ما أقدمت عليه حركة النهضة الإسلامية التونسية مؤخراً أحدث دوياً وما يزال على الصعيدين السياسي والإسلامي، وسيكون له ما له من تبعات، لاسيما في بلدان الربيع العربي التي أُريد لها أن تتحول إلى خريف بفعل الثورات المضادة التي أدارتها الأنظمة القديمة التي أطلت برأسها لتستعيد عافيتها وتثأر من هزيمتها المؤقتة إبان الربيع الأول مطلع العام 2011 ، بين تشكيك في نوايا النهضة من جانب، وتشفي التيارات العلمانية حيث اعتبرت الخطوة تنازلاً وضعفاً استدعى الشماتة ليس في تونس وحدها، بل امتد للجوار العربي من جانب آخر.
ويرى البعض أن إقدام النهضة التونسية بقيادة الشيخ راشد الغنوشي على فصل العمل الدعوي عن السياسي في مؤتمر الحركة العاشر، ما هو إلا محاولة للإفلات من قبضة الدولة البوليسية العسكرية التي تستعد للإجهاز على الحركة في المستقبل القريب لاسيما في ظل هذه الأوضاع التي تشهد التفافاً إقليمياً ودولياً حول التيارات الإسلامية (خاصة جماعة الإخوان المسلمين؛ كبرى الجماعات الإسلامية) لحصارها وتضييق الخناق عليها أمنياً، فضلاً عن حملة شيطنتها في وسائل الإعلام لاسيما بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح بأول رئيس مدني منتخب في مصر في صيف 2013، فضلاً عن التطورات الدراماتيكية التي يتعرض لها إخوان الأردن بين الحل والحظر.
لا يمكن سبر أغوار هذا الفصل المفاجيء بين الدعوي والسياسي الذي أقدمت عليه النهضة دون الأخذ في الاعتبار الحالة المصرية التي تشهد محاولات استئصال قسري لفكر وجسد الجماعة الأم، الأمر الذي يمثل أعنف اختبار بنظري لجماعة الاخوان التي خرجت النهضة التونسية من رحمها فكرياً، وقد بدا ذلك واضحاً من عدم دعوة إخوان مصر لمؤتمر النهضة، تزامناً مع اعلان احد إخوان مصر في الخارج, وهو د. محمد جمال حشمت عن خطوة مماثلة في المستقبل القريب على غرار خطوة النهضة، في الوقت الذي تفهمت الجماعة في مصر الوضع التونسي والتمست عذر عدم دعوتها، ولم تعلق سلباً على توجه الحركة الجديد، حيث أبدى نائب المرشد بلندن إبراهيم منير تفهمه للخطوة.
وأُرجح أن يكون عدم الدعوة لسببين أولهما إظهار فك الارتباط مع الجماعة الأم بطبيعة التغيير الجديد في تونس رفعاً للحرج ودرءاً للضرر، والثاني الحرص على عدم ازعاج الدولة التونسية التي رحبت بتوجه النهضة الجديد، في ظل علاقة تبدو دافئة مع النظام التونسي بقيادة ” الرئيس السبسي “على الأقل ظاهرياً في اللحظة الراهنة، إيذاناً بمرحلة جديدة تشهد تصالحاً بين الحركة والدولة التي لطالما عانت الحركة من قمعها لعقود خلال حقبتي “بورقيبة” و”بن علي” وصولاً للسبسي.
السؤال الذي سيحدد مستقبل النهضة التونسية برأيي هو: هل الفصل المزمع بين الدعوي والسياسي ما هو إلا احتواء لأمواج المنطقة العاتية التي استهدفت رأس التيار الإسلامي بالأساس، وذلك لكسب مزيد من الوقت لالتقاط الأنفاس ولملمة الجراح، ومن ثم النهوض من جديد تحت عين النظام وفي كنفه، لحين تحسن ظروف المنافسة والعودة من جديد للدمج بين الدعوي والسياسي كأساس للمفهوم الإسلامي الشامل الذي ميز جماعة الاخوان المسلمين التي انبثقت من أفكارها” النهضة ” عن غيرها طيلة العقود الماضية؟!
الأسوأ أن تتخلى حركة النهضة كتيار فكري اسلامي شامل عن تلك النظرة الشاملة للحياة والدين؛ عقيدةٍ وشريعة، ورسالةٍ وحكم، ودينًا ودولة عن اقتناع كامل، ومن ثم التبرؤ من تلك النظرة الشاملة، وطي صفحة الماضي، لكسب مغانم مؤقتة، أو ربما لإنقاذ رأسها من المقصلة إرضاءً للتيار الليبرالي العلماني الكاسح الذي يحكم تونس، في ظل تغيرات اقليمية ودولية ليست في صالح الحركة أو مستقبل الإسلام السياسي بوجهٍ عام.
فهل يصبح الغنوشي وجماعته أكثر ليبرالية من الليبراليين أنفسهم، وفي هذه الحالة يكونون قد خسروا الفريقين المتضادين معاً، فيفقدوا رصيدهم لدى قطاع كبير من الإسلاميين علق عليهم آمالاً داخل تونس وخارجها، فضلاً عن استحالة تصالحهم مع غالب التيار العلماني الذي يكره مجرد وجودهم في الحياة خاصة في التركيبة العلمانية التونسية، لتصبح خطوة النهضة الأخيرة انبطاحاً مُهيناً وتنازلاً مُذلاً اعترافاً بالضعف والخطأ، أم أنها لا تعدو كونها مجرد خطوة للوراء قليلاً انتظاراً لهبوب رياح جديدة على المشهد القاتم؟!
هذا ما ستثبته الأيام المقبلة.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات