عام على مقتل «ريجيني».. ولايزال التحقيق مستمرا!

في مثل هذه الأيام يمر عام على مقتل الطالب الإيطالي “جوليو ريجيني” الذي جاء إلى مصر في سبتمبر2015، لدراسة الدكتوراة، لتنتهي حياته تحت التعذيب وعلامات قاطعة بوجود كدمات وسحجات في جميع أنحاء الجسم نتجت عن ضرب مبرح ووحشي، ورضات ممتدة نتجت من ركلات ولكمات واعتداءات باستخدام عصا، وقد اقتلعت أظافر يديه وقدميه، كما وجد في جسده أكثر من عشرين كسراً في العظام بينها سبعة كسور في أضلاع الصدر، وكانت كل أصابعه مكسورة وكذلك لوحا كتفيه، وظهرت على الجثه طعنات في شتي أنحاء الجسد وحتي في أخمص القدمين، كما ظهر علي الجسم كله العديد من القطوع والجروح نتجت عن آلة حادة يشتبه في أن تكون موس حلاقة، كما كانت آذانه وأنفه مشوهين، وظهرت آثار حرق بالسجائر شملت الجسم كله، وعلامات صعق كهربائي على أعضائه التناسلية، ونزيف في الدماغ وكسر أو التواء في فقرات العنق تسبب أخيراً في الموت بحسب «رويترز»، ما أثر سلبا على العلاقات المصرية الإيطالية، التي وصلت إلى سحب روما سفيرها من القاهرة.

في 25 يناير2016 اختفى “ريجيني” عن الأنظار، دون أن يُعرف سبب لاختفائه، ما دفع ذويه إلى إبلاغ الحكومة الإيطالية التي قامت بدورها بإبلاغ الحكومة المصرية.

وفي 3 فبراير أعلنت وزارة الداخلية المصرية على لسان مصدر أمني، العثور على  جثة مجهولة الهوية على مشارف القاهرة في مصرف بجانب طريق القاهرة- الإسكندرية الصحراوي, عليها آثار تعذيب سالف الذكر, تبين أنها لـ”ريجيني”.

وكشفت الحكومة الإيطالية نقلا عن مصادر لها في الطب الشرعي المصري، إن “ريجيني” تم تعذيبه لمدة 7 أيام، لمدد تتراوح بين 10 إلى 14 ساعة يوميا، ما أدي إلى مقتله.

كما كشف التشريح الذي أجراه المسؤولون في إيطاليا، أنه تعرض «لعنف حيواني غير إنساني»، بحسب ما جاء على لسان وزير الداخلية الإيطالي «أنجلينو ألفونسو».

صحيفة «الجارديان» البريطانية، قالت إن والدة «ريجيني»، هددت بنشر صور لجسد ابنها القتيل حتى يشاهد العالم أجمع ما حدث له في مصر، مشيرة إلى أنها لم تتعرف على شيء من جسد ابنها سوى أنفه فقط.

كما نقلت عنها تصريحها الشهير: «عذبوه وقتلوه.. كما لو كان مصريا».

ومنذ ذلك الحين، والتحقيقات جارية، في مصر وإيطاليا، وسط اتهامات صريحة من النيابة في روما لنظيرتها المصرية بعدم التعاون تارة، وإرسال معلومات غير صحيحة تارة أخرى. وزير الخارجية الإيطالي «باولو جنتيلوني»، أصبح بعد ذلك رئيسا للحكومة وقد تعهد بمناسبة مرور عام على مقتل ريجيني بمواصلة الضغط لكشف حقيقة وتفاصيل مقتله قائلا : «لن نتوقف عن هذه القضية إلا بعد حصولنا على الحقيقة الكاملة، فنحن نريد الحقيقة الكاملة والجاني الحقيقي».

 

6 روايات وتسريبات

ست روايات مختلفة تحدثت عنها السلطات المصرية وإعلامها، حول مقتل ريجيني، ظهرت تباعا عقب وفاته، الأولى، كانت تعرضه لحادث سير، قبل أن يجدوا آثار تعذيب في جسده، ليقال إنها نتيجة شذوذه الجنسي، وهي الرواية التي نفاها أصدقاؤه، لتثار رواية ثالثة حول أن تنظيم «الدولة الإسلامية» اختطفه، وعذبه وقتله، إلا أن هذه الرواية كانت حلقة ضعيفة للغاية، أما الرواية الرابعة والتي ثبت كذبها، فهي مشاجرته مع أحد الأشخاص ما أدى لقتله. الرواية الخامسة أن «ريجيني» تعرض للخطف والابتزاز من أجل سرقته، ومن ثم قتله، قبل أن تتراجع السلطات المصرية عن هذه الرواية وغيرها بعدما لم تصدقها السلطات الإيطالية، وانتهاء إلى الرواية السادسة بما تشير أدلتهم وربما ما يملكون من مستندات وهي قيام السلطات المصرية بقتل  «ريجيني»، وذلك لتشابه إجراءات إخفائه قسريا وتعذيبه، بل وإلقائه في الطريق، لما يحدث مع المصريين المعارضين، بحسب ما أوردته الصحف الإيطالية.

ووفق الرواية الكاذبة الأخيرة فإن أجهزة الأمن راقبت «ريجيني» لمدة 3 أيام فقط، بدءًا ما بين 7 -10 يناير، على أثَرِ تَلَقِّيها بلاغًا من رئيس نقابة الباعة الجائلين «محمد عبدالله»، يَشِي فيه بـ«ريجيني»، باعتباره من وجهة نظره، يمثل خطرًا على الأمن القومي المصري، لاهتمامه بالحركة النقابية للباعة.

الداخلية ادعت أنها أنهت مراقبتها لـ«ريجيني»، بعد تأكدها من أن نشاطه لا يمثّل خطرًا على أمن البلاد.

النائب العام قدم عدة أدلة على كذب هذه الرواية، الأولى تحقيقات قام بها مكتبه، تؤكد مواصلة أجهزة الأمن المصرية مراقبة «ريجيني» بشكلٍ مباشرٍ عبر رجالها ونقيب الباعة الجائلين منذ عودته من إيطاليا عقب احتفاله بأعياد الميلاد مع أسرته هناك، واستمرّت هذه المراقبة اللصيقة له حتى يوم 14 يناير، وبعدها اعتمدت على مراقبته عبر عملائها، واستمرَّت في ذلك حتى يوم 22 يناير2016، أي قبل اختطافه بثلاثة أيام.

تسجيل مكالمة تليفونية لنقيب الباعة الجائلين مع أجهزة الأمن كانت دليل الإدانة الأخيرة، حيث أخبر النقيب خلالها عن تحركات «ريجيني»، وقد سلَّم النائب العام تسجيلاً لهذه المكالمة التليفونية للمحققين الإيطاليين، وأرفق معها فيديو سجَّله «محمد عبد الله» لـ«ريجيني»، بناءً على أوامر أجهزة الأمن المصرية له.

تسجيلات أخرى قدمها النائب العام لنظيره الإيطالي لخمسة من قيادات جهاز الأمن الوطني، منذ يناير 2016 وحتى مارس من العام ذاته، أي حتى بعد مقتل «ريجيني» والعثور على جثته بأكثر من شهر ونصف الشهر، باعتبارهم المسئولين عن مَلَفِه من الناحية الأمنية، مما يؤكد أنَّ الرواية الرسمية للداخلية كانت كاذبةً في كل تفاصيلها.

ومع هذه التسجيلات الخطيرة، قدَّم النائب العام للإيطاليين تسجيلات تليفونية لأحد عشر شخصًا، بينهم من يشغلون مناصب أمنية، وآخرون عملاء لأجهزة الأمن، وعلى رأسهم «محمد عبدالله» رئيس نقابة الباعة الجائلين بوسط البلد، تدور كلها حول «ريجيني» ونشاطه في مصر.

وعلى الرغم من إعلان مصر استقبالها فريق فني، إلا أنها تراجعت عن ذلك، على خلفية اتصالات غاضبة تلقتها من روما، بعد قيام «جهة ما في الدولة المصرية» باستخدام التلفزيون الرسمي للدولة لإذاعة مقطع مصور لحديث بين «ريجيني» وممثل عن نقابة الباعة الجائلين، يطلب فيه الأخير الحصول على مبلغ مالي للمساعدة الشخصية.

وبحسب المقطع المسرب، فإن الطالب الإيطالي رد على ممثل النقابة قائلًا: «محمد، الفلوس مش فلوسي أنا مش ممكن استخدم الفلوس بأي صورة عشان أخدمك، ومش ممكن أكتب أني عايز استخدم الفلوس بصورة شخصية».

صحيفة «لاريبوبلكا» الإيطالية، نشرت المقطع كاملا، تضمن جزءا تم اقتطاعه من الحوار الذي نشره التلفزيون لمصري، منها أن «ريجيني» يقول للمتحدث معه: «أنا مش عندي سلطة أعطيك فلوس، أنا مش ممكن أكتب رسالة بريد إلكتروني، أقول عاوز فلوس دلوقتي، ده عمل مش محترف».

وقال دبلوماسي إيطالي إن الشريط المسرب «تم تحريره بصورة متعمدة» في مسعى لتصوير ريجيني كـ«جاسوس»، وهو الأمر الذي دفع سلطات التحقيق الإيطالية لأن تقوم ببث «المقطع الحقيقي من خلال تسريبه لواحدة من كبريات الصحف الايطالية «كورييري دي لاسيرا» ما سبب إحراجًا للسلطات المصرية منعها من إعادة إذاعة المقطع على شاشة التلفزيون المصري. 

وبحسب المصدر نفسه فإن «ما أذيع في القاهرة، هو حوالي خمسة دقائق من أصل تسجيل يتجاوز الأربعين دقيقة، وفيه ما يثبت تواصلًا مباشرًا بين رئيس اتحاد الباعة الجائلين المصري، مع جهة ما كلفته بالتسجيل».

ودفع الغضب الإيطالي النائب العام المصري إلى إصدار بيانه التوضيحي في اليوم نفسه لإذاعة التسجيل المسرب في القاهرة، وقال فيه إن النيابة المصرية قد سلّمت الجانب الإيطالي في الاجتماع الأخير بين الطرفين، (في ديسمبرالماضي)، «اسطوانة مدمجة تضم تسجيلًا لحوار دار بين ريجيني وممثل الباعة الجائلين سجله الأخير في وقت سابق على اختفاء الطالب الإيطالي، والذي بموجبه تخلت الجهات الأمنية عن الاستمرار في متابعة المجني عليه, لما تبين لها من قصور نشاطه عن حد المساس بالأمن القومي المصري»، بحسب نص البيان.

الأمن متهم

نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي هاجموا الداخلية المصرية، واتهموها بقتل ريجيني، ورأى النشطاء أن هذا الفيديو يثبت تورط الداخلية ومعرفتها قاتل «ريجيني»، وأنه يدين مصر أمام إيطاليا ودول العالم في مقتل الطالب الإيطالي، غير مستبعدين أن يكون «عبد الله» قد سجل له مقطع الفيديو بناء على طلب من الشرطة.

وهو نفس الرأي الذي ذهبت إليه النيابة العامة في إيطاليا، حين قالت: «الاعتقاد الأرجح أن الشرطة المصرية طلبت من نقيب الباعة الجائلين إنجاز هذا التسجيل المصور مع ريجيني بعدما كان قد أبلغ عنه».

وأضافت: «المحققون الإيطاليون يعتقدون أن تسجيل ريجيني ونقيب الباعة الجائلين، تم تصويره باستخدام معدات متوفرة لدى الشرطة المصرية؛ ما يدل على وجود اتفاق بين الشرطة والبائع المتجول»، وفق التلفزيون الرسمي الإيطالي.

وتابعت أنه «وفقا لنتائج عمل المحققين الإيطاليين، فإن نقيب الباعة الجائلين، الذي ظهر صوته في التسجيل، أبلغ الشرطة المصرية عن ريجيني قبل 6 يناير (تاريخ التسجيل) وليس يوم 7 من ذلك الشهر، كما أبلغت النيابة العامة المصرية محققي النيابة العامة الإيطالية في وقت سابق».

أسرة «ريجيني»

أسرة «ريجيني» لم تهدأ منذ الإعلان عن مقتله، فمن البرلمان الإيطالي، للبرلمان الأوروبي، للاتحاد الأوروبي، تواصلت تحركاتها للتنديد بمقتل نجلها.

حتى أن والدة «ريجيني»، واسمها «باولا»، اختارتها صحيفة «La Repubblica» الإيطالية إمرأة العام، وقالت الصحيفة إنها تحولت إلى رمز البحث عن الحقيقة والعدالة، ليس اقتصاصاً لابنها فقط؛ بل لكل أشكال انتهاك حقوق الإنسان.

ولا تزال الرايات الصفراء المطالبة بـ«الحقيقة لجوليو» ترفرف خارج مباني البلديات والمنازل، ولايزال التحقيق مستمرا.

 

 

شاهد أيضاً

ترامب: الحرب لن تتوقف إلا باستسلام إيران

قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إن الحرب لن تتوقف إلا باستسلام إيران، معربًا عن رغبته …