عبد الله النملي يكتب: إبادة شعب الروهينجا وسياسة الغرب المزدوجة

صرخت امرأة مسلمة “وامعتصماه”، فسمع صرختها الخليفة الأموي المعتصم، وجهز جيشا أوله في دمشق، وآخره في مدينة عمورية التي تعرضت فيها المرأة المسلمة للتحرش من أحد النصاري.

واليوم، تتعرض الأقلية المسلمة من شعب “الروهينجا” بأراكان، أكثر أقاليم بورما فقرا، لأبشع إبادة وحشية من قبل الجيش والجماعات البوذية المتطرفة، حيث ينتشر الجيش والجماعات العنصرية في أماكن تواجد المسلمين، بعد إعلان بعض الكهنة البوذيين الحرب المقدسة ضد المسلمين، وسط صمت, لا الضمير الإسلامي فحسب، ولكن الضمير العالمي الذي يدافع عن حقوق الإنسان.

ويبدو أن مسلمي بورما قد سقطوا من حساب العالم الإسلامي الذي يصل عدده مليار ونصف المليار مسلم، فليس هناك ذكر لمأساة هذا الشعب المسلم في خطب الجمعة، ولا حتى خطبة يوم عرفة التي اجتمع فيها مليونا حاج، بل حتى منظمة المؤتمر الإسلامي لم نسمع لها أي تحرك أو مطالبة بالتحقيق في حرب الإبادة التي يتعرض لها شعب مسلم، ولا حتى زيارة وفد من المنظمة لخيام اللاجئين في بنجلاديش التي لا تقيهم حر الصيف ولا برد الشتاء.

 إن مسلمي “الروهينجا” الذين يبلغ عددهم نحو 4.3 % من إجمالي عدد السكان، البالغ تعدادهم نحو 51.5 مليوناً في بورما، بحسب إحصاء رسمي لعام 2014، يتعرضون تاريخيا لعمليات قتل وترويع، تجددت في مايو سنة 2012 وحتى اليوم، بارتكاب جرائم بشعة يندى لها الجبين. والمشاهد المؤلمة التي يسربها الإعلام لما يحصل من مجازر وتعذيب وعمليات قتل جماعية وإحراق قرى وقتل الأطفال والنساء والشيوخ من مسلمى “الروهينجا”، تكشف حجم الحقد الذي يعتمل في نفوس أتباع النظام في ميانمار، والذين يتلقون الدعم من القوى العالمية، ومن بينها العدو الصهيوني، الذي لا يتورع عن تسليح الجيش المجرم في تلك الدولة بكل الأسلحة اللازمة لارتكاب جرائمه المتواصلة.

وقد أدت الجرائم المرتكبة بحق الروهينجا، لوقوع الآلاف من الضحايا، وتشريد عشرات الآلاف من المواطنين، والتضييق الاقتصادي والثقافي ومصادرة أراضيهم، وطرد قرابة المليون ونصف المليون مسلم إلى بنجلاديش، ونزوحهم هرباً من البطش والقتل إلى كل من بنجلاديش وماليزيا وإندونيسيا، حيث لقي المئات حتفهم خلال عمليات النزوح بحراً، ومواجهة الفارين خطر الألغام الأرضية على الحدود، من دون أن تحرك هذه الجرائم ساكنا لدى مدعي الدفاع عن حقوق الإنسان في العالم.

وأعلن المجلس الأوروبي للروهينجا، عن مقتل ما بين ألفين إلى 3 آلاف مسلم في هجمات جيش ميانمار بأراكان خلال ثلاثة أيام فقط. وذكرت الأمم المتحدة أن نحو 125 ألفا من اللاجئين معظمهم من الروهينجا المسلمين دخلوا بنجلاديش، منذ بدء دوامة العنف الجديدة في بورما في 25 أغسطس الماضي. وقالت الأمم المتحدة إن “بوادر أزمة إنسانية تلوح في الأفق في المخيمات التي فاقت طاقتها، والتي يعيش فيها 400 ألف من اللاجئين الروهينجا، وصلوها خلال موجات عنف سابقة على مدى سنوات. وقالت فيفيان تان؛ المتحدثة باسم الهيئة العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة إن هناك حاجة ماسة لمراكز إيواء وأراض لبناء هذه المراكز. وأضافت: هؤلاء الأشخاص ساروا لأيام، البعض منهم لم يأكلوا منذ أن غادروا، عاشوا على مياه الأمطار والمياه المتجمعة على الأرض. واستطردت: الناس يعيشون في المخيمات وعلى الطرق وفي باحات المدارس وحتى في العراء، يزيلون أشجار الغابات لإقامة مساكن جديدة، وهناك نقص حاد في المياه والغذاء. وقالت صحيفة “الجارديان” البريطانية إن جيش ميانمار والمليشيات البوذية الإرهابية، منعت عديدا من المنظمات الإغاثية الدولية من العمل لتوفير المساعدات الإنسانية لمسلمي الروهينجا في إقليم أراكان.

 

وبعد تناول الصحف أخبار مسلمي الروهينجا وما يعانونه من تعذيب، تزايدت التساؤلات حول دور زعيمة ميانمار؛ أون سان سو تشي, الحاصلة على جائزة نوبل للسلام في العام 1991، والحائزة على أرفع تكريم مدني في الولايات المتحدة، وعلى جائزة سخاروف لحرية الفكر سنة 1990، وعلى جائزة جواهر لال نهرو من الحكومة الهندية في عام 1992م ، حيث تتعرض لانتقادات حادة لالتزامها الصمت إبان أحداث ولاية “راخين” (أراكان)، إلى جانب عدم مبالاتها بما تتعرض له الأقلية المسلمة المضطهدة من اضطهاد عرقي وديني. وقد صرحت سو تشي للمراسلين، في أعقاب حصولها على جائزة سلام، بأنها لا تعلم ما إذا كان من الممكن اعتبار الروهينجا مواطنين بورميين أم لا.  وقد رفضت في لقاء مع “بي بي سي”  إدانة العنف ضد الروهينجا، منكرة تعرض مسلمي ميانمار لأي تطهير عرقي، ومؤكدة على أن احتقان الأجواء يرجع إلى “مناخ من الخوف” سببه ” شعور العالم بتعاظم قوة المسلمين عالميًا”.  وقد أعربت، عقب هذا اللقاء، عن استيائها من اختيار مذيعة مسلمة لإجراء اللقاء معها. 

إن الحقوقيين في العالم وقفوا مع سان سو تشي، عندما كانت تتعرض للقمع من قبل الدكتاتورية في ميانمار، ومنذ حصول حزبها على الأغلبية في الانتخابات الرئاسية، لم تقم بشيء لإنهاء مأساة الروهينجا.  فكيف يمكن أن يعاني هؤلاء من التعذيب والتهجير في ظل الزعيمة التي سبق وكرمت من أجل تبجيلها للسلام بكل ما تحمله الكلمة من معنى؟ إذ تعتبر جائزة نوبل للسلام، الجائزة الأكبر في هذا المجال، والتي غالبا ما تمنح لساسة طبقوا السلام من خلال أدوارهم الفعالة في إحلال السلام لشعوبهم. وبالرغم من ذلك لم تتردد في وصف مسلمي الروهينجا بالإرهابيين. ناهيك عن أن حكومة بورما ترفض رفضاً قاطعاً منحهم الجنسية البورمية، حيث ينص القانون البورمي حول الجنسية الصادر في 1982 على أنها وحدها المجموعات العرقية التي تثبت وجودها على الأراضي البورمية قبل 1823، أي قبل الحرب الأولى الإنجليزية البورمية التي أدت إلى الاستعمار، يمكنها الحصول على الجنسية البورمية، ولذلك تتخذ الحكومة هذا الأمر ذريعة لحرمان الروهينجا من الحصول على الجنسية، لكن ممثلي الروهينجغا يؤكدون أنهم كانوا في بورما قبل هذا التاريخ بكثير.

وقد طالبت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة لجنة جائزة نوبل بسحب جائزتها من سان سو تشي، وجاء في بيان للمنظمة ” إن ما تقوم به سلطات ميانمار من جرائم بشعة ضد أقلية “الروهينجا” المسلمة بمعرفة رئيسة وزرائها وتأييدها، عمل يتناقض مع أهداف جائزة نوبل ومع القانون الدولي وحقوق الإنسان”، و”أن رئيسة وزراء ميانمار فقدت الأهلية للجائزة بسبب دعمها للمجازر ضد المسلمين في بلادها “، وطالبت  المجتمع الدولي بالتدخل لوقف هذه المجازر.

وقد وقع عشرات الآلاف على عريضة منشورة في موقع منظمة “تشينج أورج” الأمريكية المختص في العرائض الالكترونية، تطالب بإحالة سان سو تشي وقائد الجيش مينج أونج هلينج، إلى محكمة العدل الدولية، بتهمة ارتكاب اعمال تطهير عرقي في إقليم أراكان، ليتم محاكمتهما بشأن الجرائم التي يتحملان مسؤوليتها بشكل كامل. وإذا كان طريق العدالة طويلاً ومعقّداً أحياناً، ويخضع لاعتبارات عدة وتوازن قوى ومصالح، فإن ملفّات القضاء الدولي سجّلت قرارات من جانب محكمة جرائم الحرب الخاصة بيوغسلافيا السابقة في العام 2010  تقضي بإنزال عقوبات غليظة بعدد من المدانين بارتكاب جرائم إبادة وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وخرق قواعد القانون الدولي المتعلّق بالمدنيين.

ووسط التعتيم الإعلامى، لايزال مسلمو أراكان يتعرضون لعملية إبادة ممنهجة،  ولا من مجيب لصرختهم، رغم المناشدات الدولية لهيئة الأمم المتحدة بالتدخل لإيقاف هذه الإبادة التي تشكل تهديدا خطيرا للسلام العالمي و انتهاكا سافرا لحقوق الإنسان. فالعالم الغربي يتغنى بالديمقراطية وحقوق الإنسان فقط حينما يكون ذلك متوافقاً مع مصالحه، أما غير ذلك فيضرب بها عرض الحائط، وقضية مسلمي الروهينجا شاهدة على هذه السياسة الدولية المزدوجة المعايير، ذلك أن  القوى الغربية التي دفعت بقواتها إلى أدغال أفريقيا وأفغانستان وضد تنظيم داعش، هي القوى نفسها التي تقف متفرجة أمام المجازر التي يرتكبها  النظام الصهيوني بفلسطين والنظام السوري ضد شعبه بقيادة السفاح بشار الذي فاقت جرائمه نيرون وهولاكو، وتقف صامتة ضد حملات الإبادة والتهجير التي تتعرض لها الأقلية المسلمة في بورما. إنه مجتمع دولي كاذب يزعم حماية الأقليات، ولكن ثبت أنه يحمي الأقليات غير المسلمه فقط، أما الأقليات المسلمة فهي تقتل في كل مكان من إفريقيا وآسيا في جرائم تُدمي القلوب قبل العيون. وإذا خرج من رحم هذه المأساة من يدافع عن نفسه ضد القتل البوذي، فسوف يتدخل الاستكبار العالمي، فورًا، لمحاربته تحت ذريعة الإرهاب الإسلامي ضد البوذيين، حيث باتت الحرب على الإرهاب اليوم، بمثابة العبارة السحرية التي لها فروع في كل قارات ودول العالم. وهي تُهمة يلصقها الأقوياء بالضعفاء كذريعة ليمارسوا ضدهم أبشع أنواع الإرهاب.

 

شاهد أيضاً

مصطفى عبد السلام يكتب : مغزى قفزة الدولار في مصر وسر عدم تدخّل البنك المركزي

بات السؤال الملح في مصر الآن ليس عن أسباب قفزة سعر الدولار فلها أسبابها المنطقية، …