في خطوة غير مسبوقة قامت السلطات السعودية أول أمس الأحد باعتقال 11 أميراً من العائلة المالكة و38 وزيرا ونائب وزير حاليين وسابقين.
الحدث استحوذ على اهتمام المعلقين والمحللين حول العالم, ومنذ وقوعه لا تزال التقارير تترى, وكلٌ يدلي بدلوه.
كيف لا ومن بين الأمراء الوليد بن طلال؛ أحد أكبر الأغنياء في العالم بثروة تقدر بـ18 مليار دولار، والابن الأكبر لملك السعودية السابق عبد الله، متعب بن عبد الله؛ وزير الحرس الوطني، وشقيقه تركي أمير منطقة الرياض سابقا، وفهد بن عبد الله؛ نائب وزير الدفاع السابق، وتركي بن ناصر؛ الرئيس السابق للأرصاد وحماية البيئة, وخالد التويجري رئيس الديوان الملكي السابق الذي كان له دور بالغ الخطورة في عهد الملك عبدالله, وكان من أوائل من أطاح بهم الملك سلمان فور توليه السلطة.
كما ضمّت القائمة رجال أعمال مشهورين، كصالح كامل، والوليد الإبراهيم؛ مالك مجموعة إم بي سي، نسيب الملك فهد, وبكر بن لادن رئيس مجموعة بن لادن، وغيرهم.
وقد تمت الاعتقالات بأوامر من لجنة شكّلها الملك قبل يوم واحد فقط من عمليات القبض والتحفظ، وترأسها وليّ العهد محمد بن سلمان، وأعلنت أن مهمتها «حصر المخالفات والجرائم والأشخاص والكيانات ذات العلاقة في قضايا الفساد العام»، ويدخل في صلاحياتها «التحقيق، وإصدار أوامر القبض، والمنع من السفر، وكشف الحسابات والمحافظ وتجميدها، وتتبع الأموال والأصول ومنع نقلها أو تحويلها من قبل الأشخاص والكيانات أيا كانت صفتها».
ورغم اختلاف الأسباب المعلنة, إلا أنه لا يمكن فصل هذه الموجة من الاعتقالات عن الموجة التي سبقتها وشملت رجال دين ودعاة ومثقفين وأكاديميين، وهذا السياق يضعها في إطار تشديد قبضة محمد بن سلمان، وليّ العهد، على كل مفاصل القوّة والسلطة والنفوذ في المملكة بحسب صحيفة ” القدس العربي”.
فتشكيل «لجنة مكافحة الفساد»، بهذا المعنى، هو من لزوم ما لا يلزم، لأن «مكافحة الفساد» لو كانت ضمن أنظمة قانونية حقيقية، فإنها لا يحتاج إلى تشكيل لجنة.
أما وقد عمدت السلطات إلى تشكيل لجنة مجهولة المعالم فإن مصداقية تلك السلطات، واللجنة، كانت تقتضي أن يسمّى أعضاؤها لتعرف حيثيّاتهم القانونية، وكان عليها، تشكيل لجان قانونية للتحقيق تجمع الأدلة والاثباتات قبل أن ترفع الاتهامات وتنفذ الاعتقالات، وهذا ينطبق على المواطنين العاديين كما ينطبق على الأمراء والمسؤولين الكبار.
صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية اعتبرت ما حصل تشديدا لقبضة ولي العهد السعودي الحديدية على العائلة الحاكمة لقمع موجة غضب متصاعدة داخلها نتيجة تركيز السلطات العسكرية والمالية والإعلامية في يد محمد بن سلمان بعد أن كانت موزعة ضمن العائلة.
وكذلك منع كل المنافسين المحتملين، وهو ما يفسّر، على الصعيد المالي، اعتقال الوليد بن طلال وتجميد حساباته، ويفسّر، على الصعيد العسكري، إعفاء ثم اعتقال الأمير متعب، الذي كان خلال حكم والده عبد الله، مرشّحاً للدور الذي يلعبه وليّ العهد الحالي.
هيئة كبار العلماء في السعودية أعلنت مساندتها للإجراءات معتبرة «مكافحة الفساد» مثل «محاربة الإرهاب»، ومن المؤكد أن باقي المواطنين السعوديين كانوا سيسعدون أيضاً لو حصلت معجزة أسقطت وحاسبت كل الفاسدين، وليس بعضهم فحسب.
ولأن هذه المعجزة مستبعدة, فهم، على الأغلب، لم يصدقوا، بأن لا خلافات شخصية بين ولي العهد والأمراء والمسؤولين الموقوفين، أو بأن القانون سيطبق على الجميع، كما قال عبد الرحمن الراشد؛ رئيس لجنة الاقتصاد والطاقة بمجلس الشورى السعودي مدافعا عن القرار.
«مكافحة الفساد» بالطريقة التي تجري في السعودية لا يمكن أن تكافح الفساد لأنها صادرة عن سلطة مطلقة خارج المحاسبة، ورفعها يافطات مكافحة الجرائم والفساد والإرهاب، لا معنى له دون وجود آليات تحمي الأبرياء من التسلّط عليهم، وتؤمن ضمانات للدفاع عن براءتهم وحقوقهم وأموالهم وكراماتهم.
المغرد السعودي «مجتهد» كشف كواليس الإطاحة بوزير الحرس الوطني «متعب بن عبدالله»، شارحا أسباب تأخير هذه الخطوة.
وقال «مجتهد» في تغريدات له عبر «تويتر» «إقالة متعب تعتبر من الناحية السياسية وضمان مستقبل محمد بن سلمان أهم من بقية الأحداث».
وأضاف أنه «قبل أن يتحمس ابن سلمان لإقالة متعب أعاد ترتيب جهاز المباحث بعد أن صار اسمه جهاز أمن الدولة حتى تنتهي أي علاقة للجهاز بالولاءات السابقة».
وتابع «مجتهد» قائلا «بعد إقالة ابن نايف (ولي العهد السابق) وتحويل كل القوات المسلحة في الداخلية لسلطة ابن سلمان مباشرة لم يبق من القوات المسلحة خارج سلطة ابن سلمان إلا الحرس الوطني».
وملأ «بن سلمان» الجهاز بالعناصر المصرية والمرتزقة من بلاك ووتر خاصة في الأجهزة الخلفية التي لا تباشر التعامل مع المعتقلين أو المستجوبين، بحسب مجتهد.
وقال «مجتهد»: «كان ابن سلمان قد حاول إقناع متعب بالحسنى، وذلك بإغرائه بتعيين أحد أبنائه لكن متعب رفض كما ذكر مجتهد في وقته».
وتابع «سبب حرص ابن سلمان على ذلك هو إزالة آخر عائق عسكري متمثلا في الحرس ضد اعتلائه العرش حيث ينفسح الطريق لتنحي والده له واستلامه الملك رسميا».
ومضى «مجتهد» قائلا «وفي حماية لنفسه ومنصبه لجأ متعب لخطوتين:
1) الاحتماء بعمه أحمد بن عبدالعزيز
2) ضمان ولاء كبار ضباط الحرس ورفضهم الانصياع لأي قيادة جديدة».
وأوضح أن «متعب نجح في انتزاع وعد من عمه أحمد بدعمه حيث كان أحمد وقتها ضامنا تأييد عدد كبير من العائلة معتقدا أنهم سيقفون معه لو هب لنجدة متعب».
وقال «وأرسل أحمد بعد ذلك رسالة غير مباشرة لابن سلمان بعدم التهور وإقالة متعب وكان هذا التحذير أحد الأسباب في تأخير قرار إقالة متعب».
وأضاف «مجتهد» «لتحييد أحمد قام ابن سلمان ببث تحذيرات داخل العائلة أن من يتردد على أحمد أو يتداول معه أي ترتيب يعرض نفسه للخطر ونجح بتقليل من يترددون عليه».
«أما ضباط الحرس فلم يكن ابن سلمان قلقا من ولائهم لأنهم ممن يعمل بالمثل (الّلي يتزوج أمي أقول له يا عمي)، وحتى لو تعهدوا لمتعب بشيء فلن ينفذوه»، بحسب مجتهد.
وتابع «وحين اطمأن ابن سلمان إلى أن ترتيبات أحمد لم تعد ذات قيمة قرر المضي قدما في إقالة متعب وأعد العدة حتى تتزامن مع حملته المزعومة على الفساد».
ومضى موضحا أن ابن سلمان يريد تحقيق عدة أهداف من هذا التزامن:
1) تبرير احتجاز متعب
2) احتجاز من يمكن أن يدعمه من الأمراء
3) إرهاب البقية من التحرك
وختم «مجتهد» تغريداته بالقول «يبدو حتى الآن أن الخطة نجحت, لكن لا يمكن الجزم بذلك لوجود جيوب من العائلة لا تزال لديها رغبة جامحة في الانتقام والتغيير, والجميع يترقب».
وتفاصيل مثيرة حول «الحريري»
«مجتهد» ربط أيضًا بين استقالة رئيس الحكومة اللبنانية؛ سعد الحريري ومذبحة الأمراء، معتبرا أن سبب التزامن يكمن في رغبة بن سلمان في «حشر» الحريري مع الأمراء ورجال الأعمال الموقوفين بهدف ابتزازه والاستحواذ على الأموال التي لديه في الخارج.
ونفى المغرد السعودي الحديث عن اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية المستقيل قائلا: «والحديث عن اغتيال الحريري غير صحيح، فليس من مصلحة حزب الله اغتيال الحريري لأنه مفيد للحزب كونه قيادة ركيكة بائسة ومضعفة جدا لأهل السنة».
وأشار إلى أنه طبقا لمعلومات المخابرات السعودية فإن الخطر على الحريري من الجماعات الجهادية أكبر من حزب الله لأنهم يرونه سببا في إضعافهم أمام حزب الله.
وحول علاقة الحريري بإيران قال «مجتهد»: «وأما العلاقة بإيران فقد كان الحريري سعيدا ومتفائلا بلقائه الأخير مع ولايتي وليس عنده من الوعي والالتزام السني ما يكفي لإدراك خبث إيران».
وشدد المغرد السعودي الشهير على أن «البيان الذي قرأه (الحريري) كُتب له وليس مقتنعا به ولا بمحتواه ولا مقتنعا بإعلان الاستقالة من الرياض، فكيف يعلن زعيم سياسي استقالته من عاصمة دولة أخرى؟».
وتابع: «القصة ليست إلا قرار عربجي من قبل محمد بن سلمان لتبرير إبقائه في الرياض وابتزازه ماليا حيث لا يستطيع إبقائه في الرياض وهو رئيس للوزراء».
وختم «مجتهد» بالقول: «الجدير بالذكر أن سعد الحريري يحمل الجنسية السعودية ويحق للنظام السعودي التعامل معه كمواطن من الناحية النظامية، وما يتبع ذلك من إجراءات».
الحريري وحريق الإقليم
ياسر الزعاترة كاتب صحفي أردني/ فلسطيني كتب حول استقالة “الحريري” رأيا آخر، فهو يرى أنها تؤكد جملة أمور:
أولها أن مواجهة المشروع الإيراني هي مواجهة شاملة، وسيكون من الصعب التوصل إلى تسوية لملف دون آخر، ولا بد من صفقة إقليمية شاملة.
الثاني، أنه دون تماسك أفضل للوضع العربي، وترتيب أفضل للأولويات، وتفاهم معقول مع تركيا، فسيكون دفع إيران نحو تسوية متوازنة صعبا.
أما الأهم من ذلك كله، فقد أثبتت الاستقالة، ومن الرياض أن معركة الإقليم لن تضع أوزارها قريبا، وأن إيران تبيع الوهم على أتباعها إذ تتحدث عن انتصار، وكل ما هنالك أن النزيف سيطول أكثر فأكثر، وسيصيب كل شعوب المنطقة، وهذا حال الصراعات ذات البعد الطائفي التي تكون طويلة ومدمّرة.
بقدر معقول من تماسك الوضع العربي، وترتيب أولوياته على نحو أفضل، وتفاهم معقول مع تركيا، يمكن توفير أجواء الصفقة الإقليمية المتوازنة، ومن دون ذلك سيواصل خامنئي مطاردة أوهامه، وستطول المعركة وتزداد خسائر شعوب المنطقة، ولن يربح سوى الصهاينة، وإن كان ربحا مؤقتا أيضا.
أما لبنان، فسيبقى على حاله المرتبك (كان كذلك قبل الاستقالة)، حتى تكون التسوية الإقليمية التي لا تمنح طرفا القدرة على
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات