تقوم الفلسفة التعليمية الإيرانية تجاه الإمبراطورية العثمانية سابقاً وتركيا اليوم على أسس هي:
1- أهمية النظام التعليمي والتربوي لتشويه صورة الإمبراطورية العثمانية وتركيا.
2- تحديد التحديات المحورية التي تواجه إيران من خلال تصوير الإمبراطورية العثمانية سابقاً وتركيا اليوم كأحد مصادر التهديد.
3- تحديد وصياغة إستراتيجية تربوية ذات أبعاد سياسية وعسكرية ومذهبية وقومية لمواجهة المشروع التركي.
4- تنظيم الاستراتيجيات والسياسات الخاصة بالنظام التعليمي والتربوي لكيفية تعزيز عملية مواجهة المشروع التركي.

باستعراض الكتب من الناحية الكمية، أمكن قياس مدى الأهمية المعطاة لمادة العثمانيين في الكتب المدرسية الإيرانية، وقد خضعت المجموعة الكاملة للنصوص التي وردت فيها هذه الصورة لتحليل موادها ووقائعها، وأمكن استخلاص المعاني الرئيسية والشخصيات وأدوارها التي ساهمت في تشكيل هذه الصورة.
الدلالة الاصطلاحية التاريخية للإمبراطورية العثمانية وتجنب وصفها بالخلافة العثمانية
غالباً ما يتم وصف العلاقات التي تسود بين الإيرانيين والأتراك، بأنها تمثل حالة من الثأر والعداء، والصراع المثقل بمصادر التوتر؛ فالإيرانيون منذ القدم في حالة اشتباك وتناقض مع الأتراك، حسب الكتب المدرسية الإيرانية، وذلك كما يبدو من خلال كتب التاريخ، بشكل يجعل التنافر والصراع هو الطابع السائد في العلاقة, ويظهر الجندي الفارسي في الرسوم التصويرية التي جسدتها الكتب المدرسية الإيرانية وهو يقاتل بشجاعة وإخلاص وتفانٍ, ويقدم التضحيات أثناء دفاعه عن الدولة الصفوية.
بالمقابل قدمت الكتب المدرسية الإيرانية تعميمات سلبية عن الدولة العثمانية التي تعتبرها إمبراطورية قامت على العدوان والاغتصاب، والصراعات بين الحكام الأتراك أنفسهم، المُغرقين بالملذات ومعاقرة الخمر والنساء.
وركزت الكتب المدرسية على المعنى الاصطلاحي لوصف الإمبراطورية العثمانية في الكتب المدرسية الإيرانية؛ ممثلة بـ: الفجور، والتخلف، والإمبراطورية الفاسدة, وإمبراطورية المجون، وإمبراطورية الحروب والتوسع، ورجل أوروبا المريض، ودولة الطغيان، والدولة المضطهِدة للأقليات، الدولة المتخلفة علمياً وحضارياً، مع تجنب إطلاق وصفها بالخلافة, وهذا له مغزاه ودلالاته المهمة.

وتكشف صورة الإمبراطورية العثمانية ونعتها بـ” السنية الفاسدة “” والسنية التوسعية” الوجه الحقيقي لإيران الثورة، وهذا يضعنا أمام مسئولية كشف هذه الصورة، وبيان الدوافع الحقيقية للكتب المدرسية الإيرانية في تشويه هذه الصورة بتوصيف مذهبي مقيت، ومن الضروري أن تتم ترجمة هذه الدراسة إلى اللغة التركية للكشف عن الوجه الحقيقي لإيران وسياستها.
يمكن القول إن من أهم أهداف الكتب المدرسية الإيرانية، طمس اسم الخلافة، والتركيز على مفهوم الإمبراطورية العثمانية، وإفراد فصل كامل في أحد الكتب تحت عنوان ” آخر الإمبراطوريات الإسلامية”، ووسم صفة العمالة على هذه الدولة من خلال إطلاق تسمية “رجل أوروبا المريض” له مغزاه ودلالاته المهمة، حيث تحرص هذه الكتب على احتقار الدولة العثمانية والحط من شأنها، وتزوير الحقائق التاريخية؛ ومنحها صفة المسلمات؛ حيث تبدأ في تأسيس ذهنية الطالب الإيراني على أساس التشكيك في كيفية نشأة الدولة العثمانية، وأهدافها التوسعية، وسياساتها المذهبية، وتحالفاتها المشبوهة، وتكالبها لاستهداف الشيعة، ونصب المشانق للأبرياء في عموم أقاليم الإمبراطورية العثمانية.

وتخلص دروس التاريخ المدرسية إلى نتيجة مفادها أن أحد أهداف الإمبراطورية العثمانية هدف عسكري توسعي للسيطرة على الثروات، ونفي أي سبب ديني مبدئي مرتبط بجمع شتات الأمة. نستطيع القول إن عرض أية صورة إيجابية حول الخلافة العثمانية لا يدخل ضمن برنامج تعليم التاريخ في الكتب المدرسية الإيرانية، حتى أننا لم ننتزع اعترافا بتسمية الخلافة العثمانية، هذا عدا عن الجمع بين العثماني والمذهب السني، وهي محاولة للإساءة إلى السنة على وجه العموم، وتركز الكتب المدرسية على الجوانب التالية في محاولة رسم هذه الصورة من خلال نموذج لنص تناول الجوانب التالية:
- منع قيام الإمبراطورية العثمانية بأية إصلاحات أو سياسية – اجتماعية في الإقليم والدول الخاضعة لها.
- توقف الغزوات مما أدى إلى بطالة بين الجيش العثماني، وبعد ذلك زيادة ظلم قادة الجيش وكان معظمهم من ذوي الأملاك، وتدخلهم في الأمور السياسية مما زاد من المشاكل في البلاد.
- التركيز على غرس مفهوم الصراع الديني في توصيف حالة النزاع بين الإمبراطورية العثمانية وغيرها؛ فعلى سبيل المثال تصف هذه الكتب الحروب بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية على وجه التحديد بأنها حرب دينية وليست مذهبية، وتضيف أن ذلك كان سبباً أيضا في ضعف المسلمين ككل، وتدعي أن الدولة العثمانية أعطت الأقليات المسيحية في أقاليمها الحكم الذاتي والحرية السياسية والدينية على عكس الأقاليم الإسلامية الأخرى.
إن إصرار الكتب المدرسية الإيرانية على مفهوم العدوان العسكري المتمثل بـ/ الاجتياح / الاحتلال / الغزو, لوصف حالة التوسع العثماني، لدليل على”فوبيا” النظرية التوسعية للمشاريع الأخرى، التي عانت منها إيران في الماضي وتعيشها اليوم، والذي يسعى من خلال الشرح والتكرار إلى تعزيز فكرة الحدود الإمبراطورية المضادة للتوسع الإيراني، ومحاولة إحياء فكرة دفينة حول حدود دولة إيران تاريخيا، والتي كان العثمانيون ماضيا وحاضراً أحد أهم مهدداته.
حجم توصيفات الإمبراطورية العثمانية حسب النصوص

الدلالة الاصطلاحية:
رسخت الكتب المدرسية في عقل الطالب الإيراني ووجدانه، فكرة تخلف الإمبراطورية العثمانية، وأنها مصدر الهيمنة والتوسع من خلال إظهار أنها إمبراطورية متآمرة على الأمة الإسلامية بغطاء مذهبي سني وهذه المؤامرة الأولى، أما الثانية فهو صعود حزب العدالة والتنمية، الذي يطلق عليه في كتب السياسة في مرحلة الجامعة ” العثمانية الجديدة ” والتي ما فتئت إيران تحذر من خطورة مشروعه على مصالحها وأمنها.
كذلك تحاول الكتب المدرسية الإيرانية الربط بين الإمبراطورية العثمانية والمذهب السني، ولصق فكرة التخلف والتآمر، ومحاولة إظهار أن العثمانيين لم ولن يملكون أيا من مقومات الحضارة والتقدم الفكري، على الرغم من اعترافهم أن سبب انتصار العثمانيين في معركة غالديريان هو امتلاكهم للسلاح الحديث وأسباب التطور العسكري، حيث عكست هذه الصورة وعيا متعصبا مسكونا بكراهية الأتراك والسنة أكثر من غيرهم من الدول، والحط من شأنهم، مع التركيز على إبراز أقبح الصفات لهم.
إنها محاولة من النص للربط بين الماضي والحاضر، ليذكر القارئ أن قادة “الامبراطورية العثمانية الأولى هم أصحاب مؤامرة على إيران والشيعة, وأن الأردوغانية أو العثمانية الجديدة تقود مؤامرة جديدة على إيران لمنع مشروعها الصفوي.
النتيجة أن منهجية الكتب المدرسية تتجه إلى تناول صورة “الإمبراطورية العثمانية” باعتبارها جزءًا مشوهاً من التاريخ، وتعتمد إزاء الجوانب الأخرى من التاريخ على أسلوب التجهيل من جهة، وتشويه الحقائق من جهة أخرى، وأن تاريخ هذه الإمبراطورية ملييء بالفتن والتخلف والتعصب والتوسع العنيف بكل أنواعه، وتقابل ذلك عملية تضخيم لدور الصفويين ونضالاتهم ضد العدوان العثماني، حيث تجدُّ وتجهد في سبيل الحفاظ على هذه الصورة.
نتائج
أظهرت الكتب المدرسية الإيرانية؛ دون شك أن معالجة الكتب المدرسية الإيرانية لصورة العثمانيين ما هي في الواقع إلا نوعٌ من التشويه والتزوير المنظَّم، وهي مليئةً بالعيوب والنقائص والتشويه البعيد عن الموضوعية والتعقل والحكمة؛ بحيث يتقبلها الطالب الإيراني، وتصبح عقيدةً لديه لا يمكن مناقشتها، ولا يمكن إزالتها أو تغييرها في المستقبل. والسبب في ذلك يرجع لطريقة تأليف الكتب، فالأهم أن يقدموا مادة تتوافق مع شروط الثورة الإيرانية والقومية، والمذهب الشيعي، وبصورة تتضمن تزوير التاريخ، والتشويه، في مضمون الكتب المدرسية ومحتواها .لا شك أن الكتب المدرسية الإيرانية أسهمت في إيجاد حالة من التعبئة النفسية ضد العثمانيين قديماً والأتراك حديثاً، باعتبارهم أصحاب مشروع توسعي، يوجهه فكر قائم على الهيمنة على حساب المشروع الإيراني، مما أدى إلى خلق بيئة صراعية، قائمة على تعزيز الكراهية والتحريض، بدلا من تعليم قيم الحوار والمصالحة، والتسامح والتعاون والمصالح المشتركة.
كذلك لم تسهم الكتب المدرسية الإيرانية في تحسين صورة العثماني ” التركي” في الثقافة الإيرانية، أو حتى غرس مفاهيم للتقريب بين الإيرانيين والأتراك في الوقت الحالي.
كذلك توصلنا من خلال الدراسة إلى فهم أعمق لكيفية تأثير هذه المناهج بطريق مباشر أو غير مباشر في عملية التنشئة لدى الإيراني, بحيث بدا أن الصراع الإيراني – العثماني التركي، ليس مجرد صراع عسكري ولا أمني، وسياسي فحسب؛ بل هو صراعٌ تربويٌ أيضاً، حيث يجب تنبيه أجيال الدارسين الأتراك لتلك الحقيقة الشاملة، والتعامل مع هذا الخطر بشكل جدي وعلمي، وإدراك أبعاد الصراع ومراميه. ولا بد كذلك من الاعتراف بالأثر السلبي لهذه المناهج على علاقات إيران بتركيا، وأنها نتاج الثورة الثقافية، التي أفرزتها الثورة الإسلامية في إيران، لهذا يجب تنبيه مراكز صنع القرار السياسي، والعسكري، والتربوي في تركيا لهذه الحقيقة، وعمل استراتيجيات فاعلة لمواجهتها.
رئيس وحدة الدراسات الإيرانية – مركز أمية للبحوث والدراسات الإستراتيجية
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات