علمتني عاشوراء

مرت أحداث عاشوراء، صام من صام وهذا بكرم الله وفضله، وحرم من حرم ثواب هذا اليوم ممن تكاسل عن صومه، لكن الذي يعنيني هنا أن يوم عاشوراء فيه ما فيه من الدروس والعبر، وقد علمتني عاشوراء الكثير والكثير، ومن أهم ما نقف أمامه متعلمين ما يأتي:

  1. أن الطغاة الكبار مهما جاءتهم البينات، أو توالت عليهم النكبات لا يخضعون للحق، ففرعون جاءته تسع آيات بينات ثم فلق الله البحر{ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ }[الشعراء: 63]، ومع هذا غامر بقومه فهلك وأهلكهم، وهكذا كل طاغية فاسد.
  2. أن{الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ }[آل عمران: 19]، ومهما طال الزمان بين الأنبياء فالإسلام يجمعهم، وعند البخاري:” الْأَنْبِيَاء إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ”.
  3. أن التمايز بين أهل الحق والباطل أصل أصيل، قد يغض الطرف عنه تأليفا للقلوب ما كان بعيدا عن الأصول، لكن إن تمسك أهل الباطل بباطلهم وجب على أهل الحق التمايز، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم كما عند مسلم:” لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ”، وكان هذا تمايزا بعد أن تمادوا في غيهم وضلالهم.
  4. أن العسكر -عادة- لا عقل لهم ولا فكر ولا روية، فهم ينفذون من غير فكر، ويطيعون من غير فهم، وقد كان نتيجة الطاعة العمياء:{فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ }[الذاريات: 40]، وقد وصفهم الله بقوله: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} [القصص: 8]، لذا فلا براءة لجندي أحمق يطيع سيده إرضاء له على حساب حقوق الآخرين.
  5. أن الشعوب المستعبدة لا تنقاد بسهولة لقائد يخلصها من عبوديتها حتى وإن كان القائد نبيا؛ بل ديدنهم التمحك والتباطؤ والتثبيط، وانظر إلى ما قالوا لنبي الله موسى الذي جاء يخلصهم من الذل والاستعباد: {لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ } [البقرة: 61]، وقالوا:{فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24]، ولما نجاهم الله من فرعون يوم عاشوراء كان المقابل:{يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}[الأعراف: 138]، فانتظروا كثيرا من العنت من الشعوب المستعبدة ولا تتعجلوا.
  6. أن أول ما ينبغي عمله مع الشعوب المستعبدة هو تحريرها من الاستبداد، وهذا ما قام به يوشع بن نون حيث أكمل ما قام به نبيه موسى عليه السلام، فلما تحرر بنو إسرائيل من عبوديتهم سخر الله لهم السنن الكونية وأوقف لهم الشمس عن المغيب، وفي الصحيحين: أن يوشع بن نون غَزَا فَدَنَا مِنَ القَرْيَةِ صَلاَةَ العَصْرِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لِلشَّمْسِ: إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا، فَحُبِسَتْ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ”.
  7. أن الأمة لإسلامية جامعة للخير تأخذه من أي كان، إذ الحكمة ضالة المؤمن، ولهذا صام النبي كما صامت قريش، وصام كما صامت بنو إسرائيل وقال:” نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ فَأَمَرَ بِصَوْمِهِ”.
  8. أن هلاك الفراعين الطغاة لا يتعظ منه إخوانهم من الفراعين الجدد، ففرعون هلك وأبقى الله بدنه وقال: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَة} [يونس: 92]، لكن لم يعتبر الطغاة من بعده، وكم من طاغية هلك غريقا أو مقتولا أو مسموما أو مذبوحا، ولا حياة لمن تنادي.
  9. أن الفرح بنجاة الصالحين قربة يتقرب بها العبد إلى الله تعالى، ولهذا لم يتردد النبي صلى الله عليه وسلم أن يعبر عن فرحه بنجاة أخيه موسى عليهما السلام، لذا حين قال له بنو إسرائيل:” قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى” فكان جوابه صلى الله عليه وسلم:”فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ”، فَصَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ
  10. أن العجب ليس في قول موسى عليه السلام: {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِين}[الشعراء: 62] وفقط، ولكن العجب كذلك في يقينه وثقته، وما أروعه عليه السلام حين صدّر جملته بقوله (كلا) فما أروعها من (كلا) وما أجملها من (كلا).
  11. أن هلاك الطغاة حتمي إن وُجدت الفئة المؤمنة وشاء الله ذلك، وحينئذ يكون للفئة المؤمنة إما هلاك يشفي به الله صدور قوم مؤمنين؛ :{فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ } [الذاريات: 40]، وإما شهادة يعلي الله بها المؤمنين في عليين.
  12. أن المسلم يسعى إلى كل عبادةٍ تقربه إلى الله تعالى ما لم تكن بدعة، ولهذا سأل النبي صلى الله عليه وسلم بني إسرائيل: «مَا هَذَا؟»، فلما أخبروه (فَصَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ) متفق عليه.
  13. أن الأيام ليست وعاء للأحداث وفقط، لكنها دول {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140]، لذا فإن التذكير بيوم عاشوراء مشروع والله يقول: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } [إبراهيم: 5]…
  14. أن حكم مصر يزرع في قلوب الطغاة الغرور، ولقد كان هذا – من وجهة نظر فرعون- سببا لادعاء الربوبية، قال تعالى على لسان فرعون: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ } [الزخرف: 51]، وما أروعه هارون الرشيد حين قرأ ذلك فقال: ادعى الربوبية بملك مصر، والله لأولينها أخس خدمي، فولاها الخصيب. (وفيات الأعيان (1/ 188).

شاهد أيضاً

يوم عرفة.. أسرار وفضائل

الحمد لله الذي أكمل لنا الدين وأتمّ علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينًا، وصلاة وسلامًا …