على مدى عقود لم تجد ما عُرفت بالسلفية الجهادية غضاضة في التعاون أو في الصمت على الأقل تجاه تحالفات بينها أو بين من بايعتهم على الجهاد وقاتلت في صفوفهم وبين الأمريكيين وحلفائهم من باكستانيين وخليجيين. تجلى ذلك إبان فترة الجهاد الأفغاني، وحتى مع غياب المجاهدين الأفغان عن الساحة، وتسيّد حركة طالبان أفغانستان المشهدين السياسي والعسكري، كانت باكستان أشد حلفاء الحركة وثوقاً، وتذهب كل الروايات وشهود العيان والذين كنت من بينهم إلى أن باكستان كانت من أكبر الدافعين لتأسيس حركة طالبان ودعمها ضد خصومها، حتى دعاهم وزير الداخلية نصير الله بابر آنذاك دون أي اعتراض من الحركة «إنهم أبنائي وأولادي»، وحين وصلت حركة طالبان إلى السلطة في كابل 1996 اعترفت بها دول مثل السعودية وباكستان والإمارات وبنجلاديش، وظلت الحركة تتعامل مع باكستان على الأقل كحليف حقيقي لم تهتز الثقة به، ولم تعلن رأياً مغايراً حتى مع انضمام الأخيرة للحلف الأمريكي ضدها والذي أدى لخلعها عن السلطة 2001، بل وتسليم سفيرها عبدالسلام ضعيف إلى الأمريكيين ليقضي سنوات من عمره في معتقل جوانتانامو.
لم تصدر عن مؤسس وزعيم حركة طالبان أفغانستان الراحل الملا محمد عمر كلمة واحدة معادية لباكستان، ربما ليس حباً بها بقدر ما هي الظروف الدولية والإقليمية الضاغطة، وبالمقابل لم يتبرع شيوخ وعلماء أفغانستان وباكستان الموالين لحركة طالبان بأي فتوى معادية لباكستان ومحذرة منها أو من التعاون والتنسيق معها، بله من التنسيق معها وتحالفها مع الأمريكيين، ورأينا كيف أن الفتاوى السياسية غابت تماماً عن الساحة الأفغانية، كون تنقيح مناط الفتوى معقد جداً، فالواقع السياسي أشبه ما يكون برمال متحركة لا تثبت؛ ولذا فالمصلحة السياسية يحددها على الأرض والواقع المجاهدون والثوار الصادقون.
والكل يعلم كيف لجأت “القاعدة” وقادتها وبعض شبابها إلى إيران التي تظل أكبر معادٍ للثورات العربية وحتى معادية لمشروع “القاعدة” المعلن في أفغانستان والعراق، رغم التسهيلات الإيرانية لها بالعبور إلى تينك البلدين وما بعدهما، ومع هذا لم نسمع عن فتوى واحدة تتحدث عن حرمة هذا التعاون، لأن القاعدة رأت مصلحتها فيه، وحين فوجئ الجميع بعودة زعيم حركة طالبان أفغانستان الملا أختر منصور من إيران واصطادته طائرات بلا طيار الأمريكية على الأراضي الباكستانية، لم نسمع فتوى واحدة تتحدث عن حرمة هذا التعاون وهذا التنسيق.
هذه المقدمة قد تكون طويلة لنفهم ما يجري من حرب فتاوى في الشام بينما الأرض تُقضم يومياً كما قضمت في القصير وحمص ومضايا وداريا والزبداني والآن المعضمية وحلب، وسيأتي اليوم إن استمر البعض في جدله البيزنطي هذا، الذي لن يجد فيه أرضاً يفتي بحرمة أو جواز الدفاع عنها مع الأتراك وغيرهم، ولذا فعلى الثوار أولاً أن يُحيّدوا حرب الفتاوى الشرعية، فالقضية أولاً وأخيراً مصلحة راجحة وهذا يحدد من قِبل السياسي أكثر من الشرعي، وعلى الشرعي أن يربأ بنفسه أن يكون بأيدي فصيل ضد آخر.
المشاريع في الشام متناقضة ومعقدة، ومتشابكة ويدخل فيها البعد التاريخي والمذهبي، ومغرقة أحياناً بالمحلية وكله بحاجة إلى فهم حصيف لتوظيفه بما يخدم المشروع الثوري، ومن يظن أن المشروع التركي في جرابلس وغيره مشروع أمريكي تماماً، لا يفهم ألف باء السياسة وجاهل بالواقع، وهو ما يؤدي إلى خلل في الفتوى الشرعية، يترتب عليه تنفير الناس من دين الله أولاً، فالشرع إنما قام من أجل جلب المصالح ودفع المفاسد، ومبني تحديداً على فهم الواقع، وهل يستطيع من يفتي بحرمة الاستعانة بالأتراك لأن لديهم مشروعهم القومي أن يقول لنا إن معارضتهم ستفشل أم تُنجح المشروع الروسي والأمريكي والإيراني؟ قد نتقاطع مع مشروع هنا ومشروع هناك والحصيف من قاس وأصاب بهذا التقاطع، فليس الحكيم من يعرف الخير من الشر، وإنما من يعرف خير الخيرين وشر الشرين.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات