يجري نقاش في الولايات المتّحدة حول ما إذا كان ينبغي إدراج جماعة الإخوان في قائمة المنظّمات الإرهابية. وفي عام 2015، قام السيناتور «تيد كروز» والنائب «ماريو دياز بالارت» بمحاولة في الكونجرس للدفع بمشروع قرار يعتبر الإخوان منظمة إرهابية، والذي كان من شأنه منع المنظّمات التابعة للإخوان في الولايات المتّحدة، لكن تمّ تعليق المشروع لبعض الوقت.
وفي يناير2017، وقبل أسبوع من تنصيب الرئيس دونالد ترامب، أعاد «كروز» تقديم مشروع القانون أمام الكونجرس الذي يهيمن عليه الجمهوريون، مع قدوم رئيسٍ أشار إلى نواياه في أولوية الحرب على ما أسماه «الإرهاب الإسلامي».
يعدّ مثل هذا الحظر خاطئًا على عدّة مستويات بحسب ” ستيج جارل هانسن” – في مقال بمجلة “فورين أفيرز” الأمريكية المتخصصة في السياسة الخارجية والتي تصدر شهريا عن مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية, وترجمه موقع “الخليج الجديد” وننقله هنا بتصرف:
بدأ اقتراح «كروز» بسرد الدول الأخرى التي حظرت الجماعة، مثل البحرين ومصر وروسيا والسعودية والإمارات، ويمكن وصف جميع تلك الدول بأنّها استبدادية، وبعضها على الأقل ديمقراطيات ضعيفة ذات توجّهات شمولية، وعلى الجانب الآخر، فإنّ جماعة الإخوان المسلمين عبّرت باستمرار عن دعمها والتزامها بالديمقراطية، وأقرّ مجلس شورى الجماعة، الذي يصيغ سياساتها الداخلية، بالديمقراطية، وشاركت الكثير من الأحزاب المرتبطة بالجماعة في الانتخابات الديمقراطية، في دول مثل المغرب والصومال، على الرغم في بطء استجابة الإخوان في السعي إلى توافق الآراء مع خصومهم داخل الحكومة.
وفي مصر على سبيل المثال، وُجّهت الانتقادات إلى الإخوان لعدم توافقهم مع آراء خصومهم بعد الربيع العربي، وفي ذلك الوقت، أصدر «مرسي» مرسومًا يوسّع من صلاحياته، لكن لم ينتهك «مرسي» أو الإخوان في أي مرحلة الدستور المصري، على العكس من «السيسي»، الذي قيّد جزءا كبيرا من المعارضة وسجن المعارضين السياسيين.
ومثل التقرير البريطاني الذي أعده سفير بريطانيا لدى السعودية؛ حلل مشروع قانون «كروز» أنّ جماعة الإخوان تعاني من عدّة أوجه للقصور، وفي محاولة لتفسير أيديولوجية الجماعة، ركّز بشكلٍ أساسي على أعمال اثنين من الزعماء السابقين للجماعة، وهما المؤسس «حسن البنّا» والعضو البارز بالجماعة «سيد قطب»، وكان «البنّا» غامضًا في كتاباته؛ في بعض الأحيان يقرّ العنف، ويدينها في البعض الآخر. ولحل هذا الغموض، والحصول على تفسير الجماعة الحالي لكلمات «البنّا»، يحتاج المرء لمقابلة قادة الجماعة شخصيًا، لكنّ آراءهم غائبة تمامًا عن قانون «كروز»، كما أن «سيد قطب»، المنظّر والقائد السابق بالجماعة، شخصية مثيرة للجدل داخل الجماعة ذاتها، وقد انقسمت القيادة العليا للجماعة في مصر حول أفكاره، ونأى «حسن الهضيبي»، المرشد الأسبق للجماعة منذ عام 1951 إلى عام 1973، بنفسه عن تعاليم «قطب» في وقتٍ مبكّر.
أيديولوجيا تتطور
والأهمّ من ذلك، أنّه منذ اغتيال «البنّا» عام 1949 وإعدام «قطب» عام 1966، تغيّرت جماعة الإخوان المسلمين. وفي الحقيقة، لا تزال أيديولوجيتها تتطوّر. ونظرًا لانشغال مشروع القانون بأفكار «البنا» و«قطب»، فإنّه أهمل الاعتراف بذلك التطور, وتجاهل عقودًا من تطوّر الجماعة منذ ستينات القرن الماضي وحتّى اليوم. وفي مقابلات شخصية أجريتها مع قادة للجماعة في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، ذكر العديد منهم إعجابهم بقادة مثل «راشد الغنّوشي»، العضو المؤسس لحركة النهضة التونسية، وهو يدعم الديمقراطية وحقوق الإنسان ولا يهتم كثيرًا أن تكون البرلمانيات عن حزبه ترتدين الحجاب، وكانت حركة النهضة حزبًا إسلاميًا من قبل، لكنّها لم تعد كذلك، وسعت إلى توافق الآراء مع خصومها السياسيين العلمانيين.
وفي مقابلاتي مع هؤلاء القادة، فوجئت بمدى المرونة التي عليها الجماعة، حيث تعيد المتغيرات تشكيل وجهات نظر القيادة العليا، ومن ناحيةٍ أخرى لا تزال الجماعة تدعم بعض الأفكار المحافظة مثل النظرة الأبوية لدور المرأة في المجتمع، ومع ذلك، فإنّ جماعة الإخوان تحوي تباينات دقيقة داخل صفوفها، ويجب فهم من هم المحركون الحاليون للجماعة لفهم أين تقف أيديولوجيًا.
ومن هذا المنطق، لا يفرّق مشروع القانون المقترح بين القادة السائدين للجماعة وأولئك الذين انفصلوا عنها ويتبنون أفكارًا أكثر تشددا، ويبرز مشروع القانون كيف أنّ «حسن الترابي»، القائد السياسي الإسلامي السابق في السودان، رعى «العنف»، ونسي أن يذكر أنّ الترابي انفصل عن جماعة الإخوان في الثمانينات من القرن الماضي، قبل أن يتحول توجهه بشكل علني، وبالمثل ذكر أنّ زعيم تنظيم القاعدة، «أيمن الظواهري»، ارتبط بالجماعة، دون ذكر تركه لها، ولم يذكر أيضًا انتقادات القاعدة للجماعة واتّهامها بعباراتٍ مثل التعاون مع الغرب والإقرار بالديمقراطية الغربية.
ولا يتجاهل مقترح «كروز» لحظر جماعة الإخوان الطبيعة الحقيقية للمنظّمة المعاصرة فحسب، لكنّه يتجاهل أيضًا دور الجماعة في مساعدة الغرب في حربه على الإرهاب، وفي عام 2003، أبرمت المملكة المتّحدة شراكة – حسب قوله – مع عدد من المنظّمات التابعة للجماعة لإبعاد «أبو حمزة» وقاعدة المتعاطفين معه من مسجد فينسبري بارك في لندن، واليوم، تراجعت الحكومة البريطانية عن الموقف الأقسى الذي اتّخذته بحقّ الجماعة في تقريرها لعام 2015، وأصبحت تعتبر الجماعة مرّة أخرى جدار حماية ضدّ التطرف. كما أنّ العديد من المنظّمات والحركات التابعة للإخوان كانت متحالفة مع الولايات المتّحدة في الماضي في أماكن مثل العراق والصومال وسوريا في مكافحة أنشطة إيران، وكذلك القتال ضدّ تنظيم الدولة وحركة الشباب.
وحتّى (إسرائيل) المعروفة بعدم تهاونها مع الإسلاميين، سمحت للحركة الإسلامية التي تتّخذ الجنوب مقرًا لها، والمعروفة برجوع أصولها إلى جماعة الإخوان المسلمين، بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية. وعلى الرّغم من أنّ السّعودية حاربت الإخوان في مصر، إلّا أنّها تتعاون مع حزب الإصلاح في اليمن، وهو الحزب الإسلامي المدعوم من الإخوان المسلمين، حيث أنّ لديهما عدو مشترك وهو جماعة الحوثيين، الذين استولوْا على صنعاء عام 2014، وكذلك شكّلت السّعودية علاقة وثيقة مع الإخوان المسلمين في لبنان، حيث تعتبر الجماعة هناك عاملًا مهمًّا أمام النفوذ الشّيعي.
وهناك بالطّبع انتقادات أخرى لجماعة الإخوان المسلمين، فهي تدعو إلى عقوبة الإعدام كحدٍ للردّة، على سبيل المثال، وثمة انتقاد بنفس الأهمية موجّه إلى جماعة الإخوان في مصر، بسبب فشلهم في التوافق السياسي مع خصومهم أثناء الفترة الانتقالية في حكم البلاد، لكنّ أفضل ما يمكن عمله للمضي قدمًا هو دعم فصائل الجماعة الأكثر انتشارًا مع مراقبة المجموعات الفرعية الأكثر تشددا، ومن شأن هذا الحظر أن يضرّ بالمصالح الأمريكية، لاسيما عندما يتعلّق الأمر بمكافحة الإرهاب ومواجهة النفوذ الروسي والإيراني في الشرق الأوسط. وما تحتاج إليه الولايات المتّحدة هو مشاركة حقيقية مع الإخوان، من خلال المناقشات والنقد البناء، وليس من خلال الحظر الصريح.
وكان ” ستيج جارل هانسن” استهل مقاله باستعراض أهم وأبرز ما حدث خلال الأعوام القليلة الماضية حول “الإخوان المسلمين”، ومدى علاقتها بالإرهاب رغم أنها بحسب رأيه الجماعةً الإسلامية صاحبة النفوذ الواسع في الشرق الأوسط.
وفي المملكة المتّحدة، كانت الأفرع المرتبطة بالجماعة (متحالفة) مع الحكومة في حربها على الإرهاب لكن في عام 2014، غيّر رئيس الوزراء ديفيد كاميرون المسار، حيث أجرى تحقيقًا حاسمًا حول ما إذا كانت المنظّمات المستوحاة من فكر جماعة الإخوان تمثّل تهديدًا للأمن القومي البريطاني. وخلص التقرير إلى أنّه «ينبغي اعتبار أنّ عضوية الجماعة أو الارتباط بها أو بنفوذها هو مؤشر محتمل على التطرّف»، لكنّها لم توصِ بحظر الجماعة.
وعلى ما يبدو فإنّ خطوة كاميرون تأثّرت بقرارات حلفاء المملكة المتّحدة في الشرق الأوسط للتعامل بقسوة مع الإخوان. وفي عام 2013، بعد الإطاحة بالرئيس المصري المرشّح عن جماعة الإخوان المسلمين، «محمد مرسي»، في انقلابٍ عسكري قاده الجنرال «عبد الفتاح السيسي»، تمّ حظر الجماعة ومصادرة أموال رموزها ومؤسساتها المختلفة ، وفي عام 2014 اعتبرت السّعودية الجماعة منظّمةً إرهابية، وكذلك فعلت الإمارات، وكانت الأردن تقمع الإخوان أيضًا.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات