عادل أبو هاشم يكتب : في ذكرى رحيـل أم المقـاومة الفلسـطينية

صادف أمس؛ 17 مارس, الذكرى السنوية الرابعة لرحيل السيدة المجاهدة؛ خنساء فلسطين؛ أم نضال فرحات، هذه المجاهدة العظيمة التي قدمت أعز ما تملك من أجل الوطن، ورحلت بعد حياة حافلة بالعطاء, ربّت فيها أبناءها على موائد القرآن وحب الوطن.

نقف اليوم بإجلال وإكبار، أمام ظاهرة عظيمة,

نقف والكلمات تتلعثم في الأفواه عاجزة عن الكلام والوصف.

كنا نفتخر حين نقرأ قصص الأجداد عن بطولاتهم وتضحياتهم، وكم يعتصرنا الألم ونشعر بالأسى عندما تبتعد المسافات بيننا وبين الأجداد في وقت يخيم فيه علينا الصمت والخنوع حيال ما يجري في فلسطين، فيمر شريط الذكريات في خيالنا يحمل بين طياته صورًا لخولة بنت الأزور والخنساء ونسيبة بنت كعب وأم سعد بن معاذ وغيرهن .

أننا أمام ظاهرة جديدة في مسيرة الشعب  الفلسطيني الجهادية الممتدة على مدار أكثر من مائة عام ..  ظاهرة ” خنساوات فلسطين ” التي أرست قواعدها المجاهدة العظيمة مريم محمد يوسف محيسن ” فرحات ” والشهيرة بـ ” أم نضال فرحات” النموذج الأبرز لجهاد الأم الفلسطينية المسلمة التي ما تركت التضحية لأن تكون خيالات وشعارات، بل استطاعت أن تجعلها واقعاً يعيشه كل المراقبين لسيرة حياتها المجيدة.

هذه الأم الفلسطينية المجاهدة دفعت ولدها في ظلمات الليل لتجعل من جسده شعلة مضيئة على طريق تحرير فلسطين، وهي التي آوت في بيتها القائد المجاهد الشهيد عماد عقل، والتي كانت تستشعر أمومتها لكل مجاهد, فلم تؤثر الصمت، وظهرت في شريط الفيديو وهي تودع ابنها المجاهد وهي تعلم أنه لن يعود إليها.

 

هذه المرأة العظيمة مدرسة بأكملها.. بإيمانها .. بتواضعها .. بصبرها، وثباتها ورباطة جأشها .. إنها حجة على الأمة جميعا، وقفت شامخة بكل تواضع تدعو إلى الجهاد، تدعو الأمهات وتدعو شعب فلسطين وتدعو المسلمين جميعـًا.

ظهرت في الشريط وهي تعلم أن هذا قد يعرضها للأذى، ولكن ظهورها أمر ضروري ليكشف عن حياة هذه الأمة وحيويتها، ولتؤكد إن الأمة التي أنجبت الخنساء قادرة على أن تنجب خنساوات كثيرات في كل عصر طالما أن المحرك هو نفسه الذي حرك الأوائل، ألا وهو الإيمان.

يتوقف شريط الذكريات ليتحول إلى حقيقة حين نقف أمام التضحيات الجسام التي تقدمها الأم الفلسطينية المؤمنة التي تتقبل استشهاد فلذة كبدها بالزغاريد وتحمد الله وتشكره على هذه النعمة الذي انعم عليها بها.

هكذا هي الأم الفلسطينية وهكذا عودتنا أن تكون مصنعـًا للرجال.

أم نضال هي أم الأسير، وأم الشهداء الثلاثة؛ محمد ونضال ورواد فرحات، وقد قصف منزلها أربع مرات من قبل طائرات الاحتلال الإسرائيلي.

وباستشهاد المجاهد القسامي البطل رواد فرحات ( 17 عاماً ) في غارة إسرائيلية على سيارته في مدينة غزة يوم 24/9/2005م، تكون “خنساء فلسطين” قد قدمت ثلاثة من أبنائها المجاهدين في سبيل الله فداءً للوطن وللقضية.

لم تجزع أم نضال عند سماع نبأ استشهاد ابنها “رواد”، بل قالت بصوت ملؤه الثبات إنها مستعدة لتقديم كل أبنائها للمقاومة.

عندما تسمع عنها يخيل إليك أنها أتت من زمان غير زماننا، أو أن عاطفة الأمومة نُزعت من قلبها، وغُرس بدلا منها حب المقاومة والوطن، كيف بها تطلب من ابنها إيواء مطارَدين لجيش الاحتلال في بيتها رغم معرفتها أنها يمكن أن تفقد أولادها الستة لهذا السبب؟!

وكيف تدفع بابنها “محمد” ليتسابق في نيل شرف مقاومة جيش الاحتلال، وتوصيه بالثبات حتى يلقى ربه شهيداً؟!

مريم محمد فرحات ” أم نضال” نذرت أبناءها لله، فقالت لهم ذات يوم: محمد.. نضال.. مؤمن.. حسام .. وسام.. رواد.. أرضكم مدنسة وأنتم تنظرون، أريدكم منتصرين أو على الأعناق محمولين.

استجاب الأبناء البررة للنداء على الفور، لأنهم بكتاب ربهم مؤمنون، وبسنة نبيهم متمسكون.

 “وسام” دخل ظلمة السجون الصهيونية بعد أن ضاق به المحتلون ليقضى 11 عاما في سجون الاحتلال الإسرائيلي، أما محمد ونضال ورواد فقالوا: “إنا لفلسطين منتقمون”، فكان نصيبهم أنهم في حواصل طير خضر يسرحون ويمرحون في الجنة إن شاء الله.

سجلت المجاهدة العظيمة أم نضال أروع الصور لجهاد المرأة الفلسطينية، وضربت مثلا بدفعها ابنها محمد للمشاركة في اقتحام مستوطنة صهيونية وقتل المغتصبين رغم صغر سنه، بعد أن نمّت الجرأة في قلبه وهي تقول له: ” أريدك أن تقاتل بالسلاح لا بالحجر”.

لذلك سرعان ما فكر في البحث عن عمل ليدخر منه ثمن السلاح الذي لا تستطيع الأسرة أن توفره لولدها، حثته أمه على العمل والكد حتى يستطيع أن يمتلك السلاح، ويحافظ عليه لأنه عرف مدى صعوبة الحصول عليه.

تقول أم نضال: ” كان من أجمل أيام حياتي عندما امتلك محمد السلاح فأحضره لي ليسعد قلبي به، ويؤكد لي أنه أصبح رجلا يمكن أن يسير في طريق الجهاد”.

لم تبدأ فصول مقارعة السيدة أم نضال للعدو الصهيوني بدفع ابنها “محمد” للجهاد، بل قبل ذلك, في عام 1992م حين آوت في بيتها المتواضع المناضل الذي وصفه الإسرائيليون بـ ” ذي الأرواح السبعة”؛ القائد المجاهد البطل “عماد عقل”؛ قائد الجناح العسكري لحركة “حماس” الذي قال عبارته المشهورة: “إن قتل الإسرائيليين عبادة أتقرب بها إلى الله”، والذي استشهد في منزلها يوم الأربعاء 24/11/1993م بعد أن تحول إلى جبهة حرب بينه وبين ما يزيد عن مائتي جندي صهيوني قبل اقتحامهم المنزل واستشهاده.

وليس غريبا على مثل هذه الأم أن تتمنى أن يرزق الله جميع أولادها الشهادة وحب الاستشهاد ليسيروا على درب عقل، وهي القائلة: ” من يحب الله والوطن فلا يتوان عن تقديم أبنائه فداء له، والأم التي تحب ولدها تطلب له النجاة في الدنيا والآخرة وتدفعه للجهاد ولا تجزع عند فوزه بها، ولا تشمت الأعداء بشعبنا بدموعها على شاشات التلفزة “.

“تزحزح قليلاً يا بني، ضع يدك على كتفي، دعني أُقبلك قبلة الوداع، هيا التقط صورتك أيها المصور وأنا أزف ولدي إلى الشهادة”.

صورة تكاد تنبض فيها الحياة وتدور بينك وبينها حوارات طويلة . هكذا كانت اللقطة التاريخية التي سجلتها أم نضال مع ابنها محمد وهي تزفه إلى الشهادة.

لقد سنّت أم نضال سنة حسنة جديدة ربما في الواقع هي قديمة بقدم تاريخ الأرض, والتقطت لها صورة مع محمد في شرائط الفيديو المعتادة التي كانت تسجل مع الشهيد قبل عمليته؛ فالشهيد هذه المرة لم يكن وحيدًا، بل كان معه والدته.

الصورة الرمز التي تخفي وراءها جيشًا من الأمهات والآباء الصابرين هي ولا شك نقلة نوعية في مشاعر الأمومة، فالكثير يتحدث عن نقلة نوعية في أساليب المقاومة في انتفاضة الأقصى، إلا أن أحدًا لم يذكر مع تلك الأسلحة هذه النقلة التي سجلت براءتها أم نضال ومثيلاتها, التي أضافت قائلة:

” ابني الشهيد هو خير من يبرني .. فهو الذي سيشفع لي بشهادته .. من كانت تحب ولدها فلتعطه أغلى ما تستطيع وأغلى ما يمكن أن تقدمه هو الجنة ” .

 وكانت هذه الكلمات هي الإمضاء الذي سطرته على طرف صورتها.

وفي يوم الخميس السابع من مارس عام 2002م خرج الاستشهادي المجاهد البطل محمد فتحي رباح فرحات حاملا سلاحه رغم سنه الصغير ( 19 عاماً ) ومضى في رحلته الأخيرة بعد أن ودع والدته التي تلقى منها درسـًا في الثبات والإقدام، وتمكن من اجتياز كافة الإجراءات الأمنية والحواجز والبوابات الإلكترونية الصهيونية إلى أن دخل مستوطنة “عتصمونا ” ومكث فيها زهاء عشر ساعات متواصلة دون خوف، وبقلبه الصغير الشجاع انتظر تجمع أكبر عدد من العسكريين الصهاينة، فخرج من مربضه كالأسد ليفاجئهم  ويقتل سبعة منهم ويجرح العشرات من طلبة الأكاديمية العسكرية.

لقد شكلت العملية الاستشهادية النوعية مفخرة لكل فلسطيني، وأثبتت القدرات التي تمتع بها هذا الشبل الذي تمكن من تحقيق ما لم تحققه فرق عسكرية مدربة في الجيوش، مؤكدًا أن ما يتبجح به العدو من قوة ما هي إلا أوهام واهية يستطيع الفلسطيني بإرادته وتصميمه أن يجعلها سرابـًا.

  لم يدخل محمد كلية عسكرية يتعلم فيها فنون القتال واقتحام المواقع بل تعلم على يد والدته المجاهدة دروسـًا في التضحية والإقدام والثبات.

وقالت أم نضال: ” لو كنت أعرف كيف أزغرد فرحـًا بخبر استشهاد ابني لفعلت”

لم تنته قصة المجاهدة العظيمة بعد, فقد استشهد ابنها نضال؛ أحد القادة الميدانيين لكتائب الشهيد عز الدين القسام والمهندس الأول لصواريخ القسام، عصر يوم الأحد 16/2/2003م ، عندما تسلم الجزء الثاني من طائرة صغيرة ضمن استعدادات الكتائب لتطوير عملياتها ضد قوات الاحتلال وانطلق إلى منزل يقع في حي الزيتون بمدينة غزة .

وكان نضال قد تسلم الجزء الأول من الطائرة قبل فترة بسلام من قبل مورد للسلاح داخل فلسطين المحتلة عام 1948م، ورغم الشكوك التي ساورت نضال حول مورد الطائرة نتيجة أحداث سابقة لكنه مضى بسيارته لفحصها، لحظات وحدث الانفجار بفعل عبوة ناسفة متطورة زرعت فيها, ويبدو أنها تلقت إشارات من طائرة مراقبة صهيونية تجوب سماء المنطقة.

أم نضال .. نشعر أولا بالفخر.. ونشعر ثانية بالخجل حين نقف أمامك، أمام أم حنون قامت بعمل عجزت عنه الرجال حين أبعدوا أبناءهم عن ساحة الجهاد والفوز بالجنة ليستمتعوا بصحبتهم.

نحن بحاجة إلى مدرستك لنتعلم منها دروس التضحية والثبات وقوة الإيمان ونستخلص منها العبر بأن الآجال مقدرة من عند الله, وأن الفوز بالشهادة هو الانتصار الحقيقي والمنتظر.

كنت مثال الأم الحنونة ونموذج الأم المعطاء.

ليتقبل الله جهادك وتضحيتك وصبرك واستشهادك، ويتقبل أبناءك محمد و نضال ورواد مع  النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ويجمعك بهم وبجميع  الشهداء الأبطال الأبرار في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

شاهد أيضاً

زياد ابحيص يكتب : إغلاق الأقصى هدفٌ للحرب يجب إفشاله

بعد ساعة واحدة من بدء العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، أبلغت قوات الاحتلال إدارة #المسجد_الإبراهيمي …