د. جمال حمدان؛ أحد عظماء مصر في القرن الماضي، ترك لذاكرة الامة 29 كتاباً و79 بحثاً ومقالة أشهرها كتاب «شخصية مصر.. دراسة في عبقرية المكان».
نال عدداً من الجوائز من مصر والدول العربية منها جائزة الدولة التشجيعية لعام 1959م، وتردد أنه رفض نيل جائزة الدولة التقديرية عام 1986، وقيل إنه رفض القيمة المالية لها فحسب، بالإضافة إلى جائزة الكويت للتقدم العلمي، ورفض تأسيس وزارة للتعليم العالي في ليبيا على يديه بناء على رغبة العقيد معمر القذافي.
أرادت الأقدار أن تعرف النار طريقها إلى جسد حمدان مرتين، وإن كانت في الأولى أدفأت جسده صغيراً عند الميلاد، فإن الثانية أُشيعَ أنها تسببت في وفاته، وأما الحقيقة فتشير باعترافات كثيرين؛ منهم المحسوبون على النظام المصري حتى الآن، مثل الكاتب يوسف القعيد، ويشيرون إلى أن الموساد الإسرائيلي كان وراء مصرع حمدان بهذه الطريقة المفجعة في 17 من أبريل 1993م، بالإضافة إلى شهادات إخوته.
في قرية (ناي) في القليوبية في 4 من فبراير 1928م عرف جمال محمود صالح حمدان المعروف بجمال حمدان النيران فور استنشاقه هواء الميلاد ومجيئه إلى الحياة، إذ إن أمه في يوم ميلاده كانت تخبز، على عادة المصريات في الأرياف منذ القدم، وعقب انتهائها من المهمة فاجأتها آلام الولادة، فلم تجد في برد الشتاء القارص إلا الفرن الطيني كي تصعد فوقه، مستغلة دفئه؛ محاولة الهرب أو تخفيف آلام الولادة!
وفي 17 من أبريل 1993م، وعقب 65 عاماً من نيران الميلاد، اُتهمتْ نيران أخرى بالتسبب في وفاته، إذ تم العثور على الراحل في شقته في القاهرة محترقاً، ليُقال إن المفكر الذي اعتزل الحياة ليتفرغ للتأليف الجغرافي وتحليل شخصية مصر، وفضح الشخصية الإسرائيلية مات بفعل انفجار أنبوبة البوتاجاز، وليعلن رئيس المخابرات المصرية الأسبق؛ أمين هويدي أن لديه ما يثبت أن حمدان قتله الموساد، دون أن يزيد!
انزواء عملي واجتماعي
كان حمدان قد اضطره زملاؤه في كلية الآداب في جامعة القاهرة إلى الانزواء والانعزال لفرط غيرتهم منه ومن نجاحاته، فاستقال في عام 1963م.
مزج حمدان بين طبيعة الأرض والتاريخ وحياة البشر، بخاصة فيما يخص مصر وموقعها من قلب العروبة والإسلام، والمطامع المتجددة حولها على مدار التاريخ، وطبيعة الصراع الصهيوني والمطامع الغربية في الأمة العربية الإسلامية، وكذب الادعاءات الصهيونية بأن يهود اليوم هم بنو إسرائيل الذين خرجوا مع موسى، عليه السلام، من مصر، ونجح حمدان في جلاء كل هذا باسلوب أدبي رائق، وكان مقدراً له أن يستمر في النجاح لولا تنبه الموساد إلى خطورة ما يقوم به، وسهل مهمة الأخير أن الراحل عانى من قصة حب فاشلة، مثله مثل عظماء سبقوه فآثر عدم الزواج أو الارتباط على مدار حياته، وعاش وحيداً، وزاد يومها أن الطباخ الخاص به كان في إجازة.
وقيل إن الرئيس المخلوع حسني مبارك قال لسكرتيره الخاص قبل مصرع حمدان بيومين: قول لجمال حمدان يهمد شوية!
والجملة الأخيرة تنتمي إلى اللغة الخاصة بمبارك التي يعرفها من اقتربوا منه, وتناقلوها عنه، وهي اللغة التي لم يكن الإعلام الذي تفرغ لتمجيده، يُذيعها على العامة، فيروى مثلاً أن ياسر عرفات بعد التوصل إلى اتفاقية أوسلو في عام 1993، غافل رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين ولم يُوقع الوثيقة باسمه الكامل واكتفى بحروف منها، ليجري مبارك خلفه، فور اكتشاف الامر، قائلاً لعرفات:
ـ أصل رابين ده مش بياع بطاطا عشان نستغفله ونوقع معه اتفاقية ثم لا تقوم بالتوقيع عليها لتتركه لليهود يقتلوه!.
كان رد حمدان على كلمات مبارك واضحاً, قرأه الأخير ولم يعجبه، إذ إن الراحل نشر بعدها بيومين مقالاً فى جريدة «الأهرام» عن الاستبداد فضح فيه أكذوبة أن اليهود الحاليين هم أحفاد بني إسرائيل, امتداداً لما أثبته في عام 1967 من انتمائهم إلى امبراطورية «الخزر التترية».
لم يمت محترقاً
الدكتور يوسف الجندي؛ مفتش صحة الجيزة، أثبت في تقريره أن الراحل لم يمت لا مختنقاً بالغاز، ولا محترقاً بالنار، بل إنه وجد خبطة في رأسه قيل إنها جراء سقوطه خلال بحثه عن ملجأ من النيران، ولكنها لم تكن في خلفية رأسه، كما هو المُعتاد في مثل هذه الحالات بل كانت في أعلى جبهته، وكأن المعتدين أرادوا تقليل مقاومته قبل قتله ثم تركوه مع الغاز والنيران، كما تردد أن عدداً من الخواجات سكنوا فوق مسكنه حتى مقتله.
ونشر يوسف القعيد في جريدة «الدستور» القاهرية في 23 يونيو 2010م، شاهداً بأنه ذهب إلى شقة الراحل، فور علمه بالحادث، فلم يجد مسودات كتب كانت مهيأة للنشر, سبق أن رآها مع حمدان قبل مصرعه.
اختفت مسودات بعض الكتب التي كان بصدد الانتهاء من تأليفها، وكان على رأسها كتابه عن «اليهودية والصهيونية» ويقع في ألف صفحة، مع العلم أن النار التي اندلعت في الشقة لم تصل لكتب وأوراق الراحل، مما يعني اختفاء هذه المسودات بفعل فاعل.
قامة كبرى وتحقيق الوفاة
ولأن بلادنا العربية لا تعترف بحقوق العلماء في استكمال جهدهم لنهضة الأمة, لم يلتفت أحد، رسمياً، إلى سبب وفاة حمدان، بل إن شقيقه؛ اللواء عبد العظيم حمدان؛ آخر أشقائه يقول لمجلة «المصور» القاهرية:
« مما يؤكد حتمية قتله أن الطباخ الذي كان يطبخ له فوجئنا بأن قدمه انكسرت وأنه راح بلده ولم نعد نعرف له مكاناً، وأمر آخر أن جارة كانت تسكن في البيت الذي يسكن فيه؛ قالت لنا إن هناك رجلاً وامرأة خواجات. سكنوا في الشقة الموجودة فوق شقته شهرين ونصف قبل اغتياله ثم اختفيا بعد قتله».
وأضاف لواء الجيش، شقيق حمدان: «بعد شهر من الوفاة ذهبنا إلى هشام سرايا، النائب العام آنذاك، وقلنا له إننا أسرة جمال حمدان وإننا نشك في وفاته, وأن هذه الوفاة بفعل فاعل خاصة أنه كانت هناك خبطة في رأسه بآلة حادة. وأكمل شقيق حمدان أن سرايا قال لنا إن جمال حمدان شخصية غير عادية وكاتب كبير. ولا بد من وجود دليل مادي حتى يتم فتح التحقيق من جديد في وفاته, خاصة أنك لواء قوات مسلحة وتعرف هذه الأمور. ولأننا لا نملك دليلاً محدداً يمكن أن نقدمه لم نسر في الأمر حتى نهايته.
مفقوات الوفاة
كان حمدان قد انتهي قبل موته من ثلاثة كتب؛ أعلن عنها في أحاديثه الصحفية التي أدلي بها قبل رحيله, وأهمها حديثه مع الصحفية نادية منصور الذي نشر في يوم وفاته, والكتاب الأول: «اليهود والصهيونية وبنو إسرائيل» ويقع في قرابة ألف صفحة, كان من المفروض أن يأخذه ناشره؛ يوسف عبد الرحمن يوم الأحد التالي لوفاته، والكتاب الثاني: «العالم الإسلامي المعاصر» وله كتاب قديم عن «العالم الإسلامي»؛ كتبه سنة 1965 ثم عاد وأكمله وتوسع فيه بعد ذلك لدرجة أنه أصبح كتاباً جديداً؛ والكتاب الثالث: عن علم الجغرافيا.
كثيرون يجمعون على أن مسودات كتب حمدان كانت السبب في مقتله، إذ لم يتم العثور عليها من بعد، ولم يتم التحقيق في وفاته.
قسوة وقصة زواج
قالت عنه الراحلة الدكتورة نعمات أحمد فؤاد إنه كان قاسياً على نفسه ومصراً على الصرامة في التعامل معها, وقال عنه الصحفي أحمد بهاء الدين: ليست له في الماديات.. هذا الإنسان خلقه الله لرسالة معينة ولا بد أن يكملها.
وعن قصة زواجه الذي لم يتم، قال شقيقه عبد العظيم إنه كانت له زميلة في جامعة ريدنج؛ أحبها وأحبته؛ خلال فترة دراسته في بريطانيا من أجل الحصول علي درجة الدكتوراه، وكانت بينهما قصة حب، وكان يمكن أن تنتهي بالزواج، لكنها طلبت منه بعد حصوله علي الدكتوراه البقاء في انجلترا، فرفض وتركها.

علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات