من الواضح أن الأمين العام لمجلس الدولة في مصر؛ المستشار وائل شلبي لم ينتحر كما زعمت السلطات الانقلابية، ولكن على ما يبدو أنه تم نحره والخلاص منه، حتى لا يفضح بقية أفراد العصابة!
وجاء قرار نائب عام الانقلاب، بحظر النشر في القضية، ليزيد من الشكوك، مع أن هذه القضية ليست من قضايا الأمن القومي التي تتطلب تكميم الأفواه، وهو ما يدل على أن القتلة شخصيات وأسماء كبيرة، خافوا من افتضاح أمرهم، لأن الرجل هدد بأنه سيفضح الجميع، فكانت كلماته هي الحبل الذي التف حول رقبته!
ومما زاد من الشكوك أيضا تصريح الأمنجي مخبر أمن الدولة، بكري عن انتحار المستشار وائل شلبي بقوله: إنه انتحر ولم تتم تصفيته، ولكنه شنق نفسه بين سيخين موجودين في الحمام بواسطة الكوفية التي كان يرتديها باستمرار، وأن الرقابة الإدارية كانت تعامله بطريقة جيدة، ولم يمنعوه من الاتصال بأهله، وحينما انتهت التحقيقات الساعة 12.30، طلب وجبة من مطعم (الدهان) وراحت له، وفي الصباح فوجئ الجميع بأنه مُعلّق في الحمام بالكوفية!
المهم أن الرجل مات وماتت القضية معه وهذا هو المطلوب؛ حتى لا يخبر عن أحد من المتورطين معه.
ولكن هل يمكن لأحد أن يصدق هذه الروايات التي هي من إخراج الأجهزة المخابراتية، والتي تلجأ إليها في مثل هذه الحالات التي يستحيل معها وصف الضحية بأنه ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين!
ولو فرضنا جدلا صدق هذه الرواية، وهو مستبعد بطبيعة الحال، وهي انتحار المستشار المرتشي، فدعونا نفارن بين شباب وبنات الإخوان الذين يقبعون في سجون الانقلاب منذ سنوات، ولم يضجوا بالشكوى، ولم يقبلوا بعفو الطاغية، في الوقت الذي ينتحر فيه أتباع النظام الانقلابى بعد يوم واحد من الاعتقال.
وقد حدث أيام السادات بعدما تخلص من مراكز القوى، في مايو 1971، بعد ثورة التصحيح، أن كان من ضمن المعتقلين، علي صبري؛ نائب رئيس الجمهورية, وبعد يوم من اعتقاله ظل يصرخ ويضرب باب الزنزانة، فجاءه السجان فقال له: أريد أن أقابل الرئيس، ولما حضر الضابط، قال له: أنت سجين، اكتب ما تريد ونرفعه للرئيس، فكتب أعدمني يا سيادة الرئيس، فأنا لا أتحمل السجن! في الوقت الذى شهد فيه طبيب السجن الحربى الدكتور وصفي؛ وهو مسيحي أنه شاهد الشهيد فاروق المنشاوي، بعد طعنه عدة طعنات نافذة، وهو لم يتألم، وظل يردد الحمد لله حتى لفظ أنفاسه، ورفض مأمور السجن حسين زكي نقله إلى المستشفى، خوفا من أن يهرب!
المستشار وائل شلبي، ليس شخصا عاديا، فهو أحد أوتاد الدولة العميقة، فقد كان يعمل مستشارًا قانونيا لمحافظتي الشرقية والمنوفية، وعضو مجلس إدارة بشركة الاتصالات، وعضو مجلس إدارة جهاز حماية المستهلك، وعضو باللجان الضريبية واللجان التأديبية المتحكمة بحركة إعارة وانتداب المستشارين، شغل كل هذه المناصب وهو لايزال الأمين العام المساعد لمجلس الدولة، وقدمت فيه مذكرات تتهمه بالتربح وإهدار المال العام، في قضايا توريدات وإسناد مقاولات بالأمر المباشر لشركات بعينها، لتجديد مقر مجلس الدولة، وتوريد أثاث وأدوات وصيانة وغيرها، وبناءً على ذلك تم ترقيته ليشغل منصب الأمين العام لمجس الدولة والمتحدث الرسمي باسم المجلس، مكافأة له على فساده!
كما أنه معروف بأنه الرجل القوي بمجلس الدولة منذ نحو تسع سنوات، وقد تنقل بين وظائف إدارية بارزة تحت قيادة مختلف رؤساء مجلس الدولة، وكان معروفاً أيضاً بعلاقاته الواسعة بالوزراء والمحافظين وأجهزة الدولة المختلفة.
وحتى تكتمل فصول المسرحية، قال جابر القرموطي؛ أحد الأذرع الإعلامية إنه كان من المفترض على الجهات المسؤولة أن تضع في اعتبارها كل الخيارات التي تساعد المتهم في الانتحار، المتهم يخش محبسه بالكوفية ليه؟ دا كلام؟ دي حاجات بديهية.. دا كان ممكن يخلع رباط جزمته وأكمام القميص!
ومن المعروف أنه لا يُسمح للموقوف على ذمة التحقيق باصطحاب كوفية ولا غيرها.
بعض القضاة الشامخين، المقربين من وائل شلبي طالبوا مجلس الدولة أن يطلب رسمياً التحقيق في ملابسات الوفاة، لمعرفة ما إذا كان قد توفي منتحراً أم مقتولاً، لأن السمات الشخصية لشلبي لا تنبئ بانتحاره!
وإذا طبقنا قاعدة فتش عن المستفيد، التي تتبعها جهات التحقيق لكشف ملابسات أي واقعة، نجد هنا ببساطة شديدة أن المستفيد هم شركاء سيادة المستشار المرتشي، الذين خافوا من افتضاح أمرهم.
وقد تركوا لإعلامهم العنان؛ لينسج لنا روايات من خياله، مثل أن المستشار انتحر بالكوفية التي كان يلبسها دائما، وإذا سألنا: أين تقرير الطبيب الشرعي عن واقعة الانتحار؟ فإن الإجابة ستكون أنه حتى تقرير الطب الشرعي لم يعد مقنعا، فالطب الشرعي الذي كان يجبر أهالي الضحايا في رابعة والنهضة على التوقيع على إقرارات بأن أهاليهم ماتوا منتحرين، أو في حوادث سير, كيف ستكون تقاريره مقبولة ومقنعة؟!
ونذهب لرواية ابن عم المستشار وائل شلبي التي يقول فيها إن الراحل كان حالته النفسية جيدة جدا حتى الساعة الثانية مساءً، ووالده كان آخر شخص زاره بعد التحقيقات، وأن الراحل كان متزوجا، ولديه ولدان أحدهما طالب في الثانوي، والثاني في المرحلة الإعدادية، ووالدته متوفاة ولديه شقيقان، متسائلا: لماذا انتحر بعد الواقعة, ولم ينتحر قبل القبض عليه؟
من الواضح أن الحبل على الجرار، وأنه في الفترة القادمة، سيتم التخلص من عدد كبير من الإعلاميين والأذرع الإعلامية، وداعمي النظام الانقلابى، الذين انتهت صلاحيتهم، وأصبحوا خارج نطاق الخدمة، حيث يحاول النظام الانقلابى الظهور بمظهر من يحارب الفساد في الوقت الذي يرعى فيه الفساد والمفسدين في كل مؤسسات الدولة، وعلى الأخص ما يعرف بالجهات السيادية، التي هي فوق القانون وفوق المساءلة.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات