تتمتع به دول المصب، ولكن العديد من بلدان منبع نهر النيل – مثل أوغندا وإثيوبيا ورواندا – لم تكن متطورة بما فيه الكفاية، أو لم تكن موجودة في شكلها الحالي، عندما تم التفاوض على التدفقات.
ونادرا ما كان يتعرض موقف مصر كدولة مصب قوية تتمتع بمزيد من السيطرة على نهر النيل للاهتزاز، بسبب المعاهدات القائمة، ومع ذلك، بدأت العوامل الجيوسياسية الأخرى تتصاعد في إثيوبيا ودول أخرى في المنبع، وبدأت دول حوض النيل تتحول إلى النظام الطبيعي المعتاد حول العالم.
وفي عام 1993، وصلت مصر وإثيوبيا إلى طريق للاتفاق، من خلال الموافقة على الالتزام بالممارسات والأطر الدولية في مفاوضات النيل المقبلة، التي تحكم بمبدأين: التوزيع العادل وعدم الإضرار بالآخرين.
وأكدت مصر أن هذا الاتفاق يعطيها رأيا في المشاريع التمهيدية, ويمكن أن تؤثر المشاريع النهائية على التوزيع العادل للمياه.
وقد عززت بلدان المنبع نفوذها بشكل أكبر على مدى الأعوام الـ 25 الماضية، واستخدمت مبادرة حوض النيل لتعزيز موقفها التفاوضي تجاه مصر والسودان، وكلاهما من أعضاء المبادرة.
ودفعت تلك البلدان أيضا إلى الاتفاق الإطاري التعاوني عام 2010، الذي لم توقع عليه مصر والسودان، وتهدف الاتفاقية إلى إعادة توزيع بعض الحقوق التاريخية لمياه النيل، والأهم من ذلك، تقليل نفوذ مصر على خطط الري المحتملة لدى تلك البلدان.
وقد اتهمت مصر إثيوبيا بالاستفادة من الاضطرابات خلال الربيع العربي – وانهيار المفاوضات حول اتفاقية إطار التعاون – من أجل الإعلان عن خطة سد النهضة الإثيوبي عام 2011.
برج المياه في شرق أفريقيا
تم تصميم سد النهضة الإثيوبي لإنتاج ما يصل إلى 6450 ميجاوات من الكهرباء، مما قد يزيد عن ضعف قدرة إثيوبيا في مجال الطاقة.
ويعد النيل الأزرق الذي يقع عليه السد، مصدر ما يقدر بنحو 84 % من إمدادات مياه النيل.
ولملء الخزان، سيؤثر ذلك على الحد الأدنى من متطلبات مصر، ويتطلب بروتوكولا جيدا بين البلدين، وتنسيق العمليات في مختلف السدود على المصب، والتنسيق بين إدارة السد العالي في مصر مع إدارة العمليات في السد الإثيوبي.
وقد نظرت العشرات من الدراسات في الأثر المحتمل لاستراتيجيات مختلفة لملء الخزان.
وتريد مصر أن تستغرق العملية 15 عاما، وفق ظروف الأمطار، بينما ترغب إثيوبيا في ملئها بسرعة أكبر، حتى تتمكن من البدء في جني فوائد إنتاج الكهرباء وتصديرها.
وقالت مصر إن إثيوبيا يجب أن تتوقف عن بناء السد حتى تنتهي الدراسات, وقالت إثيوبيا إنها غير مضطرة إلى الاستجابة لمطالب مصر، لأن المصريين لا يُخطرون إثيوبيا دائما بمشاريعهم المتعلقة بالمياه على النيل.
وتشير بعض الدراسات إلى أن السد قد يُحسّن أمن المياه في مصر على المدى الطويل.
وعلى سبيل المثال، سيخسر خزان السد العالي في جنوب مصر مياها أقل من التبخر.
وقد يكون من شأن وجود اتفاق التنسيق مع إثيوبيا والسودان أن يفيد مصر – على الأقل بشكل قليل – لأن السد سيسمح للحكومات بالتحكم بشكل أفضل في تدفق النيل.
ومن شأن هذه السيطرة أن تقلل من توليد الكهرباء من السد العالي في أسوان، ولكن الكهرباء عن طريق الطاقة الكهرومائية أصبحت أقل فعالية لمصر.
وفي الوقت نفسه، فإن إمدادات المياه التي تنتج عن السد من المقرر أن تعود بالنفع على السودان، من خلال جعل الري أكثر كفاءة، من خلال زيادة عدد مواسم الزراعة في البلاد.
ولكن بالنسبة لمصر، فإن مشروع التنمية الريفية – وهو مجرد واحد من العديد من مشاريع نهر النيل الكبيرة التي تخطط لها إثيوبيا – يأتي في سياق تراجع نفوذها على تدفقات النيل.
وترى إثيوبيا أن سلسلة من السدود ذات أهمية حاسمة بالنسبة للفوائد المحتملة على المدى الطويل، ما يعزز مركزها كمصدر رخيص للعمالة، واستغلال ذلك في التصنيع الموجه بهدف التصدير.
وعلى الرغم من أن السد الإثيوبي لا يهدف إلى تخزين المياه للري، فإن مصر قلقة من أن تستخدم إثيوبيا سدودا أخرى لري المحاصيل.
ويفسر هذا التهديد المحتمل لتوافر المياه في مصر لماذا تخشى القاهرة مثل هذا الموقف الصعب، رغم أن الخطر سيكون فقط أثناء ملء خزان السد.
نزاع السدود
وفي الوقت الذي دفعت فيه مصر إلى مواجهة إثيوبيا بالتحرك من جانب واحد في هذا المجال، فإن من مصلحتها مواصلة المشاركة في المحادثات.
وفي الواقع، يدل اتفاق الخرطوم لعام 2015 – بين السودان ومصر وإثيوبيا – الذي وضع خارطة طريق للمحادثات حول السد، على رغبة مصر في استنفاد الخيارات الدبلوماسية. وشملت خارطة الطريق اختيار أطراف خارجية لدراسة أثر السد.
وفي سبتمبرعام 2016، اختارت الحكومات الثلاث شركتين أوروبيتين لدراسة آثار السد، ولكن بمجرد عودة نتائج الدراسات في أغسطس 2017، ظهر الخلاف حول كيفية تفسير هذه النتائج. ودفعت مصر باتجاه تقديم تقارير تسلط الضوء على المخاطر المحتملة التي تواجهها، في محاولة الحصول على المزيد من التنازلات من إثيوبيا بشأن ممارسات التشغيل وبروتوكولات ملء الخزان.
وقد دفعت السودان وإثيوبيا باتجاه التفسيرات التي تسلط الضوء على الممارسات والبروتوكولات التي تؤثر على مصالحهما.
وكانت مصر قد انسحبت من المحادثات في نوفمبر الماضي، وأصبح موضوع السد الإثيوبي حاضرا بشكل يومي في وسائل الإعلام والحياة اليومية المصرية.
ونادرا ما يمر يوم دون وجود مسؤول أو عضو في البرلمان أو مقالة تعبر عن قلقها إزاء السد.
ويذكرنا رد الفعل هذا – إلى حد ما – بالطريقة التي انتقدت بها وسائل الإعلام المصرية اتفاق جزر البحر الأحمر مع السعودية، الذي أحاله عبد الفتاح السيسي إلى البرلمان هذا العام.
وقد قطع السد الإثيوبي ما يقارب 70% من مرحلة البناء. ويستمر البناء بغض النظر عن رغبة مصر في إيقافه – إما بشكل دائم أو مؤقت – وسيبدأ ملء الخزان في نهاية المطاف.
وقد أصدرت مصر تهديدات عسكرية من حين لآخر، ولكن المجتمع الدولي، الذي يدعم السد إلى حد كبير، سوف يمنع تحقق أي تهديدات بالقوة العسكرية لمنع إكمال السد.
ومع الوجود الحتمي للسد، تجد القاهرة نفسها في زاوية لا مفر منها من المفاوضات، وتقل قدرتها على دفع إثيوبيا إلى تقديم التنازلات بشكل متزايد.
وقد تقدمت مصر بشكوى إلى شركائها في الجامعة العربية وإلى البنك الدولي، ولكن دون جدوى. ومع إصرار إثيوبيا – إلى حد كبير – في رسالتها بأن الري ليس جزءا رئيسيا من خطة السد، وجدت مصر دعواتها الدبلوماسية تقع على آذان صماء.
ومن المرجح أن يتم إجبار مصر على العودة إلى طاولة المفاوضات عاجلا وليس آجلا.
وعلى أي حال، فإن نقص الخيارات لدى القاهرة، وانخفاض قدرتها على التوحد مع السودان ضد دول المنبع، واستمرار بناء السد، أظهر أن تكتيكات مصر القديمة لم تعد ذات جدوى، وأن دول المنبع تكتسب النفوذ في سياسات مياه حوض النيل أكثر فأكثر.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات