عقد البرلمان المصري جلسة سرية بشأن التدخل في ليبيا، مما أثار عددًا من تساؤلات المحللين السياسيين والمراقبين، عن أسباب سرية الجلسة، ولماذا يطلب عبدالفتاح السيسي تفويضا من برلمان، صنع على عينه، ولا يصدر تشريعا ولا يلغي قانونا إلا بإشارات السيسي.
ويقول اللواء جمال مظلوم، المستشار بأكاديمية ناصر العسكرية، إن “الجلسة تم التصويت فيها على إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا، أمر لم نشهده من قبل في التاريخ المصري الحديث، ففي معظم الحروب التي شهدتها مصر، كان إرسال القوات المسلحة لأي أغراض قتالية قراراً يصدر من رئيس الجمهورية مباشرة”.
وعن أسباب “سرية” الجلسة، قال وكيل مجلس النواب المصري السيد الشريف، إن اللائحة الداخلية المنظمة لعمل المجلس يجب أن تكون سرية حفاظاً على الأمن القومي المصري.
ولكن يلاحظ عدة أشياء ترتبط بعقد هذه الجلسة، أبرزها أن الجلسة لم تذكر ليبيا أو تركيا بالاسم، بل القرار يتضمّن موافقة مجلس النواب على إرسال عناصر من القوات المسلحة في مهام قتالية خارج حدود الدولة، في الاتجاه الاستراتيجي الغربي، ضد أعمال الميليشيات الأجنبية.
قرار البرلمان ورقة بمفاوضات سرت والجفرة
وبصرف النظر عن أن المعنى واضح ومفهوم، ولكن عدم الإشارة إلى ليبيا وتركيا بالاسم في القرار يشير إلى رغبة في عدم المبالغة في التصعيد من قبل السيسي، واستخدام قرار البرلمان كورقة في المفاوضات حول سرت والجفرة ومنطقة الهلال النفطي، في ظل وجود مفاوضات عسكرية بين الجانبين الليبيين، تخاض حالياً برعاية أممية، والأنباء عن تقديم حكومة الوفاق مقترحاً لإقامة منطقة عازلة، تمتد من الهيشة الجديدة وحتى السدادة قرب سرت وتاغوراء، حسب تقارير إعلامية.
وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد قال بعد قرار البرلمان المصري إن بلاده تتابع عن كثب المستجدات في الساحة الليبية، مشيراً أنها لن تعطي أي فرصة لأي طرف يفكر في تنفيذ خططه هناك.
ودعت الأمم المتحدة لمساعدة الليبيين على الاتفاق على وقف دائم لإطلاق النار، بدلاً مما سمته بإضافة “الكيروسين إلى النار”، وقالت إن تفويض البرلمان المصري للسيسي بإرسال قوات خارج الحدود بالاتجاه الغربي “يعد مصدر قلق كبيراً”.
ورداً على أسئلة صحفيين بشأن تفويض البرلمان المصري، قال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، “ستيفان دوجاريك”، خلال مؤتمر صحفي عبر دائرة تلفزيونية: “نتابع ذلك عن كثب.. هذه التطورات مصدر قلق كبير”.
عدم التصعيد مع الوفاق وتركيا
الرغبة في عدم المبالغة في التصعيد مع حكومة الوفاق وتركيا قد تكون وراء قرار القاهرة بأن تكون جلسة البرلمان المصري، لمنح تفويض للقوات المسلحة للتدخل في ليبيا سرية.
يهدف السيسي، استخدام هذا التفويض ورقةً في مواجهة حكومة الوفاق وتركيا والولايات المتحدة (التي يمكن اعتبارها الوسيط الوحيد في الأزمة، بينما الفاعلون الآخرون متورطون في الأغلب).
ولكن في الوقت ذاته لا يريد السيسي عقد جلسة علنية للبرلمان سيتبارى فيها النواب في الحماسة بشكل قد يحرج السيسي إذا انتهى الأمر بعدم التدخل في ليبيا أو تدخل محدود لن يؤدي إلى تغيير جذري على الأرض.
كما أن الأمر من شأنه خروج التصعيد المصري عن خطوطه المحسوبة، والتي بدا أنها تميل إلى التهدئة أكثر من التصعيد، سواء من جانب القاهرة أو حتى أنقرة، خاصة في ظل اتصالات ترامب مع السيسي وأردوغان.
الأهم لدى الطرفين المصري والتركي أن كلاهما لا يريد الحرب، أو تحديداً الحرب مباشرة بين جيشي البلدين الأكبر في المنطقة، وكلاهما يعلم أن الحرب قد تقع أحياناً رغم إرادة الطرفين، وعقد جلسة علنية ببرلمان أغلبه من الهواة والمزايدين قد يفسد المعادلة الدقيقة التي يخوضها الطرفان.
وبالتالي فإن جلسة برلمانية مفتوحة قد تحمل مخاطر تصعيد غير محسوب أكثر من حملها مخاطر لتسريب أسرار عسكرية عن التدخل المحتمل للجيش المصري (على الأرجح أن أعضاء البرلمان الأكثر شكلية في تاريخ مصر يعلمون عن الجيش المصري أقل مما تعرفه مراكز الأبحاث العالمية التي تنشر مقالاتها علناً، أو حتى أقل من الصحفيين الدوليين المتخصصين في الشأن العسكري).
ولكن هناك سبب إضافي قد يكون وراء سرية الجلسة.
في عهد الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، ومن قبله بالأخص الرئيس أنور السادات، كان هناك دور ما للبرلمان، وكان يتم الحفاظ على حد أدنى من الأداء النيابي حتى لو شكلياً، وكان أعضاء البرلمان المصري على مسمياته، وبالأخص رئيسه، لهم تراتبية مهمة في السلطة المصرية، وكان للحزب الوطني دور حقيقي في السلطة، بحيث يستحق أن يلقب بالحزب الحاكم.
ولكن جاء عبدالفتاح السيسي من قلب النظام العسكري، حاملاً احتقاراً شديداً لأروقة الدولة المصرية التقليدية (مفضلاً الأجهزة الأمنية والعسكرية حتى في بناء المنازل)، وفي مقدمتها البرلمان والأحزاب، واختفى الاحتفاء الشكلي بالبرلمان، وأصبح المصريون يترحمون على فصاحة فتحي سرور، رئيس مجلس الشعب الأسبق، التي كانوا يرونها مبالغاً فيها مقارنة بالأخطاء اللغوية الفادحة لعلي عبدالعال، رئيس مجلس النواب الحالي، وضعف أدائه الذي لا يختلف عليه حتى أعتى مؤيدي النظام.
فمن الواضح أن السلطة نفسها تتعامل مع البرلمان باستخفاف وهيمنة أمنية كاملة، سواء في طريقة اختيار أعضائه، أو في إدارة طريقة عمله (كما ظهر في إقرار التعديلات الدستورية على عجالة)، وبالتالي لا يريد النظام الذي همّش البرلمان في كل خطوة أن يعطيه بطولة مزعومة في معركة ليبيا، التي يصورها باعتبارها معركة القومية العربية والوطنية المصرية المنشودة.
يظل الأهم في فهم التعامل المصري مع الأزمة الليبية، رصد ثلاث نقاط هامة بعيداً عن البرلمان الذي يقلل النظام نفسه من قيمته.
الأولى المواقف الخارجية، لاسيما الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا والإمارات، الثانية موقف الطرف الآخر، وهي طريقة تعامل تركيا وقوات حكومة الوفاق مع أي تدخل مصري.
والنقطة الثالثة هي موقف الحلفاء الليبيين المفترضين على الأرض، وهو موقف من الواضح أنه مازال ملتبساً، إذ إنه من الواضح أن هناك خلافات أو محاولات مصرية لتهميش حفتر لصالح بعض زعماء القبائل المحسوبين على رئيس برلمان طبرق عقيلة صالح، وهو أمر من شأنه إضعاف جبهة قوات شرق ليبيا.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات