يعتبر الفكر التربوي في إيران أكثر المصادر إفصاحاً عن بنية العقل الإيراني، وأصدقها في بيان مخططاته، وتحديد أهدافه وأبعاده، وكشف ركائزه ومحاوره، وأحد الأسس الرئيسية التي ارتكزت عليها الثورة في بناء أجيالها الناشئة وتشكيل شخصياتهم، خاصة تجاه دول مجلس التعاون الخليجي وشعوبها.
أسس الفلسفة التعليمية الإيرانية تجاه دول مجلس التعاون الخليجي:
1- بيان مهمة النظام التعليمي والتربوي في تشويه صورة هذه الدول.
2- تصوير دول مجلس التعاون الخليجي كأحد مصادر التهديد بالنسبة لإيران.
3- تحديد وصياغة إستراتيجية تربوية ذات أبعاد سياسية وعسكرية ومذهبية وقومية لمواجهة إيران.
4- تنظيم الاستراتيجيات والسياسات الخاصة بالنظام التعليمي والتربوي في إيران لتعزيز عملية مواجهة دول مجلس التعاون.
باستعراض الكتب المدرسية التعليمية في إيران من الناحية الكمية، أمكن قياس مدى الأهمية المعطاة لمادة صورة دول مجلس التعاون الخليجي، وقد خضعت مجموعة النصوص التي وردت فيها هذه الصورة لتحليل موادها ووقائعها، وأمكن استخلاص المعاني الرئيسية والشخصيات وأدوارها ” المهام والصفات ” التي ساهمت في تشكيل هذه الصورة .
التحليل المفرداتي:
مكان مادة صورة دول مجلس التعاون في الكتب المدرسية الإيرانية
-الدلالة اللفظية، الاصطلاحية، التاريخية لشعوب دول مجلس التعاون ووصف حكوماتها بشكل عام: ركزت الكتب المدرسية على المعنى الاصطلاحي لساكني دول مجلس التعاون ممثلة في “البدو، الرعاة، التخلف، مشيخات بدوية، حكومات متآمرة على إيران وثورتها وشعبها، مقابل قوة إيران تقدمها وريادتها.


صورة الخليج ” الفارسي” والجزر الاماراتية الثلاث، وشط العرب: الدلالة اللفظية، الاصطلاحية:
تكشف صورة الخليج ونعته بـ” الفارسي” في الكتب المدرسية الإيرانية الوجه الحقيقي لإيران الثورة، وهذا يضعنا أمام مسئولية كشف هذه الصورة، وبيان الدوافع الحقيقية للسياسة الإيرانية في المنطقة.
يمكن القول أن من أهم أهداف كتب الجغرافيا، طمس اسم الخليج العربي، والتركيز فقط على مفهوم الفارسي, حيثُ تحرص كتب الجغرافيا المدرسية على تعظيم جغرافية فارسية منطقة الخليج، وإسناد أسماء المواقع الطبيعية الإيرانية إلى تسمياتها القديمة تمجيداً لتاريخهم القديم، والتركيز على الخارطة الجغرافية للحضارة الفارسية؛ ومنحها صفة المسلمات، مستوحين الأسماء مما ورد في التاريخ السحيق؛ لإثبات فارسية المكان والزمان .

في حين تبحث المناهج التعليمية الجغرافية الإيرانية بحثاً حثيثاً عن أطر إقليمية بديلة عن الإطار العربي؛ حيث تبدأ كتب الجغرافيا في تأسيس ذهنية على اعتبار إيران أن دولة شرق أوسطية، وأن منطقة الشرق الأوسط من أغنى مناطق العالم بالنفط والغاز، وأن سبب تكالب الدول الغربية خاصة أمريكا على منطقة الخليج ” الفارسي” هو استهداف الثورة الاسلامية والنفط، وأن الدول العربية الخليجية ” النفطية”، باتت مصدر التهديد نتيجة جلبها للقواعد العسكرية الغربية؛ التي تشكل خطرا كبيرا على إيران، وأمنها، وتخلص دروس الجغرافيا المدرسية، إلى نتيجة أن أحد أسباب تأسيس إسرائيل في المنطقة هو الحفاظ على مصالح الغرب والطاقة، وليس لأسباب استعمارية دينية مرتبطة بفلسطين .
نستطيع القول إن جغرافية العالم العربي لا تدخل ضمن برنامج تعليم الجغرافيا في الكتب المدرسية الإيرانية، من هنا تكاد تكون الخريطة السياسية الجامعة للعالم العربي مغيبة عن كتب الجغرافيا المدرسية، بل جاء العالم العربي ضمن خرائط لمناطق فرعية للشرق الأوسط والخليج “الفارسي”، حتى أننا لم ننتزع اعترافاً بتسمية العالم العربي بالوطن العربي.

إن إصرار الحكومة الإيرانية على تسمية الخليج العربي بالخليج الفارسي، لدليل واضح على النظرية التوسعية التي عاشت بها إيران في الماضي وتعيشها اليوم، وهي تسعى من خلال الشرح والتكرار إلى تعزيز فكرة الحدود الإمبراطورية، والاعتزاز بحدود دولة إيران تاريخياً، والتركيز على تناول حقوق إيران التاريخية في المناطق المجاورة لها مراراً وتكراراً.

أما الجزر الإماراتية المحتلة، فهي “أراض إيرانية إلى الأبد”، حيث يأتي ذكرها من خلال تناول أسماء الأماكن الجغرافية التي تقع ضمن السيادة الإيرانية؛ جزر، أنهار، خليج، شط باعتبارها مناطق فارسية، فالنص المتعلق ببعض المفردات الجغرافية، يريد ترسيخ أن الأمر يتعلق ” بأماكن إيرانية ” أبدية, وتنظيم رحلات لطلاب المدارس لها، بل قام الرئيس السابق نجاد بزيارتها للتأكيد على ملكيتها، وتتناول الكتب المدرسية أهميتها العسكرية والإستراتيجية بالنسبة لإيران، وتدريس هذه الأفكار في مختلف المناهج .

السعودية:
رسخت الكتب المدرسية في عقل الطالب، فكرة تخلف السعودية وأنها مصدر الجاهلية الأولى من خلال إظهار تآمرها على الدعوة النبوية، أما جاهلية السعودية الثانية، فهي تتمثل بظهور الدعوة السلفية التي تتهمها بأنها مصدر العنف والارهاب، وتكريس لصورة الاسلام غير الحقيقي، من خلال الاحتكام للسيف لحل مشاكلها، عبادة الأصنام، وأد البنات، معاقرة الخمر والميسر، وقطع الطرق .. ومحاولة إظهار أن هؤلاء البدو السعوديين لم ولن يملكوا أياً من مقومات الحضارة، مع الإكثار من كلمة أعراب، بما تحويه من دلالات بديلاً عن كلمة عرب.
وتعكس هذه الصورة حالة وعي متعصب مهجوس بكراهية السعودية أكثر من غيرها من الدول، والحط من شأنها، مع التركيز على إبراز أقبح الصفات لها.
إنها محاولة للربط بين الماضي والحاضر، ليذكر القارئ أن “المسلمين في السعودية” هم أصحاب الجاهلية الأولى التي قاومت الدعوة. ولا يظهر اسم السعودية باعتبارها الدولة التي انطلق منها الإسلام، ويستعاض عن ذلك بذكر مكة، والمدينة ” مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ على الرغم من أن اسم السعودية قد ظهر حديثاً؛ حيث كان يطلق عليها الحجاز سابقاً .
النتيجة أن منهجية الكتب المدرسية تتجه إلى تناول صورة ” عربستان ” والسعودية باعتبارها جزءًا مشوهاً من التاريخ، وتعتمد إزاء الجوانب الأخرى من التاريخ العربي على أسلوب التجهيل من جهة، وتشويه الحقائق من جهة أخرى، وأن تاريخ هذه الدولة مليء بالفتن والخلافات بكل أنواعها، وأنهم كانوا سبباً في مظلومية الشيعة، وتقابل ذلك عملية تضخيم لنسبة الشيعة في السعودية، والتركيز على نضالاتهم ضد العدوان السعودي!

البحرين:

تظهر الروح التوسعية في الكتب المدرسية الإيرانية تجاه البحرين؛ من خلال عدة موضوعات، من أبرزها، تكرار تناول موضوع البحرين، وملكية إيران لها، وأن المطالب الإيرانية بالبحرين لها سند تاريخي وقانوني يدعمها, وتعتبر الكتب المدرسية الإيرانية أن استثناء البحرين من الوعد الذي قطعه شاه إيران بالتنازل عنها، والاعتراف بها كدولة “كانت بمثابة كارثة كبرى” بالنسبة لإيران.
وهنا تحاول الكتب المدرسية التأكيد على أن لإيران حقوقاً تاريخية يجب استعادتها، وضرورة عودة البحرين للوطن الأم؛ إيران.
العراق:
تظهر الروح التوسعية في الكتب المدرسية الإيرانية تجاه العراق؛ من خلال عدة من موضوعات، أبرزها، تكرار تناول موضوع العراق، في كثير من المواقع وتبعيتها لإيران، وأن عودتها إلى الملكية الإيرانية حق تاريخي مكتسب، له سند تاريخي وقانوني يدعمه, وأن العراق أرض إيرانية غير قابلة للشك.
وهنا تحاول الكتب المدرسية التأكيد على أن لإيران حقوقاً تاريخية غير قابلة للمساومة يجب استعادتها، من خلال عودة العراق لحضن الوطن الأم ” إيران “.
نتائج:
نستطيع مما سبق فهم كيفية تناول صورة دول مجلس التعاون الخليجي في الكتب المدرسية الإيرانية، وما يقوله الإيرانيون عن العرب، وكيف يرسمون ملامح هذه الصورة، حيث أظهرت الكتب المدرسية الإيرانية أن معالجة الكتب لصورة الدول العربية الخليجية ما هي في الواقع إلا نوعٌ من التشويه والتزوير المنظَّم، وهي مليئةً بالعيوب والنقائص والتشويه البعيد عن الموضوعية والتعقل والحكمة والموضوعية؛ بحيث يتقبلها الطالب الإيراني، وتصبح عقيدةً لديه، لا يمكن إزالتها أو تغييرها في المستقبل. والسبب في ذلك يرجع لطريقة تأليف الكتب، فالأهم أن يقدموا مادة تتوافق مع شروط الثورة، والمذهب الشيعي، وبصورة تتضمن تزوير التاريخ، والتشويه في مضمون الكتب ومحتواها.
وقد أسهمت هذه الكتب في ايجاد حالة من التعبئة النفسية ضد دول مجلس التعاون الخليجي وحكوماتها وشعوبها، وخلق بيئة صراعية قائمة على تعزيز الكراهية والتحريض ضدها، بدلاً من تعليم قيم الحوار، والمصالحة، والتسامح والتعاون والمصالح المشتركة.
كذلك لم تسهم الكتب المدرسية الإيرانية في تحسين صورة الإنسان العربي الخليجي في الثقافة الإيرانية، أو حتى غرس مفاهيم للتقريب بين الإيرانيين والعرب.
كذلك توصلنا من خلال الدراسة إلى فهم أعمق لكيفية تأثير هذه المناهج بطريق مباشر أو غير مباشر في عملية التنشئة لدى الطالب الإيراني, بحيث بدا أن الصراع الإيراني – العربي الخليجي ليس صراعاً عسكرياً ولا أمنياً، وسياسياً فحسب؛ بل هو صراعٌ تربويٌ أيضاً، حيث يجب تنبيه أجيال الدارسين لتلك الحقيقة والتعامل مع هذا الخطر بشكل جدي وعلمي، وإدراك أبعاد هذا الصراع ومراميه.
لا بدّ كذلك من الاعتراف بالأثر السلبي لهذه المناهج على علاقات إيران بالدول العربية الخليجية، وأنها نتاج الثورة الثقافية، التي أفرزتها الثورة الإيرانية، لهذا يجب تنبيه مراكز صنع القرار السياسي، والعسكري، والتربوي في دول مجلس التعاون الخليجي لهذه الحقيقة، وعمل استراتيجيات فاعلة لمواجهتها.
رئيس وحدة الدراسات الإيرانية – مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات