تُعرّف القيم؛ بأنها المنظومة الأخلاقية، التي لها معاييرها الخاصة التي تمتاز بها والتي تعارف عليها الناس، عبر تاريخهم الطويل. والخروج عليها يعد بمثابة الأزمة التي تتعرض لها الأمة، فتؤدي إلى خلخلة في البنى الاجتماعية، وإلى مشاكل كثيرة غير محسوبة، وأحيانا أخرى تؤدي إلى تدميرها. يستوي في ذلك الناس كافة, وهي نتيجة حتمية لسلوكياتهم، التي أدت إلى ماحل بهم.
وتتمايز المجتمعات الإنسانية من بعضها بأصالة تلك القيم، وكونها الأصلح. ويكون الخلل عادة في الخصوصيات الناشئة، التي تميز المجتمعات بعضها من بعض. ويرادف الخصوصيات تنوع الثقافات وتعددها، وكذلك تعدد المفاهيم. وهذا بدوره يقود إلى تباين أفقي وعمودي في العلاقات العامة, ومن ثمّ إلى الاختلاف؛ حيث تبرز المشكلة. ومع بروز المشكلة؛ تنشأ الأضرار التي تعرض الإنسان للخطر؛ كأن تُهدر حقوقه، وتسلب حرياته، ويغدو عرضة لعدوان الآخرين عليه.
والمجتمع السوري ليس بدعا في هذه المسألة، وقد كان قبل هذا التاريخ جزءًا من منظومة أوسع، وعالم أكبر. ثم مع نهاية الحرب العالمية الأولى، طالته فؤوس سايكس، ووعود روتشيلد، وسياسة كامبل واقتراحات هرتزل؛ فداهمه التغيير من كل جانب، ولم يكن يومئذ على بينة من أمره, فرتع في ذلك؛ من حيث يدري ولا يدري؛ الأمر الذي أدى إلى سقوط القيمة عنده، وإلى خلل في منظومته الأخلاقية التي كان يمتاز بها من سواه. وهذا هو وجه المشكلة في سورية الحديثة، التي باتت تعاني من سقوط القيمة، أكثر مما تعانيه، من هجوم الأعداء عليها.
كانت المنظومة الأخلاقية التي امتلكها المجتمع السوري قبل الحرب الأولى, إسلامية خالصة, تتمثل بالقيم الإسلامية التي تنظم حياة الإنسان، وتجعله في مأمن من عدوان الآخر عليه. فالدماء والأعراض والأموال مصونة، والحدود قائمة، ولايتعداها إلا الجناة. والمسارعة إلى الخيرات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة العدل و المساواة؛ ليس من المتعارف عليه حسب؛ وإنما هي أمور تعد من خصوصيات الأمة؛ وهذا ماجعلها مُهابة، ولها سلطانها على الجميع، بالرغم من الجنايات أو الجنح التي وقع فيها بعضهم.
كان هذا كما يقال أيام زمان؛ وأيام زمان قد ترجع إلى صدر الإسلام, وقد تمتد إلى العصور الوسيطة؛ فالمنظومة الأخلاقية كانت حاكمة ولم يداخلها الخلل إلا مع بداية العصر الحديث وبروز المشكلة، في سورية الحديثة, حيث بات الخلل واضحا ومقروءا من قبل العامة والخاصة.
فالمعروف أن أول كلمة نزلت من القرآن هي كلمة (إقرأ), وهي الكلمة الأولى في الآية الأولى من سورة “العلق” قد تبعها في الآية الرابعة من السورة (الذي علّم بالقلم). وهنا إشارة واضحة إلى القراءة والكتابة، وإلى أهمية ذلك في حياة الإنسان. وإذا كانت القراءة ينظر إليها على أنها تمثل صلة الوصل بين القديم والحديث، وعلى امتداد الزمان، فإن الكتابة بمثابة الماعون الأوسع، الذي حفظ قديم الإنسان وحديثه، ومنظومته الأخلاقية التي امتاز بها خلال تاريخه الطويل.
ما أصاب العرب
والمعروف أيضا أن الذي أصاب العرب بعامة، في أقطارهم المختلفة، ومنها سورية، مشكلات ثلاث:
1- أنهم عادوا إلى أميّة؛ بعد أن كانوا من أمة اقرأ, والأمية سمة جاهلية، وسمة الأمم المتخلفة، التي تعد أدنى مستوى في التعلم. والعرب منذ العصور الوسيطة آل أمرهم إلى جاهلية، وإلى تخلف مقيت، وقد انشغلوا بثاراتهم وعداواتهم، حتى بات الحديث عن جاهلية القرن العشرين من المسلم به في أوساطهم، وقد باتت خصائصها تشغل الجميع.
2- أنهم غرقوا في الجهل والتخلف: بسبب انقطاعهم عن تاريخهم، وعدم إمكانية العودة إلى تراثهم، فتاهوا، بعد أن ضلوا وأضلوا. وعلى هذا كانت سلوكياتهم المتأخرة، وماأغرقها في الجهل, وما أرتعها في الضلال, و ما حلّ في سورية بعد 2011م، يقيم الدليل على ذلك.
3- وقوعهم في أسر السياسات الخاطئة – داخلية و خارجية – وما أكثرها, وقد أصبحوا يخوضون المعارك الخاسرة؛ الواحدة تلو الأخرى؛ دون أن يستطيعوا معرفة الأسباب التي أدت إلى خسارتهم، غير متعظين من النتائج التي قد تترتب على تلك الخسائر. و بسبب من ذلك أصبح المجتمع السوري واقعا في أسر مرحلتين مختلفتين، إحداهما أشد ضراوة من الأخرى.
المرحلة الأولى؛ هي المرحلة التي مر بها المجتمع السوري مع مطلع القرن العشرين ومابعد: وتعرف بمرحلة الاستعمار، وقد امتدت من 1918م إلى 1946م. وقد كان الذي حدث أن ماهم فيه من أمية وجهل وتخلف وبعد عن موروثهم التاريخي، أوقعهم في أسر سياسات الجنرال جورو، التي كانت تخطط – وعلى المدى البعيد – من أجل شرذمة السوريين، وإشغالهم بمشاكلهم، وجعلهم غير قادرين على التخلص منها. والمعروف أن جورو وخلفاءه من بعده، تبنوا السياسة الطائفية، ولم يخرجوا من سورية إلا بعد أن وضعوا في رجلها القيد الطائفي الغليظ، الممثل بقوات المشرق الخاصة التي تحولت بعد سنة 1946م، إلى الجيش العربي السوري.
أما المرحلة الثانية, فهي منذ الاستقلال الذي يعود تاريخه إلى 17 إبريل/نيسان 1946م ولاتزال قائمة, وقد مثلت – وعلى المدى البعيد – تحقيقا عمليا للسياسات المعدة مسبقا، التي أدت بشكل نهائي إلى انهيار البقية المتبقية من المنظومة الأخلاقية التي كانت عليها الأمة سابقا، وإلى السقوط الحضاري الذي كان بمثابة سقوط القيم في سورية كلها, فأصبح المجتمع السوري يتحرك غريزيا، وقد عَدِم الدافع باتجاه ماهو أحسن، بسبب انقطاعه عن تراثه، وعن ماعونه الحضاري الذي كان يأخذ منه, وعن دينه وأخلاقه وقيمه الحضارية العامة والخاصة.
ومع ذلك؛ فلسقوط القيمة في سورية الحديثة أسباب ثلاثة:
- سبب يتعلق بالثقافة الوافدة: التي عبرت إلى البلاد في وقت سابق وكان طليعتها المدارس التبشيرية، التي كانت أكثر انتشارا في سورية منها من أي بلد آخر، وقد لعبت دورا في تكوين النخب، ورسم قناعاتها. ثم تبعتها بعد ذلك البعثات التعليمية، التي كانت أكثر استيعابا للمفاهيم الغربية. وكثير منهم عادوا إلى البلاد، وهم مصابون بـ(الإيدز) الحضاري الذي يفتك بالشعوب أكثر مما تفتك بها الأوبئة الأخرى وقد كان لبعض تلاميذ مدارس التبشير ولبعض شخصيات البعثات العلمية الأثر الأكبر في سقوط القيمة، وتفكك المنظومة الأخلاقية التي عرفتها سورية في تاريخها الطويل، بل وفي تحويلها إلى سبة تقذف في وجوه أصحابها. وقد مثّل ذلك أحد الشروخ العميقة في جدار العلاقات الاجتماعية السورية.
- سبب يتعلق بالثقافة (اللقيطة): التي تعود في مصادرها إلى الكتب الرخيصة، التي تنشر الإباحية والمجون، وتلتقط من المقاهي والكازينوهات أو التي يقذفها الإعلام الموجه من الداخل والخارج والذي لايقيم وزنا لخلق أو دين؛ فكان ذلك بمثابة الشرخ الأكثر خطرا الذي زاد الشرخ الأول عمقا. والمعروف أن أصحاب الثقافات (اللقيطة)، من هذا النوع، كانوا أشد خطرا لأنهم كانوا, كما يتصورون هم, يحملون في ذواتهم المهاد المعرفي، الذي يراد لسورية الحديثة أن تنشّأ على أساسه. فضلوا وأضلوا في هذه المسألة.
- سبب يتعلق بالجهل والتخلف بعامة الذي كان موروثا عن الأمييّن من ناس (جاهلية القرن العشرين)، وقد كانوا هم الأكثرية في البلاد، وكانت حياتهم معقدة جدا، وقد دبت إليهم أمراض الأمم السابقة, فكانوا مع الأيام يزدادون جهلا وتخلفا، وبالتالي قصورا عن إدراك طبيعة ماهم فيه من مشكلات، فمثلوا بذلك الجهة الأكثر سلبية، والأكثر ضعفا.
وعن هذه الأسباب مجتمعة نتجت أمراض اجتماعية قاتلة تأذت منها المكونات بعامة، وعانت منها النخب المثقفة، وقد أدى ذلك إلى النتائج التالية:
- البعد عن الثوابت الوطنية، والقومية، والدينية, وعن الموروث الحضاري العام، الذي اكتسبته الأمة عبر تاريخها الطويل، إذ لم يدخل ذلك في دائرة المستفاد منه، أو مايمكن أن تؤخذ منه العبرة. وهو أمر يندرج جميعه في دائرة السقوط الحضاري الذي نعاني منه اليوم، ومثلنا في ذلك مثل التاجر الذي يتحرك في السوق بدون رصيد، أو المقاتل الذي يذهب إلى المعركة بدون ذخيرة، وهو أمر له مابعده.
- الوقوع في أسر الخصوصيات الناشئة التي أوجد بعضها الاستعمار، وأوجد بعضها الآخر الجهل والتخلف، الذي رتعت فيه الأمة منذ زمان. ومن ذلك على سبيل المثال: المناطقية، والطائفية، والشخصانية والفئوية والحزبية. والمعروف أن هذه جميعا وصفت بالعقدة المستعصية على الحل، وقد جرّت سورية كلها إلى مستنقع يصعب التعامل معه. وماجرى في سورية الحديثة والمعاصرة منذ مطلع القرن العشرين إلى اليوم لايخرج عن دائرة ذلك؛ وهو الذي أفقدها خصوصيتها الوطنية المحضة، مما أسقط هيبتها عند الأعداء والأصدقاء.
- الذهاب إلى ماهو أبعد في الاختلاف: وهي مسألة قادت إلى الشقاوات والتعنت حول الرأي والرأي الآخر, والتكلس في العلاقة, وخروج النخب إلى الشوارع وهي مسلحة بالعصي والجنازير. وقد أدى ذلك بعد إلى استخدام الدبابة، والـ ب.ت.ر ، والطائرة الحديثة، فسقطت القيمة في أتون ذلك، وكان من نتائجها الحتمية، القول بقتل الآخر، وهضمه حقوقه، والعدوان عليه؛ بل والتحالف ضده مع أعداء الأمة من – داخليين وخارجيين – وقيل ماقيل عن كل ذلك، فهي المشكلة التي تتطلب الحل؛ وطلب الحل والتوصل إليه، لايكون إلا بالارتقاء بالقيمة إلى ماهو أعلى، وعدم الاكتفاء باحتواء الماضي أو البكاء على أطلاله الحزينة.
رئيس وحدة الدراسات السورية – مركز أمية للبحوث والدراسات الإستراتيجية
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات