عبد العزيز الحاج مصطفى

د. عبد العزيز الحاج مصطفى يكتب: النخب السورية وتشابك المكوّنات (الجذور والعلاقات)

لم تعرف سورية؛ الدولة الوطنية المستقلة ذات السيادة؛ بحدودها المعروفة عبر تاريخها الطويل. فهي بعد الإسلام أصبحت جزءا من الدولة الإسلامية التي تعاقب على الحكم فيها العرب، والترك، والكرد، والمماليك, وهم من أمم شتى. وقد عرفت منذ القديم التباين العرقي، الذي قذفته إليها الموجات البشرية القادمة من وراء الحدود. وعلى أساس منه تكونت مكوناتها الاجتماعية فأنست بذلك وقرّت, ولم تعرف الاضطرابات الداخلية كالذي يحدث اليوم، ولا مرت بها في تاريخها كله. أما التباين المذهبي فقد قذفه إليها الغلاة, ومثله الصارخ شخصية ابن العلقمي، ومن لف لفه من المغضوب عليهم.

مع مطلع القرن العشرين أصبحت سورية فريسة القوى الإقليمية والدولية؛ كلٌ منها يريد أن يحقق مكاسبه على حسابها، وجراء ذلك شهدت أهم ظاهرتين في تاريخها الحديث.

الظاهرة الأولى – دولية: وقد ولدت من رحم معاناة الدولة العثمانية مع أعدائها التقليديين، فكانت موضع التآمر الغربي، الذي يصب جميعه في خانة العداء ضد الدولة العثمانية.

وكان رد العثمانيين – يومئذ – بالدعوة إلى الجامعة الإسلامية، وإعلان الجهاد المقدس, ومعنى ذلك تثوير المسلمين من الهند و باكستان إلى المنطقة المتوسطية، وهي مسألة من شأنها أن تثير الرعب بين الحلفاء، الذين كانوا جربوا حظهم مع هذه الظاهرة في العصور الوسطى؛ في أثناء الحروب الصليبية عندما كانت المعارك على أوجها بين الصليبيين والمسلمين.

وكان رد الحلفاء باستهداف الداخل العثماني وتفكيكه، وإثارة النعرات الداخلية فيه، وكانت الأقليات العرقية والمذهبية موضع اختيارهم. ومع هذه الظاهرة كانت الحرب سجالا بينهم وبين الدولة العثمانية، ولم تتوقف إلا بعد الحرب العالمية الأولى التي انتهت بسقوط الدولة العثمانية.

الظاهرة الثانية – إقليمية: وتعد المنطقة الشرق أوسطية المستهدف الأول في ذلك, ومنها سورية. وقد كانت بلاد الشام – يومئذ – بمثابة بيضة القبان في هذه المسألة، فكانت عرضة لتآمر عريض أفسد عليها حياتها العامة والخاصة، وقد وجدت القوى المحلية ضالتها في الأقليات فحاولت ركوب مركبها، أو الاصطفاف إلى جانبها، أو تحريضها. ولاتزال التدخلات الإقليمية مستمرة منذ مطلع القرن العشرين، إلى اليوم ولم تتوقف!

 

النخب المثقفة وتشابك المكوّنات

مثلما قالوا: إن أسباب الحروب الصليبية دينية، وإنها جاءت تلبية لدعوة الراهب بطرس مع نهاية القرن الخامس الهجري، لتخليص قبر المسيح في فلسطين من أيدي المسلمين، ثم تحولت إلى سياسية وعسكرية، فكذلك الحرب الصهيونية الصليبية التي شنت على العالم الإسلامي حديثا، تحت غطاء ما سمي بالاستعمار – فإن أسبابها دينية, ثم تحوّل المعلن منها إلى سياسية وعسكرية, وكانت بداياتها الجادة والعملية مع نهاية القرن العشرين, حيث تم عقد القران بين القوى الصهيوينة والصليبية التي جمعتها مصالحها المشتركة ضد المسلمين بعامة. و قد تمثل ذلك بأهم حدثين:

المؤتمر الصهيوني الأول: الذي عقد من أجل القضية الصهيوينة في بازل في سويسرا، وهدفه إقامة الدولة اليهودية في فلسطين. وكان هرتزل قد قدم في حينها ورقة عمل إلى المؤتمرين، رأى فيها “ضرورة أن تخضع منطقة الشرق الأوسط لتقسيمات على أساس عرقي ومذهبي؛ تكون السيادة فيها للدولة الصهيونية”. كان الحلفاء على أبواب الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، وقد وجدت هذه الورقة؛ لديهم آذانا صاغية ووجدوا في اليهود حليفهم الأكبر ضد العالم الإسلامي, فتلقفوها وعملوا من أجلها.

اتفاقية سايكس بيكو: بين وزيري خارجية بريطانيا وفرنسا، وقد نصت يومئذ على تقسيم بلاد الشام والعراق إلى:

  • منطقة زرقاء: تمتد على الساحل السوري من شمالي فلسطين إلى حدود تركية و تخضع لإدارة فرنسا.
  • منطقة حمراء: تمتد من الخليج العربي بحذاء حدود إيران إلى شمالي بغداد، وتخضع لإدارة بريطانيا.
  • منطقة سوداء: تشمل فلسطين، وقد تقرر أن تخضع لنظام دولي وإن كانت وضعت تحت الانتداب البريطاني.
  • مابين المنطقتين – الزرقاء والحمراء، تقام دولة عربية بإشراف فرنسي وبريطاني.

حدث ذلك قبل الحرب العالمية الأولى وفي أثنائها, وكانت عقارب الساعة عند الحلفاء، تشير إلى بداية حرب معلنة على المسلمين، وليس إلى نهايتها.

فمشروع الدولة الصهيونية، الذي طرح في بازل، لاقى تأييدا واسعا، وقد تبنته الدوائر الغربية بعامة, ولايزال دعمه و تأييده مستمرا.

ومشروع تجزئة بلاد الشام والعراق، الذي نصت عليه اتفاقية سايكس بيكو، لاقى قبولا وتأييدا، وتمت التجزئة في كلا البلدين، ولاتزال تعمل من أجل تجزئة المجزأ!

بل الذي حدث أن وُضعت ورقة هرتزل موضع التطبيق، وجاءت اتفاقية سايكس بيكو، وكأنها بعض منها، ثم تولد من ذلك مشروع التجزئة بعامة، الذي يوضع اليوم موضع التطبيق في سورية, وذلك كله يأتي تأييدا لسياسات غربية، وبخطط لتلك السياسات أعدت مسبقا؛ وليست عفوية أو نتيجة لحدث معين.

المكونات وعلاقاتها التاريخية

كان الجنس العربي قد شكل أكثرية في بلاد الشام منذ مرحلة ماقبل الإسلام . وبعد الفتح مباشرة أصبح الجنس العربي المسلم يشكل الأغلبية. ثم لم يلبث بسبب من الأحداث – الداخلية والخارجية – التي تعرضت لها بلدان العالم الإسلامي بعامة، أن حدثت تغييرات ديموجرافية أثرت على بنية السكان، وجعلتها أكثر تنوعا. وهذه التغييرات تمثلت بنوعين منها:

التغييرات العرقية: التي حدثت بسبب الموجات البشرية التي قدمت إلى المنطقة في عصور مختلفة، ثم كانت سببا في وجود المكونات العرقية، التي منها العرب والترك والكرد الذين كانت لهم أدوار مشرفة في تاريخ المسلمين.

التغييرات المذهبية: التي حدثت بعد الفتنة ومقتل سيدنا عثمان وبعد معركتي الجمل وصفين، وظهور الخوارج وبعد مقتل علي رضي الله عنه، واستشهاد الحسين – عليه السلام – على أرض كربلاء، وهذه الأحداث مجتمعة أدت إلى انشعاب صف المسلمين وظهور الغلاة الروافض، وهم أكثر من فرقة أو مذهب الأمر الذي أدى بعد إلى ظهور المكونات المذهبية. وبعض هذه المكونات, وهي مسألة أكثر من ملحوظة في سورية بخاصة – لم تستطع الانسجام مع التركيبة السكانية، وبالتالي شكلت نقطة عطالة في جدار العلاقات الاجتماعية، بسبب سلوكياتها الخاطئة، الأمر الذي حدا بإمامٍ كأحمد بن تيمية وهو من المجتهدين؛ أن يصدر فتوى بعدم قبول توبتهم بعد أن ثبت بالدليل القاطع أنهم كانوا يتعاونون مع الأجنبي ضد شعبهم.

المكونات وعلاقاتها بالسياسة الأجنبية

كانت بعض الأقليات منذ القديم قد وقع عليها خيار الأجنبي، في حربه المعلنة ضد العالم الإسلامي، وقد وجدوا في خلافات إيران الشيعية مع الدولة العثمانية خير حليف لهم, فعقدوا تحالفاتهم مع شاه عباس الأول، ومن بعده مع الشاه إسماعيل الصفوي، وبسبب من تلك العلاقات، التي كانت موضع اعتبار الدول الغربية، عملت تلك الدول على بعثها وتوظيفها، في إطار الجهود المبذولة من أجل القضاء على الدولة العثمانية. وقد ظلت على هذه الحال موضع أخذ ورد طوال المرحلة الأخيرة من العهد العثماني، وقد عملوا على توظيفها بشكل مباشر أو غير مباشر في دائرة التآمر على الدولة العثمانية قصد إسقاطها, وقد نجح التحالف الغربي في إسقاطها، فكانت مرحلة السقوط بداية لبعث الأقليات وبناء قواها الذاتية التي تمكنت من استلام الحكم في الكيانات المحدثة، بعد انهيار الدولة العثمانية. وكانت سورية الدولة الأولى والوحيدة التي نُفذت فيها تلك السياسات بدقة، وقد أنجزت فقرة فقرة حسب جداول زمنية معدة مسبقا.

 

جورو وسياسة تقسيم سورية

كانت سياسة الجنرال الفرنسي جورو؛ الذي احتل سورية, قد رأت أولا ضرورة تقسيم سورية إلى دويلات على أساس عرفي ومذهبي، تنفيذا لما جاء في ورقة هرتزل, لكن ذلك لم يتحقق عمليا على الأرض السورية فلجأ إلى المشروع البديل، الذي يتسم بالنفس الطويل، فأحدث قوات المشرق الخاصة، التي تقدم الأقلية على الأكثرية، حيث أدى الأمر بعد 22 سنة إلى استقلال سورية وتحويل ذلك الجيش – الذي يعتمد الأقليات مكونا رئيسا – من جيش فرنسي تقوم مهمته على خدمة الفرنسيين إلى الجيش العربي السوري الذي أكثريته من الأقليات، ومن الطائفة العلوية على وجه الخصوص, وهو الأمر الذي أدى بعد 17 عاما إلى وصول تلاميذ جورو إلى الحكم، وإلى وضع حجر الأساس للدولة الطائفية التي ربطت مصيرها بالأجنبي، وبالأقليات بعامة. وهي مسألة كان لها ما بعدها، لاسيما بعد 8 آذار سنة 1963م.

كانت النخب المثقفة المكونة من العرب، والترك، والكرد ومن المسلمين والمسيحيين، والسنة والشيعة، ومن النصيريين والدروز والإسماعليين، قد أخذت تشهد تشابكا فيما بينها بسب عاملين اثنين:

العامل الأول يتمثل بقديمها التاريخي، وماهي عليه من خلافات أو  هضم أو إقصاء. وقد اعتبرت سياسة حزب البعث التي اتبعت في النصف الثاني من القرن العشرين مشجعه على ذلك التشابك, ومنها سياسة الحزب الواحد، وكم الأفواه وتعطيل الحريات، واعتماد المنهج الطائفي, وكل ذلك إذا أضيف إليه القديم – وقد كان داميا وصارخا – كان مبررا لذلك التشابك.

العامل الثاني يتعلق بارتباطاتها بالاجنبي الذي وجد فيها ضالته المنشودة. فهضم الحقوق وإقصاء الآخر، والعدوان على الحريات، سيؤدي بديهة إلى القناعة بضرورة المواجهة، والقيام بالثورة، وهذا الذي حدث في سورية العربية، ذات الأكثرية المسلمة التي تقدر بـ 80% وذات الأغلبية العربية، التي تزيد نسبتها على الـ90% .

هذان العاملان؛ وهما حقيقيان قادا في النتيجة إلى شتات تلك النخب – وذلك تبعا لاختلاف مكوناتها – وتباينها وتعددها الأمر الذي أدخلها في خانة (اللامنتمي) ومن ثمَّ، وكنتيجة حتمية قادها إلى التشابك فيما بينها، وقد اختلفت مصالحها؛ فكانت التبعية، وكان الاقتتال، والتآمر، وكان العدوان المطلق على بعضها البعض. وحصاد ذلك كله كان السقوط الحضاري الذي كل مايقال عنه أنه (إيدز الشعوب)، أو (السوس) الذي ينخر في الخشب, ويقينا أنه ما حلّ في أمة إلا وتأذنها بالزوال؛ حتى ولو كانت من أرقى الأمم، ومن أكثرها تقدما.

 

رئيس وحدة الدراسات السورية – مركز أمية للبحوث والدراسات الإستراتيجية

شاهد أيضاً

وائل قنديل يكتب : هذا الإرهاب الكروي

فرحة الجماهير بالانتصارات الرياضية للفرق القومية ردّة فعل عفوية وصادقة في كلّ بلاد الدنيا، وحزنها …