تشكل الحملة الأمنية على “مدى مصر”، أحد آخر المنصات الإعلامية المستقلة في مصر، مثالا آخر على استراتيجية الديكتاتورية العسكرية التي تفشل نفسها بنفسها. فمنذ توليه للسلطة في ٢٠١٤، أعلن عبد الفتاح السيسي أن هدفه هو حماية الدولة المصرية من السقوط، ثم طور هذا الهدف إلى “إعادة بناء الدولة”. وهذه أهداف تستحق الإشادة ولا ريب، نظرا للحالة المتردية للدولة المصرية. إلا أن الطريقة التي يتبعها النظام لتحقيق هذا الهدف تقضي على فرص مصر في الوصول لمستقبل مشرق.
فبعد أن نشرت مدى مصر تقريرا حول ابعاد نجل الرئيس من جهاز المخابرات العامة، ألقت قوات الأمن على محرر الموقع شادي زلط. وبعدها بيوم قامت بحملة على مكتب مدى مصر واحتجزت كل من وجدته هناك، بما في ذلك “لينا عطاالله” رئيسة تحرير الموقع. وكي يزيدوا الطين بلة، احتجزت قوات الأمن أيضا طاقم القناة الإخبارية الفرنسية “فرانس ٢٤” والذي كان يصور لقاء مع عطالله حول اعتقال شادي زلط! وهكذا تحول الخبر الأصلي الذي نشرته مدى مصر على موقعها (المحجوب في مصر) الى فضيحة عالمية بدأت تستدعي الإدانات الدولية. وعندها غيرت قوات الأمن مسارها وأطلقت سراح الجميع. ومن غير الواضح ما حققته هذه الحملة سوى لفت الأنظار الى غلظة النظام وافتقاده للفهم.
وبالإضافة لما تشكله هذه الهجمة من اعتداء واضح على حرية المعلومات والتعبير، فإنها توضح أيضا كيفية إهدار النظام للإمكانيات والفرص التي يوفرها شباب مصر. فما يجعل مدى مصر مؤسسة متميزة ليس فقط مقاومتها لهجوم السلطة الباغي على الحريات، بل كون هذا الموقع نتاج عمل مجموعة من المهنيين الشباب المبدعين الذين بنوا مؤسسة إعلامية يعتمد عليها وتحظى بمصداقية بموارد محدودة وفي وسط بيئة شديدة العداء. قارن نجاحهم هذا بالعقم الذي تعاني منه المؤسسات الإعلامية المملوكة للدولة، من الإذاعة للتليفزيون للصحف لوكالات الأنباء وهيئة الاستعلامات، بعشرات الآلاف من العاملين والميزانيات المقدرة بمئات الملايين. الفارق بين حيوية مدى مصر وتصلب الإعلام المملوك للدولة هو الحرية والإبداع. لكن النظام الغارق في رؤية سوفيتية للعالم لا يستطيع رؤية هذا الفارق.
إن هوس النظام بالطاعة والنظام والرتب يمنعه من رؤية الإمكانات التي يوفرها المجتمع المصري وخاصة شبابه، فما بالك بحسن استغلالها. ولا يقتصر قمع الابتكار والنمو على مجال الإعلام بل يمتد للمجالات الأخرى من السياسة والاقتصاد الى الثقافة والفنون.
ويشكل القبض على زياد العليمي وحسام مؤنس مثالا آخر على هذا. لقد استطاع كل من العليمي ومؤنس تجاوز أفكار اليسار الراديكالي الذي أتيا منه وفهما ضرورة الحلول الوسط العملية لبناء التحالفات الضرورية لتقوية المعارضة، بما يسمح بالضغط الفعال على النظام السلطوي. وهكذا استطاعا تكوين نفوذ سياسي في الشارع والأوساط النقابية – وفي حالة العليمي – النجاح في الانتخابات البرلمانية عام ٢٠١١.
وبعد استيلاء الجيش على السلطة واصل العليمي ومؤنس المحاولة – على عكس نشطاء آخرين، فتولى مؤنس إدارة الحملة الرئاسية لحمدين صباحي ضد السيسي في ٢٠١٤، ثم انضم للعليمي في بناء شبكة من النشطاء الشباب الراغبين في دخول الانتخابات البرلمانية المقبلة برغم من القمع السائد. وبدلا من أن يروا في هذه المبادرة فرصة لتدعيم الشرعية وإحياء العملية السياسية الميتة وتوفير قناة للتعبير عن الغضب المنتشر وفك الاحتقان، رأى لواءات مصر في هذه المبادرة مصدرا للتهديد وألقوا القبض على كل من شارك فيها، مطلقين عليها “مؤامرة الأمل”.
ولا يبدو حتى أنهم لاحظوا هذه المفارقة.
أخذت مؤامرة القضاء على الأمل في شباكها رجل الأعمال “عمر الشنيطي” الذي درس الاقتصاد وإدارة الأعمال في القاهرة ولندن وجامعة كولومبيا ثم كون محفظة استثمارية مبهرة تضمنت سلسلة مكتبات لها أكثر من ٣٥ فرع في مصر والخارج. وهي قصة نجاح بكل المعايير ومعجزة اقتصادية بمعايير المؤسسات الاقتصادية المصرية المهترئة. إلا أن ميوله الإسلامية لم تكسبه العطف اللازم لدى اللواءات. جمدت أملاكه في ٢٠١٧ ثم تم القبض عليه مع “معتقلي الأمل”.
كذلك ارتأت السلطات التخلص من حوالي ٤٠ من أفضل الدبلوماسيين المصريين بسبب “آرائهم السياسية”. وفي حين أن بعضهم – بما يشملني – قد عبر عن خلافه مع النظام علانية إلا أن غالبية هؤلاء قد عبروا عن آرائهم داخل القنوات الرسمية، بل وعبر بعضهم عن معارضته في سياقات اجتماعية. وبدلا من الاستفادة من قدرة هؤلاء على التفكير النقدي والمستقل – وهو أمر ضروري لصنع سياسة خارجية سليمة – رأى النظام فيهم تهديدا وتصرف بمقتضى ذلك، قاطعا رأس السلك الدبلوماسي في الأثناء.
هذه الأحداث وغيرها توضح من جديد أن رؤية النظام العسكري الحاكم في مصر للعالم قد تكون أسوأ أعدائه: فالقضاء على المهنية والحيوية والتفكير النقدي لا يحافظ على الدولة من السقوط، دعك من أن يعيد بناءها.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات