حتى قبل ان تنطلق الجبهة الوطنية المصرية ( تحت التأسيس) تعرضت لحملات متتالية ومتصاعدة من التشكيك والتشويه والتخوين، لم تقتصر على الطعن في بعض شخوصها، ولكنها تجاوزت إلى ميثاق تاسيسها، ورؤيتها وأهدافها، ووصل الحال ببعضهم لتشبيهها بجبهة الإنقاذ التي مهدت للإنقلاب العسكري في مصر، وتشبيه بيان إعلان الجبهة في ذكرى انقلاب الثالث من يوليو 2017 ببيان الانقلاب ذاته الذي تلاه السيسي في 3 يوليو 2013!
من الطبيعي أن أي مشروع جديد يُلقي حجرا في بركة السياسة المصرية الراكدة يتعرض للهجمات والطعنات من جهات متعددة بل متناقضة، وهذا ما حدث للجبهة الوطنية إذ جاءتها الطعنات من معسكر الانقلاب وأذرعه الإعلامية, وهذا أمر طبيعي جدا، كما جاءتها الطعنات من قوى وشخصيات معارضة لنظام السيسي، وجاءتها أيضا من معسكر أنصار الشرعية, وهذا هو ما يحتاج لوقفة بحكم الانتماء الواحد.
في معسكر أنصار الشرعية تركز الطعن على اتهام الجبهة ووثيقتها التأسيسية بالتنازل عن شرعية الرئيس مرسي (وبالمرة البرلمان والدستور) والتنازل عن حقوق الشهداء والمضارين، بل والتنازل عن الثورة وعدم وصف الانقلاب بكونه انقلاب.
مغرضون ومخلصون من يرددون مثل هذه الإدعاءات؛ بعضهم مغرض يستهدف النيل من الجبهة الوطنية لأسباب شخصية لا علاقة لها بمصلحة الوطن أو الثورة، ولكن بعضهم مخلص يردد أحيانا بلا وعي كلام أولئك المغرضين، ولهؤلاء حقٌ علينا؛ لتوضيح الصورة؛ كوني أحد الأعضاء المؤسسين لهذه الجبهة، والحقيقة أن كل الوساوس السابقة التي يروجها البعض ضد الجبهة غير صحيحة بالمرة، فهذه الجبهة – التي وُلدت بعد مناقشات وحوارات هادئة حينا وعاصفة أحيانا- لم تطلب من أحد التنازل عن شيء بل إنها اتفقت من البداية على العمل في المساحات المشتركة التي تجمع كل الفرقاء، مع ترك القضايا الخلافية جانبا انطلاقا من المبدأ العظيم “نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه”، والحقيقة أيضا أن شركاء طاولة الحوار التمهيدي اتفقوا على احتفاظ الموقعين بحقهم في التعبير عن رؤاهم الخاصة (فيما هو ليس من المساحات المشتركة) وهذا ما سمح للإخوان باعتبارهم موقعين على تلك الوثيقة أن يصدروا بيانين متتاليين أولهما في الذكرى الرابعة للانقلاب العسكري، والثاني عقب إطلاق الجبهة مباشرة، يؤكدون فيهما تمسكهما بشرعية الرئيس مرسي باعتبارها نتاجا لثورة 25 يناير ونتاجا للإرادة الشعبية الحرة، ولكن تمسك الإخوان بالشرعية بهذه القوة لم يمنعهم من التعاون مع بقية القوى والرموز الوطنية في المساحات المشتركة الأخرى وعلى رأسها اسقاط الانقلاب العسكري وهذا مظهر مهم للنضج السياسي لدى جماعة الإخوان التي لا تتخذ قراراتها وفقًا لأهواء شخصية، أو نزوات عابرة، بل بعد دراسة وورش عمل يشارك فيها متخصصون وخبراء تزخر بهم الجماعة.
لم تكتف الوثيقة باحترام حق كل فصيل في التعبير عن رؤاه الخاصة بل إنها تضمنت العديد من الإشارات عن ضرورة احترام الإرادة الشعبية ( في مطلعها) وإزالة آثار الإنقلاب ( المادة 3) واسترداد مكتسبات الثورة (المادة 8 )، كما أنها قدمت حلا ديمقراطيا لأي خلافات يصعب حلها بالحوار والتوافق وهو الاحتكام للشعب، وهو حل لا يرفضه إلا مكابر أو معادٍ للإرادة الشعبية التي يدعي الدفاع عنها.
صمود الرئيس وحقوق الشهداء
أقدر بشدة مشاعر كل المدافعين بإخلاص عن الرئيس مرسي وشرعيته خاصة بعد أن قدم الرئيس ملحمة بطولية في الصمود والثبات في محبسه أغاظت سجانيه ودفعتهم لإيذائه وحتى محاولة الخلاص منه، ولكن أدعوهم في الوقت نفسه للتفرقة بين هذه المشاعر الراقية، وبين ضرورات عمل جبهوي مشترك، لا يستطيع فيه طرف أن يفرض شروطه وأجندته كاملة على غيره من الأطراف، ولا يقوم أساسا على الأمور الخلافية بل على المساحات المشتركة فقط، وليس بعيدا عنا تجارب عمل مشترك قبل ثورة يناير مع شركاء من تيارات مختلفة في جملة أهداف مشتركة مع ترك القضايا الخلافية أيضا، بل ليس بعيدا عنا وثيقة المبادئ التي أعلنت في بروكسل مطلع مايو 2014 من قبل رموز وطنية محترمة، ونالت قبولا عاما من رافضي الانقلاب في الخارج والداخل، وكان بعض من شاركوا في إطلاقها والترويج لها شخصيات تعارض وثيقة الجبهة الوطنية حاليا رغم عدم وجود فارق بين الوثيقتين، بل أؤكد – وقد كنت قريبا من مطبخ الوثيقتين- أن الوثيقة الأخيرة أكثر إحكاما، وأكثر تقدما في وضع النقاط على الحروف لبعض الإشكاليات الخلافية.
ومن الوساوس التي ينشرها المتربصون بالجبهة الوطنية أيضا الادعاء بأنها تخلت عن حقوق الشهداء والمضارين، وأنها تجنبت ذكر لفظ الانقلاب ترضيةً لبعض الأطراف، والمؤكد أن من يروج هذه الشائعات الكاذبة كان يستغل عدم إعلان الوثيقة التي استغرقت شهورا من النقاش، ورغم أن الوثيقة ومنذ مشاريعها الأولى كانت تتضمن نصوصا عن السعي للإفراج الفوري عن السجناء السياسيين، وتحقيق القصاص العادل الذي يضمن عدم الإفلات من العقاب، وسرعة الوفاء بحقوق الشهداء والمصابين والمضارين من خلال نظام مستقل للعدالة الإنتقالية يضمن كشف الحقائق وجبر الأضرار (م 11).
كما أن الوثيقة وصفت ما جرى في مصر بأنه انقلاب، بل وضعت نصا خاصا لتجريم الإنقلابات العسكرية بعد ما عاناه المصريون من الانقلاب على ثورة 25 يناير واستحقاقاتها الديمقراطية والإرادة الشعبية(م 3).
ورغم وضوح النصوص إلا أن مروجي تلك الأكاذيب ظلوا يروجونها بعد صدورالوثيقة وإعلان الجبهة، وإنني أربأ بهم أن ينطبق عليهم الحديث الشريف: ” إن العبد ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا”.
تدليس لا يغتفر
من التدليس الذي لا يُغتفر تشبيه الجبهة الوطنية بجبهة الإنقاذ التي قامت أساسا للتمهيد لانقلاب عسكري على الحكم المدني، بينما تستهدف الجبهة الوطنية أصلا الخلاص من هذا الانقلاب واستعادة الحكم المدني، ومن التدليس الادعاء بأن بيان الانقلاب في 3 يوليو 2013 لا يختلف عن بيان إعلان الجبهة الوطنية في 3 يوليو 2017 ، ومن التدليس تشبيه شخصيات وطنية ناضلت من أجل وطنها وثورتها ودفعت ثمنا غاليا – وهي التي أسست الجبهة الوطنية- بشخصيات باعت نفسها للشيطان ونكصت على عقبيها، وتنازلت عن مبادئها واستدعت العسكر للانقلاب على التجربة الديمقراطية.
بعد 4 سنوات من الانقلاب العسكري واكتواء الجميع بنيرانه من يسار أو يمين، ومع تصاعد الغضب الشعبي ضد سياسات الإفقار والتجويع والخيانة وبيع الوطن والمياه والثروات، أصبح المناخ مناسبا لتقارب المخلصين في القوى السياسية المختلفة، وتعاونهم معا للخلاص من هذا الحكم، وهذا ما تستهدف الجبهة تحقيقه وتوفير مظلة له، وقد كان أحد عناصر التميز لهذه الجبهة هو تشكيلها المتنوع في الداخل والخارج الذي لم يشهده أي تجمع سابق، وكذا خطابها السياسي والإعلامي المنفتح الذي يعرف عدوه الحقيقي فيوجه سهامه إليه ولا يدخل في معارك جانبية مع هذا أو ذاك تستنزف الجهود وتشتت الأنظار، وقد احسنت الجبهة باختيارها شعار #نتحد_نغير، فلا تغيير في مصر دون تعاون كل المخلصين، ولا قدرة لفصيل على حسم المعركة منفردا مهما بلغت قوته.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات