أثار قرار وزير الأوقاف المصري محمد مختار جمعة بعودة المساجد إلى طبيعتها، اندهاش المصريين، بعد تضييق شديد على أنشطة المساجد ومنع الاعتكاف والتهجد وصلاة العيد في الساحات.
وتساءل مراقبون عن سر هذا التحول المفاجئ في موقف جمعة رغم تعنته الشديد في قراراته المتعلقة بفتح المساجد، وكان أكثرها غرابة منع استخدام دورات مياه المساجد، رغم تساهل من قبل سلطات السيسي مع حفلات الغناء والرقص.
وأشار المراقبون إلى أن التحول المفاجئ لموقف وزارة الأوقاف، يعود إلى عدد الاحتقان الشديد بين المصريين بسبب منعهم من صلاة التهجد والاعتكاف، في ظل السماح لغير المسلمين بممارسة شعائرهم بحرية مطلقة، إضافة أن حجة وزير الأوقاف بالالتزام بالإجراءات الاحترازية مبرر غير مقنع في ظل رفع هذه الإجراءات في معظم المؤسسات الأخرى.
كما أشار المراقبون أيضا إلى أن هناك تعليمات من الأجهزة السيادة بتخفيف الاحتقان للشارع المصري، في ظل غضب شعبي من ارتفاع الأسعار بشكل جنوني، وينذر بحدوث أزمات اقتصادية طاحنة.
وقال نشطاء إن مختار جمعة، خشي على نفسه الإقالة من منصبه، بعد مطالبات رواد مواقع التواصل الاجتماعي بإقالته بعد قراراته الاستفزازية لمشاعر المسلمين في شهر رمضان.
عودة المساجد لطبيعتها
بدأت مساجد مصر منذ الأحد الماضي في العودة لطبيعتها مع عودة دروس العلم وفتح الأضرحة والمزارات الدينية، وذلك وفقا لقرار من وزير الأوقاف لتعود المساجد كسابق عهدها قبل جائحة كورونا ومنذ الإجراءات الاحترازية التي فرضتها الوزارة على المساجد منذ بداية العام 2020.
وعلى مدى الشهور السابقة استمرت وزارة الأوقاف في تطبيق الإجراءات الاحترازية بحزم رغم تراجع حدة تنفيذها في ما يخص التجمعات الرياضية والفنية والاجتماعية، وهو ما أثار تساؤلات وغضبا على مواقع التواصل الاجتماعي.
وجاء قرار الوزير بعودة المساجد لما قبل كورونا استمرارا لسلسلة إجراءات وصفها مغردون بتراجع الوزارة تحت ضغط الرأي العام
والانتقادات الواسعة التي وجهت للوزير.
وإثر غضب شعبي واسع وصل صداه لمؤيدي السلطة وإعلاميين مقربين من الأجهزة الأمنية تراجع وزير الأوقاف عن منع صلاة التهجد بالمساجد وأتاحها في أواخر شهر رمضان الماضي، كما تراجع عن قرار بمنع صلاة العيد بالساحات، بل إنه دعا مسؤولي الوزارة إلى التبكير بإعداد خطة صلاة عيد الأضحى في الساحات والمساجد الكبرى، وسط تساؤلات لمغردين عن دوافع التراجع المتتابع واللهجة الهادئة الطارئة في خطاب الوزير بعد حدة واضحة اتسمت بها خطاباته سابقا.
وتباينت التقديرات في ما يتعلق بتفسير القرارات الجديدة واللهجة الطارئة للوزير الذي يصفه البعض بأنه عابر للحكومات، في إشارة إلى استمراره في الوزارة منذ عام 2013، إذ تم تعيينه في أول حكومة أعقبت تدخل الجيش لعزل الرئيس الشهيد محمد مرسي، وذلك دون أن تطاله التغييرات الوزارية، فيما قال آخرون إن تراجعات الوزير جاءت وفقا لرؤية حكومية تسعى إلى تهدئة الشارع والرأي العام، خاصة مع تفاقم الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد وموجة ارتفاع الأسعار.
وكان الأمر قد وصل في 28 أبريل الماضي إلى حد إصدار منظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية بيانا تطالب فيه وزارة الأوقاف بإنهاء جميع القيود التعسفية على التجمعات الدينية والصلاة والشعائر خلال العشر الأواخر من رمضان واحتفالات العيد.
ويعد جمعة من أكثر الوزراء حضورا بنفسه وبتغريداته على مواقع التواصل الاجتماعي، وتأتي معظم تغريداته تأكيدا على حرصه على تنفيذ توجيهات القيادة السياسية وحب الأوطان في مقابل كراهية جماعات الإسلام السياسي، إلى حد مطالبته المواطنين بعدم “التستر” على أي منتم لجماعة الإخوان المسلمين، معتبرا ذلك خيانة للدين والوطن.
وفي عدة تغريدات طوال الشهر الكريم حرص الوزير على مدح وتمجيد دور الأجهزة الأمنية في مقابل ذم قيادات جماعة الإخوان والرئيس الشهيد محمد مرسي، مستدلا بأحداث مسلسل “الاختيار 3” والتسريبات التي أذيعت في نهايات الحلقات، وكرر
الوزير إشادته بعبد الفتاح السيسي، معتبرا أنه أنقذ البلاد.
علاقة مع الأجهزة الأمنية
وفي هذا السياق، يرى مستشار وزارة الأوقاف الأسبق محمد الصغير أن الوزير تراجع عن قراراته التي سببت حزنا للمتدينين تحت جلد سياط وسائل التواصل وعقب تداول صور لحملات التفتيش التي أطلقتها الوزارة للتأكد من خلو المساجد من المعتكفين أو المتهجدين.
وأشار الصغير في مقال له إلى ذكرياته مع مختار جمعة قبل ثورة 25 يناير 2011 أثناء العمل معا في الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة، وكانت من أهم المحاضن الدعوية والاجتماعية العاملة في مصر.
كان جمعة هو المسؤول عن استكمال إجراءات الانضمام للجمعية، مؤكدا أنه ثبت على الملأ بعد ذلك أنه كان عينا للجهات الأمنية داخل الجمعية، لافتا إلى افتضاح أمره عندما طلب من إمامها الراحل الشيخ محمد المختار المهدي إصدار بيان ضد ثورة يناير ودعم الرئيس آنذاك حسني مبارك فرفض المهدي.
وبعد خلع الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك خرج علماء الجمعية في مظاهرة تطالب بطرد مختار جمعة وآخرين، وهو ما حدث بالفعل.
وذكر الصغير أن الأجهزة الأمنية عوضت جمعة لاحقا بمنصب عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية، وهي الكلية التي حصل منها مختار جمعة على درجة الدكتوراه في الدراسات الأدبية، وكان تخصصه في شعر الصعاليك، كما جرى “زرعه” في مكتب شيخ الأزهر، مما ساعده على الوصول إلى كرسي وزارة الأوقاف عام 2013.
واعتبر الصغير أن جمعة تنكر بعدها لشيخ الأزهر الذي زكى ترشيحه للوزارة، وانضم إلى أجهزة الدولة في بعض حملاتها على المشيخة، كما تنكر لمواقفه السابقة التي ظهر فيها داعما لثورات الربيع العربي، وإظهاره الانتماء إلى التيار الإسلامي، والتقرب من جماعة الإخوان المسلمين حينما كانوا في الحكم.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات