على الرغم من كل ما قيل ويقال حول تعاظم مظاهر العدوان الصهيوني على الحرم القدسي الشريف حتى الآن، فإن أحدا لم يتمكن من الوقوف على حجم المخاطر التي يتعرض لها الحرم. في ظل بروز المزيد من مصادر التهديد الصهيوني عليه إلى السطح مؤخرا, وفي ظل حالة الصمت العربي الرسمي، وفي الوقت الذي تنشغل فيه قيادة السلطة بالتعاون الأمني مع الاحتلال, وتتلهى الفصائل، وضمنها المقاومة، بمهزلة الانتخابات المحلية، فإن الصهاينة يبدون تصميما متزايدا على تغيير الواقع في الحرم وصولا إلى تدميره بشكل كامل وتدشين الهيكل المزعوم.
ومن الأهمية بمكان أن نرصد بعض المظاهر التي لا يتم الالتفات إليها من قبل الإعلام العربي، على فداحة دلالاتها:
أولا: انضمام قطاع واسع من العلمانيين اليهود للمطالبين بتدشين الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى، حيث دلت تركيبة اليهـود الذيـن شاركوا في عمليات الاقتحام الأخيرة للحرم على أن نسبة كبيرة منهم من العلمانيين. ويسمح تحقيق نشرته صحيفة «معاريف» الخميس الماضي بإطلالة كافيـة تدلل على زيادة دور العلمانيين في عمليات الاقتحام.
ويوضح التحقيق أن مطالبة الكثير منهم بتدمير الحرم من أجل إفساح المجال أمام بناء الهيكل لا تقل حدة عن مطالبة اليهود المتدينين بذلك. ومما لا شك فيه أن هذه الظاهرة تعني أن المطالبة بتدمير المسجد الأقصى بات يشكل محور إجماع بين الصهاينة؛ علمانيين ومتدينين، وهذا ما يولد روافع ضغط إضافية على القيادة السياسية الصهيونية للإقدام على المزيد من الخطوات التصعيدية في الحرم، مع العلم أن هذه القيادة تراعي اعتبارات العلاقة مع بعض الدول العربية.
ثانيا: على الرغم من أن الكيان الصهيوني يدعي أنه معني بمواصلة الأردن الاطلاع بدور في الحرم القدسي الشريف، إلا أن أوساطا صهيونية، بعضها رسمي، باتت تطالب بوضع حد للدور الأردني في الحرم؛ بل أن هناك من بات يطالب بالغاء هيئة الأوقاف الإسلامية.
ولو أخذنا على سبيل المثال ردة فعل رئيس لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست آفي ديختر على تحذير ملك الأردن عبد الله الثاني من مغبة تقسيم المسجد الأقصى، وتأكيد ديختر بأن «إسرائيل» لن تسمح لأحد بالتدخل بآلية سلوكها في الحرم، فإن هذا يدلل على أن المستوى الرسمي الصهيوني يسمح في النهاية بهامش مناورة محدود أمام القيادة الأردنية في كل ما يتعلق بالحــــرم.
وهناك في تل أبيب من شكك في الدور الأردني واعتبر أن عمان تحركت تحت ضغط الشارع الأردني، عشية الانتخابات البرلمانية هناك، حيث نقلت صحيفة «يسرائيل هيوم» في عددها الصادر الجمعة الماضي عن مصادر رسمية صهيونية قولها إن الحكومة الأردنية رفعت صوتها بشأن الممارسات الصهيونية في الحرم من أجل قطع الطريق على توظيف موضوع الحرم من قبل الإسلاميين في الانتخابات.
في الوقت ذاته، ولأول مرة باتت الجماعات الإرهابية اليهودية التي تطالب بتدمير المسجد الأقصى تجاهر بمطالبتها بالغاء مؤسسة الأوقاف الإسلامية في القدس. وقد كتب نوعم سيغل، أحد أبرز نشطاء الهيكل الصهاينة مقالا في صحيفة «ميكور ريشون» عدّد فيه الأسباب التي تدعو لالغاء مؤسسة الأوقاف ولطرد أفراد الشرطة الأردنية من المكان.
ثالثا: لأول مرة في تاريخ الكيان الصهيوني حصلت الجماعات اليهودية التي تطالب بتدمير المسجد الأقصى على تمثيل رسمي في النظام السياسي الصهيوني؛ فالحاخام يهودا جليك، الذي يعتبر الأكثر حماسا لفكرة تدمير المسجد الأقصى بات يشغل مقعدا في البرلمان على قائمة حزب الليكود الحاكم. وهناك ما يدلل على أن ممثلي حركات الهيكل الصهيونية ستحصل على مزيد من التمثيل داخل البرلمان بعد الانتخابات القادمة، وقد يصل ممثلوها للحكومة ذاتها، مما يعني إحداث تغيير جوهري على الأجندة الصهيونية المتعلقة بالأقصى.
رابعا: هناك انطباع صهيوني سائد بأن العلاقات مع العالم العربي لم تعد تتأثر بالممارسات الصهيونية تجاه الشعب الفلسطيني ومقدسات الأمة. ويكاد رئيس الوزراء الصهيوني لا يفوت فرصة دون التأكيد على هذا المعنى بشكل غير مباشر. ومن أسف، فإن الكثير من الممارسات العربية الرسمية على صعيد العلاقة مع الكيان الصهيوني تؤكد صوابية هذا الانطباع، حيث إن هذه الممارسات وصلت إلى حد التطبيع العلني والفج. ومما لا شك فيه أن هذا يشجع الصهاينة على مواصلة هذا النمط من السلوك تجاه المقدسات الإسلامية.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات