سيد حمدي
سيد حمدي

سيد حمدي يكتب: ثورتنا بين التوصيف الخاطئ واستعادة المسار

مما تعلمته من أساتذتنا في السياسة وعلى رأسهم الأستاذ وسام الكبيسي أن من أكبر المطبات التي وقعنا فيها توصيف ما حدث لبلداننا على أنه (ربيع)!

إذ كيف تحكمنا ديكتاتوريات جعلت من أيامنا (صيفا) قائظا، ثم نعبر من هذا الحر الشديد إلى ( ربيع) مزهر ، دون أن نمر على (الخريف) الذي تسقط فيه الأوراق التي أوشكت على التيبس، وما أكثرها في مجتمعاتنا، ودون أن نمر بـ(شتاء) غزيز مطره، لينمو على زخاته ذلك المولود الجديد الذي يدعى (ثورة)؟!

إن توصيف ما حدث لنا على أنه ربيع, ساهم بشكل مباشر وغير مباشر في أن تتحول الكثرة من الحركة إلى السكون، ومن الثورة إلى النظام، فحدث ما حدث!

على كل حال, ليس من المعقول البكاء على اللبن المسكوب؛ فالثورات في كافة المجتمعات متخمة بالأخطاء، وثورتنا ليست بدعا من ثورات الأمم والشعوب، وليس من المقبول تحميل الفواتير لفصيل دون آخر، فالظلم طال الجميع، والبؤس أرهق الكل، الثوري قبل الفِل.

أتصور أن البداية الصحيحة لاستعادة مسار ثورتنا  تبدأ من (الواقعية) وما تفرضه من ضرورة وضع الثورة في سياقها المناسب؛ سياق التحولات الضخمة في التاريخ، التي تهدف في الأخير إلى نيل استقلال الشعوب، وفض التبعية بالكلية، ولعل هذه البداية يلزمها توعية متواصلة وعميقة بالمدى الزمني الطويل الكفيل بإنجاز المهمة!

ولاشك أن الظلم الشديد والاستبداد العتيد الذي أرهق شعوبنا ردحا من الزمن جعلنا متسرعين، غير آبهين لعوامل القوة التي في أيدينا، فرضينا بأنصاف الحلول وأرباعها وأخماسها، ولم يدرك كثيرون منا أن أنصاف الحلول في الثورات  طريق ممهد للانتحار، وأن الحل يكمن في الحلول الجذرية لكل النكبات والمصائب التي ورثها الشعب جيلا بعد جيل.

وفيما يتعلق باستعادة مسار الثورة أتفق مع ما ذهب إليه كثيرون من أهل السياسة؛ ومنهم مدير مركز دراسات الوحدة العربية الدكتور خير الدين حسيب من ضرورة العمل على كسر حاجز الخوف لدى مختلف طبقات الشعب، وإيجاد شبه إجماع شعبي على ضرورة التغيير، والعمل على تحييد أو توظيف المتغير الخارجي إلى جانب النظر في الموقف الفعلي للمؤسسة العسكرية.

كما أن ضرورة وضوح ودقة الهدف أمر في غاية الأهمية ذلك أن الثورات التي شهدتها مصر خلال القرنين الأخيرين كتب لها الفشل  للعديد من الأسباب على رأسها عدم وضوح ودقة الهدف، وبنظرة سريعة على ثورات القرنين التاسع عشر والعشرين في أوروبا نجد أن الثورات التي اندلعت مع نهاية عام 1989م  نجحت في إسقاط الحكومات في نصف أوروبا الشرقي دون سلسلة ثورات الثلاثينات وسلسلة ثورات 1848 التي سبقتها وذلك لأنها رأت في توحيد الهدف خلاصا من الشيوعية، وقد كان!.

لقد كان التحول الأكبر في أحداث 1989 نابعا من بولندا، على الرغم من أن حجم الانتهاكات كان متواضعا إذا ما قورن ببقية دول الكتلة الشرقية، لكن الثوار استغلوا القمع الشديد الذي وقع على حركة “التضامن” النقابية المستقلة بالتزامن مع قمع المعارضة بمختف توجهاتها فحدث الزلزال وسقط المستبد.

وفي مصر؛ نرى قمعا شديدا وتنكيلا غير مسبوق بمختلف شرائح المعارضة، علاوة على الأزمات الاقتصادية التي أرهقت مختلف الطبقات، ناهيك عن انتهاك السيادة المصرية وغيرها من التصرفات التي يجب أن توحد الجميع نحو هدف واحد وهو إزاحة العصابة المستبدة عن السلطة.

إذ لم يكن ذلك الآن، فمتى سيكون؟!

على أن كل ما طرح يلزمه جهد متواصل يتعلق بغرس الوعي، فما زلت أؤكد على أن مشكلة المصلحين الأولى تبرز في استرداد الوعي المسلوب؛  ففي بلد كمصر لا مكان للوعي بين السواد الأعظم من شعبه؛ للعديد من الأسباب لعل أبرزها: تدمير المؤسسات الراعية للوعي كالأزهر، ومراكز الثقافة، ومنشآت التعليم، ووسائل الإعلام الرسمية، ولهذا يبقى الرهان الحقيقي كي يعبر المصلحون والمناهضون للباطل محنتهم في تحقيق الوعي الثوري المرتكز على منطلقات شرعية وسياسية واجتماعية.

شاهد أيضاً

إسرائيل: الهجمات الإلكترونية الإيرانية تضاعفت ضدنا ثلاث مرات

قال المدير العام للهيئة الوطنية للأمن السيبراني الإسرائيلية، يوسي كارادي، إن عدد الهجمات الإلكترونية الإيرانية …